بيان الفرق بين قول أبي ثور وقول المعترض

16 paragraphs · vol. 2, p. 11

  1. وَبُيِّنَ أنَّ العلة التي دَلَّ الشرع على صحتها لا يجوز تخصيصها إلا بفوت شرطٍ أو وجودِ مانع، فتكون صور التخصيص مختصة بوصف يوجب الفرق بينها وبين غيرها، وإلا فالشارعُ أحكمُ الحكماء لا يجوز أن ينسب إليه الفرق بين المتماثلين، والتسوية بين المختلفين، ولا أنه يجعل المعنى الموجب للحكم يُوجِبُهُ تارةً ولا يُوجبُهُ أخرى، مع عدم اختصاص إحدى الصورتين بمعنى يوجب الإثبات أو النفي؛ وهل يصدر هذا إلا عن متناقض ناقص العلم أو الحكمة؟! يَفعل ذلك إما لنقصِ علمهِ وإما لنقصِ حِكمتِهِ.

    vol. 2, p. 11
  2. وإنه ــ تعالى ــ عليمٌ حكيم، فوقَ كل عليمٍ، وفوقَ كلِّ حكيمٍ، فيمتنع أن يكون في شرعِهِ الذي بعثَ به خاتم المرسلين وأفضلهم وأتمهم علمًا وحكمةً= يمتنع أنْ يكونَ في أحكامِهِ من التناقض ما يدل على نقص فاعلِهِ، فإذا كان مثل هذا النقص مستلزمًا (١) نقصَ علمِ صاحبه أو حكمته، والله ــ سبحانه وتعالى ــ يتقدس عن ذلك= كانَ انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم (٢) .

  3. والمقصود: أنَّ أبا ثورٍ ــ رحمة الله عليه ــ قد بيَّن مذهبه أنَّ هذه التعليقات أيمانٌ تدخل في قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] وأنَّ ظاهر القرآن يدل على تكفير جميع هذه الأيمان الحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك؛ فأين قول أبي ثور من قولِ هذا المعترض الذي ينكر أن تكون هذه أيمانًا ويمنع دخولها في القرآن؟!

  4. فَدَلَّ على أنَّ ما ذكره أبو ثورٍ حجةٌ عليه لا لَهُ، وأنَّ أبا ثور لم يُفرِّق بين

    vol. 2, p. 12العتق والطلاق لكون النذر يُشترط فيه قصد القربة، ولا قال أبو ثور: إنَّ العتق المنجَّز لا يقع إذا لم يَنوِ التقرب به، ولا قال هذا أحدٌ من الأئمة المعروفين؛ بل هم متفقون على صحة عِتق الكافر لعبده؛ بل أبو ثور بيَّن أنَّ التعليق الذي يُقصدُ بِهِ اليمين هو يمين، وإنْ كانَ المُعلَّقُ عتقًا وطلاقًا، وأنَّ ظاهر القرآن يوجب تكفير كل يمين، فإنْ وافقت أبا ثور [٤/ أ] فالزم ذلك، وهاتِ دليلاً يدل على خروج الطلاق من ظاهر القرآن لفظًا ومعنى؛ فإنَّ ظاهر القرآن الذي هو لفظه، وباطنُهُ الذي هو معناه يدلُّ على أنَّ الحالف (١) بالطلاق أو العتق أو غيرهما تجزئه كفارة يمين كما تجزئ غيره.

  5. وما من منصف إلا وهو يُسَلِّمُ أنَّ ظاهر القرآن يدل على هذا كما يُسلمه أبو ثور؛ فإذا ادَّعَى الإجماع فهنا مقامان:

    أحدهما: أنْ نقول: النزاعُ معلومٌ، ومع العلمِ بالنزاع يمتنع دعوى الإجماع، وأبو ثورٍ وإنْ لم يَبلغه النزاع في الكفارة، فقد بلغ غيره؛ كما أنَّ طائفةً أخرى ادعت الإجماع في أنَّ العتق المحلوف به يلزم (٢) ، وقد بلغ غيرها من النزاع ما لم يبلغها، وتقرير النزاع مبسوط في مواضع أخر.

  6. وهذا المعترض إذا قُرر النزاعُ عليه بطلت هذه الدعوى، وقد تقدم قريبًا أنه في الكتاب الذي نقل منه الإجماع على وقوع الطلاق المعلَّق المقصود به الإيقاع = فيه نقلُ النزاع في الطلاق المعلَّق الذي يقصد به اليمين، وفيه ذِكرُ الأقوال الثلاثة: هل يُكَفِّر، أو لا يكفر ولا يَلزمه طلاق، أم يلزمه طلاق ولا

    vol. 2, p. 13تجزئه الكفارة.

  7. والثاني: أنَّا قبل أنْ نعلم النزاع مَعَنَا ظَنَّان: ظنُّ الإجماع، وظنُّ عموم القرآن لفظًا ومعنى؛ فمن كان قوةُ ظنِّ الإجماع عنده أقوى ــ كأبي ثور ــ قدَّمَ هذا الظن، ومن كان ظنُّه بكلام الله وعلمه وحكمته أتم، وأنَّ الله ــ تعالى ــ لا يُفرِّقُ بين المتماثلين ولا ينقض العلة لغير مخصصٍ معنوي، وكان ــ أيضًا ــ إذا رجعَ إلى نفسهِ لم يَجد عنده اعتقادًا بنفي النزاع يقاوم هذا الاعتقاد الذي عَلِمَهُ من كلام الله وكلام رسوله = حَكَمَ بأنَّ الأمةَ لا تجتمع على مثل هذا، وأنها معصومةٌ أن تجتمع على خطأ.

  8. والفرق بينَ المتماثلين ونقض العلة بدون مخصص معنوي تُنَزَّهُ الأمةُ أن تجتمع عليه؛ كما نَزَّهَ الله ــ عز وجل ــ رسولهُ - صلى الله عليه وسلم - أن يكونَ في حُكمِهِ مثل هذا التعارض الذي يوجب القدح في أحدها؛ إمَّا في دلالة الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وإمَّا في دلالة الإجماع، وكلٌّ من الدلالتين [٤/ ب] صحيحة، والحقُّ لا يَتعارضُ (١) .

  9. ثم إذا نظرَ في كلِّ إجماع معلوم وجده موافقًا للنصوص لا مخالفًا لها، ولا تجد قطُّ إجماعًا يخالفُ دلالة الكتاب والسنة إلا ومع الإجماع دلالة أخرى من الكتاب والسنة توجب ترجيحها على الأول، فيكون أحدُ النصين ناسخًا للآخر، إمَّا دفعًا لحكمه ــ وهو النسخ الخاص ــ، وإما دفعًا لظاهر دلالته ــ وهو النسخ العام ــ؛ وهذا أصلُ أحمد بن حنبل وغيره من سلف الأمة وأئمتها المتبعين للصحابة لا يعارضون قط دلالة كتاب وسنة بإجماعٍ، كما فعل أبو ثور وأمثاله (٢) .

  10. وأحمد كان يقول: (من ادَّعَى الإجماع فقد كذب، وما يُدريهِ أنَّ الناس أجمعوا (١) )، كان مقصوده بذلك: أنَّ يَرُدَّ ما يحكى له عن أبي ثورٍ ونحوه من الإجماعات، فإن طائفةً من أصحابه كانوا يسألونه عن أشياء يقولها أبو ثور (٢) .

    vol. 2, p. 14
  11. وكان أبو ثور؛ إمامًا مجتهدًا فقيهًا أفقه أهل بغداد، أو من أفقه أهل بغداد بعد أحمد، وكان أحمد كثيرًا يدلُّ عليه في الفتيا، فيقول للسائل: (سل الفقهاء، سل أبا ثور) . ويقول: (هو في مسلاخ الثوري) (٣) .

  12. وكان أحيانًا ينكر عليه إذا رأى أنه قال أقوالاً مبتدعة، كقوله في المجوس: إنه يباحُ نكاحهم وذبائحهم (٤) . حتى يقولَ أحيانًا: (أبو ثورٍ كاسمِهِ) (٥) . وفي

    vol. 2, p. 15روايةٍ أخرى عنه: (كيف يجوز للرجل أن يقولَ: أجمعوا؟! إذا سمعتهم (١) يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم مخالفًا جاز).

  13. وكذلك نقلَ عنه أبو طالبٍ أنه قال: (هذا كذبٌ؛ ما عِلْمُهُ أنَّ الناس مجمعون؟ ! ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس) .

  14. وكذلك نقلَ عنه أبو الحارث: (لا ينبغي لأحدٍ أنْ يدَّعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا) (٢) .

  15. فأحمد وأمثاله يقولون: (من ادَّعى الإجماع في مثلِ هذا فقد كَذَبَ، وما يدريه أنَّ الناس أجمعوا، ولكن يقول: لا أعلم منازعًا) ، وعدمُ علمهِ بالمنازع لا يُزيلُ بهِ ما بيَّنَه اللهُ ورسوله في كتابهِ وسنةِ نبيه من الدلالة البيِّنَةِ لفظًا ومعنى.

  16. وحينئذٍ؛ فإذا رأى هذا فلا يَزال يبحث حتى يجدَ الصورة المدعى فيها الإجماع تختص بفرق مؤثرٍ في الشرع، فيكون الله ورسوله قد فرَّقَ [٥/ أ] بمثلِ ذلك، وإما أنْ يَعلمَ أنَّ في المسألة نزاعًا يَرفعُ ما ادُّعِيَ من الإجماع، وحينئذٍ فيحكِّم الكتاب والسنة، وعلى قَدْرِ علمه بدلالة الكتاب والسنة لفظًا ومعنى وبعدمِ النزاع = يكون ترجيح أحد القولين؛ فمن كانت تلك الدلالة عنده أقوى من ظَنِّ عدم النزاع قَدَّمَ ذلك، ومن كان ظنُّ عدم النزاع عنده أقوى من دلالة الكتاب والسنة على تلك المسألة قوي ما ظَنَّهُ إجماعًا؛ كما فعل أبو ثور وابن جرير.