الجواب عنه

19 paragraphs · vol. 2, p. 771

  1. ومن ذلك: أَنْ يجعل كونُ الكلام تعليقًا هو الوصف الشرعي المؤثِّر في الحكم الشرعي، ويجعل كونه يمينًا وصفًا ملغًا مهدرًا في الشرع، فإذا كان الكلام تعليقًا ويمينًا ألغى كونه يمينًا واعتبر كونه تعليقًا = فهذا ممن لم ينتفع بالكتاب والسنة، كما لم ينتفع بهما مَنْ خالف مدلولهما.

    vol. 2, p. 771
  2. الوجه العاشر: أَنْ يقال له: إذا كان فيهما كفاية؛ فمعلومٌ أنه لا ينعقد إجماع إلا وفيهما ما يدل على مثل ما انعقد عليه، وإلا فلو انعقد إجماع على حكم لا يكون فيهما لم يكن فيهما كفاية.

  3. فإنْ قال: هما دَلَّا على كون الإجماع حجة، والإجماعُ يحتج به على الأحكام.

  4. قيل له: فيحتاج حينئذٍ أَنْ يَحفظ أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم التي بها يُعرف الإجماع والنزاع، فالاكتفاء بالكتاب والسنة مع دعوى الإجماع لا تمكن إلا إذا كان ما انعقد عليه الإجماع مما دَلَّا عليه، فتكون دلالتهما موافقًا للإجماع، أو أن يكون أقوال أهل الإجماع والنزاع مما يجب الاعتناء بها ونقلها، وإلا فالإعراض عنها مع الاحتجاج بقولهم من غير دلالة الكتاب والسُنة عليها = تناقض؛ كما فعل هذا المعترض حيثُ يَدَّعِي الاكتفاء بهما، وَيَدَّعِي الاستغناءَ عن نقلِ أقوالِ السلف من الصحابة والتابعين، ثم مع ذلك يحتج بنقل إجماعٍ على حكمٍ لم يدل عليه كتاب ولا سنة، بل الكتاب والسنة والقياس يدل على نقيض ما ادعى من الإجماع، ومع أنه لا إجماع فيه، لكن القول المخالف للكتاب والسنة جاء من عند غير الله، فيوجد فيه اختلافٌ كثيرٌ؛ كقول المعترض وأمثاله في مسائل الأيمان والتعليقات تعليق الطلاق والنكاح وغير ذلك، ففيها من التناقض والاضطراب ما يطول بوصفه الكتاب؛ والله أعلم.

  5. ومعلومٌ أنه لا يمكن معرفة إجماعهم وتنازعهم إلا بعد معرفة أقوالهم، فإنْ كانت أقوالهم لا يحتاج إليها، فلا يُحتجُّ بإجماعهم ولا يُذكر نزاعهم، فإنْ ذكر إجماعهم [٢١٨/ أ] ونزاعهم فلا بُدَّ من معرفة أقوالهم، وأما أَنْ يحتج بنقل إجماعهم مع أَنَّ غايتَهُ ظَنٌّ من الناقل لا علم له به، ويترك نقل نزاعهم الذي هو إما معلوم وإما مظنون ظنًّا أقوى من ظن نفي النزاع؛ فهذا فعل المطففين الذين لا يعدلون في ميزان العلم والمعاني التي هي أحق بالعدل فيها من ميزان الأموال والدراهم.

    vol. 2, p. 772
  6. وأما ما ذكر من إشارة بعض شيوخه عليه بالاعتناء بجمع ما يتصل إليه من الروايات من مذاهب السلف؛ فهذا يدل على أَنَّ شيخَهُ هذا مفرطٌ في الجهل بما فعله العلماء من ذلك وبقدر المسؤول، فإنَّ هذا الباب قد أمعن العلماء فيه، ومصنفات السلف كلها كانت من هذا الباب مثل: موطأ مالك، وجامع سفيان، ومصنف ابن جريج وحماد بن سلمة وسعيد بن أبي عروبة، ثم مصنفات عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب ووكيع بن الجراح وهشيم بن بشير (١) وعبد الرحمن بن مهدي وأمثال هؤلاء، ثم مصنف عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة، ثم مصنفات الشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأصحاب أحمد مثل: الأثرم وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني أحمد وأبي بكر المروذي وأمثال هؤلاء.

  7. لكن منهم مَنْ يُجَرِّدُ الآثار؛ فيذكر أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين لا يخلط بشيء من الكلام والبحث، ومنهم مَنْ يخلطها بشيء من ذلك.

  8. وأما تصنيف أقوال العلماء من غير آثار تُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين، فهذا مما أحدثه المتأخرون، لم يكن شيء منه في عهد السلف، وليس هذا مما يصلح له شيوخ شيوخ المعترض، فضلًا عنه وعن أمثاله، ويكفيك دليلًا على إفساد أقوال السلف ما فعله بهذا الأثر المشهور عندهم، الذي اتفقوا على تلقيه بالقبول والتصديق وعلى معرفة معناه، كيف بَدَّلَ من إجماعهم بتعليل إسناده وتحريف معناه، ثم يعتمد عليهم في نَقْلِ إجماعٍ نَقَلَهُ منهم واحد وتبعه بعضهم ونازعه بعضهم، وليس مع ذلك الناقل إلا ظَنٌّ لا يغني من [٢١٨/ ب] الحق شيئًا، فَيَدَعُ ما علموه من نقلهم، وجزموا بصحته، وتلقوه بالقبول، ويحتج من نقلهم بما غايته أَنْ يكون ظنًّا إذا لم يكن خطأ، فكيف إذا تبيَّن أنه خطأ؟!

    vol. 2, p. 773
  9. وهذه عادات أهل الجهل والبدع يَطعنون في المنقولات الصحيحة الثابتة، ويحتجون بالنقول الضعيفة، وهذا معروفٌ فيهم في مسائل الأصول والفروع، فتجدهم في مسألة الرؤية يَعدلون عن الأحاديث الصحاح المتواترة عند أهل الحديث المتلقاةِ بالقبول وما يوافقها من آثار الصحابة والتابعين [إلى] (١) آثار ضعيفة ساقطة لا تُعرف إلا عن مجهول أو متهم.

  10. وكذلك في باب صفات الله ــ تعالى ــ وَعُلُوِّهِ يعدلون عما في القرآن والأحاديث الصحيحة وآثارِ الصحابة والتابعين الثابتة عنهم إلى آثارٍ موقوفة ومرفوعة موضوعة.

  11. وكذلك الرافضة يعدلون عن الأحاديث الصحيحة المتواترة إلى

    vol. 2, p. 774الأحاديث الموضوعة الضعيفة.

  12. وكذلك المسائل العملية تجد أصحاب الأقوال الضعيفةِ يعدلون عن الآثار الصحيحة المتلقاةِ بالقبول والتصديق عند أهل النقل إلى الآثار الواهية؛ كالآثار في مسألة المسكر، والآثار في سهم الفارس، والآثار في طواف القارن وسعيه، والآثار في فسخ الحج إلى العمرة، والآثار في خيار المجلس، والآثار في سجدات المُفَصَّل، والآثار في أنه لا يقتل مسلم بكافر، والآثار في حرم المدينة وأمثال ذلك.

  13. وكذلك دعوى الإجماعات في خلاف ما ثبت بالآثار، بل ونصوص القرآن؛ تارة بدعوى الإجماع على نسخها وإن كانت في القرآن والسنة المعلومة، وتارة بدعوى الإجماع على خلافها، كدعوى من ادعى الإجماع على جواز نكاح الزانية (١) ، وأَنَّ يكون الرجل ديوثًا (٢) ، وكدعوى من ادعى نسخ العقوبات المالية (٣) ،

    وكدعوى من ادعى الإجماع على أنه لا يجوز أَنْ يُكَبَّرَ على الجنائز أكثر من أربع (٤) ، ودعوى من ادعى الإجماع على وجوب الثمانين في حد الخمر (٥) ، ودعوى من ادعى الإجماع على خلاف حديث

    vol. 2, p. 775المُصَرَّاة (١) ، ودعوى من ادعى الإجماع على أنه لا تقبل شهادة العبد، وأنس بن مالك يَذْكُرُ [٢١٩/ أ] أنه لم يَعرف أحدًا رَدَّ شهادة العبد (٢) ، ودعوى من ادعى الإجماع على أنه لا تُقصر الصلاة في أقل من يومين (٣) ، ومثل هذا كثير.

  14. ثم من كان من الظانين للإجماع من أهل العلم والدين، إنما يظنه لأنه لم تبلغه الآثار في النزاع فهو معذور، وآخرون تبلغهم الآثار الثابتة المسندة في خلاف ما يظنونه من الإجماع، فيسلكون السبيل التي سلكها هذا المعترض، يسلكون في تلك الآثار الثابتة سندًا ومتنًا ثم إلى تعليل سندها وتأويل متنها، وليس معهم ما يعارضها إلا ظَنٌّ كاذب لإجماع لا حقيقة له.

  15. ولهذا كان أئمة السنة كأحمد بن حنبل يَعُدُّ هؤلاء من أهل البدع المذمومة، كما قال في رواية ابنه عبد الله: (مَنِ ادعى الإجماع فقد (٤) كذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم) (٥) . وهذان من أكابر فقهاء الجهمية.

  16. أما الأصم عبد الرحمن بن كيسان (٦) : فكان من أكابر شيوخ أهل الكلام بالبصرة، وهو شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة الذي كان يناظر

    vol. 2, p. 776الشافعي بمصر، ويكتب كُلٌّ منهما ردًّا على الآخر، وكان الشافعي - رضي الله عنه - يقول فيه: (إبراهيم بن علية ضالٌّ على باب الضوال، يُعَلِّمُ الناسَ الضلال) (١) . وهو الذي يذكر له أقوال شاذة في الأصول. وأبوه: إسماعيل بن عُلَيَّة من شيوخ أهل العلم والدين، أَخَذَ عنه الشافعي وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وغيرهم (٢) .

  17. وبشر المَرِيْسِي كان ــ أيضًا ــ من أهل الرأي والكلام، وله مع الشافعي مناظرات معروفة، وكان من دعاة الجهمية في محنتهم (٣) ، ولهذا صَنَّفَ أهل السنة والإثبات رَدًّا عليه وعلى أصحابه، كما صنف عثمان بن سعيد الدارمي وغيره (٤) .

  18. فهذان وأمثالهما كانوا إذا أتاهم غيرهم بآثارٍ لا يعرفونها = دفعوها بما يزعمونه من الإجماعات المدعاة؛ فلهذا قال أحمد: هذه دعوى بشر المريسي والأصمِّ: وكان أحمد يُذَاكَرُ (٥) في المسألة. فيقال له: قالوا: فيها

    vol. 2, p. 777إجماع. فيقول: هل عندهم فيها أثر قديم عن الصحابة أو التابعين؟ فيقولون: لا. فيذكر أَنَّ إجماعهم [٢١٩/ ب] ليس بشيء، فإنه دعوى يُعلم أَنَّ مدعيها يقول ما لا يَعلم، فإنه إذا ادعى أنه قد عَلِمَ إجماعَ الأمة في القرون المتأخرة مع تفرقها وانتشارها = فهذا مما نجزم قطعًا بأنه لا يعلمه، وإذا لم يكن معه إلا الاستقراء وهو تتبع أقوال العلماء ولم يجد خلافًا؛ فهذا يكون بحسب علمه، فأكثر المنتسبين إلى العلم لا يُحَصِّلُ لهم هذا الاستقراء لا علمًا ولا ظنًّا، لأنه ليس لهم خبرة بأقوال جميع العلماء مع كثرتهم وانتشارهم، والذين كانوا يقولون هذا لاطلاعهم على أكثر أقوال العلماء يصيبون في كثير مما ينقلونه، ويخطئون في بعض ما ينقلونه، فالمكثر (١) منهم لنقل الإجماع في هذه المسائل الظنية يكثر خطؤه، والمُقِلُّ (٢) منهم لنقل الإجماع فيها يقل خطؤه، ولست أعلم أحدًا ممن يَنقل الإجماع في مثل هذه المسائل إلا وقد وجدنا فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يعلمه.

  19. وأما الإجماعات التي ينقلونها وهي صحيحة فتجدها مما دَلَّ عليه الكتاب والسنة؛ فلست أعلم إجماعًا صحيحًا إلا ومعه دلالة من الكتاب والسنة توافقه، ليكون مخالف الإجماع المقطوع به داخلًا في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٥] .