الوجه الثاني: أنه لو فرض إجماع العصر الثاني على أحد القولين؛ فهل يرتفع النزاع؟

17 paragraphs · vol. 2, p. 741

  1. قيل: هذا إنما يكون لو كان الناس غير الحسن قد أجمعوا على ذلك، وقد ثبت أَنَّ الصحابة والتابعين أفتوا في الحلف بالعتق بالكفارة، وَأَنَّ النقل عنهم بذلك أثبت من النقل بنفي الكفارة.

    vol. 2, p. 741
  2. وأيضًا؛ فكل ما نقل عن الصحابة إنما فيه التسوية بين الحلف بالعتق والنذر؛ نُقِلَ عنهم الإفتاء بالكفارة فيهما، وَنُقِلَ عنهم الإفتاء باللزوم فيهما، لكنْ هذه الرواية الثانية فيها ما لم يَقل به أحدٌ من علماء المسلمين = فانعقد الإجماع على خلافها، فتكون باطلة؛ بخلاف الرواية الأولى فإنه ليس فيها شيء إلا وقد قال به بعض التابعين بل كثير منهم؛ وحينئذٍ فَمَنْ فَرَّقَ بين الحلف بالطلاق والعتاق وغيرهما فقد خالف إجماع الصحابة.

  3. فصلٌ

    وأما قوله: (فلا يثبت الخلاف [ولا الإجماع] بالشك، بل نتوقف؛ فإن اتفق إجماع مَنْ بعده اعتبر) .

  4. فعنه أجوبة:
  5. أحدها: أنه قد ثبت أَنَّ القول بثبوت الكفارة في الحلف بالعتق أثبت عن الصحابة والتابعين من نقيضه، فضلًا عن أَنْ يكون نقيضه مجمعًا عليه.

  6. الثاني: أنه لو فُرِضَ إجماعُ العصر الثاني على أحدِ القولين، فهل يرتفع النزاع؟ في ذلك نزاعٌ مشهور في مذهب أحمد وغيره، والمشهور في مذهبه: أنه لا يرتفع النزاع؛ وهو قول الأشعري، وكثير من أصحاب الشافعي، واختيار القاضي أبي يعلى وغيره.

  7. والثاني: يرتفع؛ وهو قول كثيرٍ من المعتزلة، وأصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، وهو اختيار أبي الخطاب وغيره (١) .

    vol. 2, p. 742
  8. وأصلُ هذه المسألة: أَنَّ قولَ الميت هل يُعْتَدُّ بِهِ أم لا؟

  9. فيقال: إِنْ كانت الأقوال تموت بموت قائلها، ولا يعتد إلا بأقوال الأحياء = لم يجز تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وبطل اعتمادُ مِثْلِ هذا المعترض وأمثالِهِ على ما ينقلونه من المذاهب المتبوعة.

  10. وإذا لم يجز تقليدهم [٢٠٨/ أ] لم يَبْقَ إلا تقليدُ مَنْ كان مجتهدًا في أهل العصر، ولم يعتد إلا بخلافه لا بخلاف الأربعة وغيرهم.

  11. وحينئذٍ؛ فالمنازعون في هذه المسألة عامتهم مقلدون، لا يعرفون ما فيها من الأدلة الشرعية ومذاهب العلماء، والذين انتدبوا للمعارضة فيها ــ قبل المعترض وأمثاله ــ لا يَعرفون ما فيها من الأقوال والأدلة، فلا يُعْتَدُّ بقولهم فيها = فوجب عليهم السكوت عن الكلام فيها، لأنَّ الكلام إما بتقليد ــ والتقدير: أَنَّ تقليد الموتى لا يجوز ــ، وإما بالاستدلال والاجتهاد فلا بُدَّ معه من معرفة الأقوال من الطرفين وما فيها من الأدلة، وإلا كان كلامًا بلا علم، ولم يوجد ذلك (٢) .

  12. وإِنْ قيل: إِنَّ الأقوال لا تموت بموت قائلها؛ فالصحابة والتابعون لهم بإحسان أولى أَنْ تكون أقوالهم باقية مذكورة يعتد بها في الإجماع والنزاع؛ وحينئذٍ فلا يقع إجماع معصوم على خلاف أحد قوليهم إِنْ لم يكن معه حجة شرعية تكون حجة على أولئك الموتى (١) .

    vol. 2, p. 743
  13. ومعلومٌ أَنَّ قول مَنْ بعدهم لا يكون حجة عليهم، لكن إِنْ كان قد ظهر في العصر الثاني نَصٌّ خَفِيَ على بعض أهل العصر الأول = فهذا ممكن؛ كما ظهر حديث سُبَيْعَةَ الأسلمية في المتوفى عنها (٢) ، وحديث التسوية بين الأصابع في الدية (٣) ،

    وحديث بَرْوَع بنت وَاشِق (٤) ، وغير ذلك من الأحاديث التي خالفها بعض الصحابة لكونهم لم يعرفوها (٥) .

  14. وحينئذٍ؛ فتكون الحجة عليهم هذا النص الذي هو مستند مَنْ بعدهم، الذي لو علموا به في حياتهم لوجب عليهم اتباعه، وإلا فيمتنع أن يكون الصحابة تنازعوا ثم أجمع التابعون على أحد قوليهم بغير حجة ظاهرة يجب اتباعها على من مات لو علم بها.

    vol. 2, p. 744
  15. وإذا كان كذلك؛ امتنع تقدير هذا في مسألتنا، فإنه ليس مع القائل بأنَّ الحالف بالطلاق أو العتاق أو النذر يُلْزَمُ (١) نَصٌّ يرفع النزاع، بل دلالة النص والقياس على خلاف قوله في غايةِ القوةِ والظهورِ، وكُلُّ عالِمٍ يعترف بذلك، ولكن يعتذر بخلاف المذهب، أو بخلاف ما يظنه من الإجماع.

  16. والصواب [٢٠٨/ ب] في مسألة إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة: أَنَّ ذلك إذا وقع، وجب القول بأنَّ ذلك الإجماع معصومٌ، فإنَّ الأمةَ معصومةٌ في كُلِّ عصرٍ عن الضلال، فلو قُدِّرَ إجماعُ التابعين كلهم على ضلال لكانت الأمة قد أجمعت على الضلال، ولا يغني هدى (٢) العصر الأول عن ضلال العصر الثاني، لكن دعوى إجماع مَنْ بعد الصحابة على أحد قوليهم متعذرٌ في الغالب أو متعسر، وأما إجماع مَنْ بعد التابعين على أحد قوليهم فالعلمُ بهذا في غاية البعد والامتناع.

  17. ولهذا؛ ما زال الناس يذكرون أقوال الصحابة والتابعين، ويحتجون لأحدِ القولين بالأدلة الشرعية، ولا يحتج على بطلانِ أحدِ قولي الصحابة بمجرد إجماع مَنْ بعدهم من غير دلالة كتاب ولا سنة ولا اعتبار.