فصل في تقليد المجتهد الذي تغير اجتهاده ولم يعلم القول المرجوع عنه
8 paragraphs · vol. 2, p. 745
- vol. 2, p. 745
قال: (وكذلك نقول؛ إذا اتفق مثل هذا لإمام من أئمة المذاهب، ولم يعلم القول المرجوع عنه = لم يجز للعامي تقليده في شيءٍ منهما، إلا أَنْ يَنْضَمَّ إلى أحدهما ترجيح مِنْ قواعده أو من أحد من أصحابه فيقلده) (١) .
-
والجواب أَنْ يقال: إدخالُ جواز التقليد وعدمه في باب المناظرة بالأدلة الشرعية غير مناسب، ولا فائدة فيه، فإنَّ ما ذكره مبنيٌّ على أصول:
أحدها: أَنَّ تقليد الميت هل يجوز أم لا؟ وفيه قولان مشهوران، ومن الناس مَنْ يقول: الأكثرون على أنه لا يجوز تقليد الميت؛ فعلى هذا لا يجوز للعامي اتباع الأول ولا الثاني (٢) .
-
وَإِنْ قيل: إنه يجوز تقليد الميت ــ وعليه عمل أكثر الناس (٣) ــ فهو تقليد الحي (٤) ؛ والعالم إذا أفتى عاميًّا في مسألة ثم تغير اجتهاده لم يجب على العامي أَنْ يرجع عَمَّا أفتاه به، فإنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولو حَكَمَ حاكمٌ في مسألةٍ باجتهاد، ثم تغير اجتهاده لم ينقض حكمه فيها (٥) .
- vol. 2, p. 746
وأيضًا؛ فالقولان المتقدم والمتأخر للعالم كقول عالمين، ليسا كقول نبي نَسَخَ بآخر قوليه قولَه الأول، بل هما كقول عالمين يجوز أَنْ يكون الحق في كلٍّ منهما.
-
وقد تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم فيما إذا [٢٠٩/ أ] كان للمجتهد قولان متقدم ومتأخر، هل يضاف إليه القول الأول كما يضاف إليه المتأخر؟ على قولين مشهورين لهم.
-
بل إذا صَرَّحَ بالرجوع عن القول الأول، هل يجعل الأول قولًا له؟ (١) على قولين؛ لأنَّ المجتهد ليس بنبي يُجزم بأنَّ قوله الثاني ناسخ للأول، بل هو قال أولًا باجتهاده كما قال ثانيًا باجتهاده؛ كالمجتهد في القبلة إذا ترجَّح عنده أولًا أنها في جهة ثم ترجح عنده ثانيًا أنها في جهة أخرى، فقد يكون اجتهاده الأول أصوب، كما لو اختلف اجتهاد رجلين.
-
والمقلِّد إذا اختلف عليه اجتهاد عالمين: فإما أَنْ يُخَيَّر، وإما أَنْ يُرَجِّحَ أحدَهما إما ترجيحًا بصفاته كالعلم والدين، وإما ترجيحًا بما يظهر له من رجحان قولِهِ على قولِ غيرِهِ، وبسط هذه له موضع آخر (٢) .
-
وليس كلامنا فيما نحن فيه مستلزمًا لهذا، لكن المعترض أَدْخَلَ في ذلك ما لا يستلزمه؛ وعلى هذا: فإذا كانت قواعد الإمام وأصوله تقتضي رجحان قوله الأول قُدِّمَ، وكذلك إذا كانت أدلةُ الشَّرْعِ توافقُ قولَهُ الأول كان هو الراجح، وإذا قَدَّمَ مَنْ يسوغ تقليده مِنْ أصحابِهِ قولَهُ الأول قَلَّدَهُ العامي،