أوجه إبطال الفرق الذي ذكره المعترض

12 paragraphs · vol. 2, p. 784

  1. فهذا الفرق الذي ذكرناه بين الصورتين يوجب ثبوت الحكم به في أحدهما كأنواع المسكر، وانتفاء الحكم بانتفائه في الأخرى كأنواع البنج، ولولا ذلك لم يكن فارقًا.

    vol. 2, p. 784
  2. وهذا المفرِّق إذا فَرَّقَ بأنَّ المعلَّق في النذر كان التزامًا في الذمة قد يفي به وقد لا يفي، والمعلَّق للوقوع حكمٌ في عينٍ لا يتمكن من الرجوع عن مقتضاه = كان صحة فَرْقِهِ مشروطةً بأنه لا يحصل نذر اللجاج والغضب إذا قصد به اليمين يمينًا إلا إذا كان التزامًا في الذمة، وبجعل كل ما كان تعليقًا لحكمٍ في عينٍ من الأعيان كتعليق الطلاق والنكاح لا يلزم وإن قصد به اليمين؛ وهو لم يقل بهذا إلا في صورة الأصل وهو نذر اللجاج والغضب الذي يُقصد به اليمين، ولا في الفرع وهو التعليق الذي يلزمه به.

  3. وأيضًا؛ فكل معلِّق لا بُدَّ في تعليقه من التزامٍ في الذمة (١) ؛ لكن تارة يكون مطلقًا وتارة يكون معينًا، ولو قال بذلك فليس معه دليل شرعي يقتضي تأثير هذا الوصف، بل الدليل الشرعي يدل على أن المؤثر في سقوط اللزوم ووجوب الكفارة كونه قصد بالتعليق اليمين، لا كونه قصد التزامًا في الذمة؛ فهذه خمسة أوجه تبطل فَرْقَهُ.

  4. [٢٢٦/ أ] أولها: أَنْ يقال: لو كان المعلَّق في صورة النذر الذي يقصد به اليمين وجوبُ شيءٍ بعينه لا التزامًا في الذمة، مثل أَنْ يقول: إِنْ سافرتُ

    vol. 2, p. 785معكم فإبلي هدي وماشيتي أضاحي وَدُوْرِي وقف ومالي صدقة ونحو ذلك؛ فإنه تجزئه كفارة يمين، والمعلَّق هنا حكمٌ في أعيانٍ موجودةٍ خارجةٍ عن ذمته، ليس المعلَّق مجرَّد التزامٍ في الذمة؛ ومع هذا فلا يلزم إذا قصد به اليمين = فعلم أَنَّ كونَه التزامًا وصف عديم التأثير.

  5. الثاني: أنه إذا قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أحج أو أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرًا ونحو ذلك مما يلتزمه في نذر اليمين= لزمه بالنص والإجماع، وهو التزام في الذمة وقد لزمه بالنص والإجماع لَمَّا قَصَدَ به النذر، فعلم أَنَّ كونه التزامًا في الذمة لا يمنع من لزومه إذا قام المقتضي للزومه، فلما لم يُلزمه به في صورة نذر اليمين عُلِمَ أنه لم يكن ذلك لكونه التزامًا.

  6. الثالث: أَنْ يقال: كل مُعَلِّقٍ لا بُدَّ أنْ يلتزم شيئًا في الذمة؛ لكن تارة يكون مُطْلَقًا كقوله: لله ــ تعالى ــ عليَّ أَنْ أعتق عبدًا، وتارة يكون معيَّنًا كقوله: لله عليَّ أَنْ أعتق هذا العبد، أو فهذا العبد حر. فإنَّ قوله: فهذا العبد حر وإِنْ كان يَعْتِقُ بنفس وجود الصفة، فقد أوجب ذلك عليه في ذمته اعتقاد حُرِّيَّتِهِ وامتناعه من استعباده واسترقاقه، وهذا فعل يجب عليه في ذمته، وهو غير المعين الذي اتصف به العبد، بل هذا حكمه ومقتضاه.

  7. وكذلك؛ إذا قال: فهذه الشاة أضحية أو هذا البعير هدي أو فهذا المال صدقة فإنَّ كونَهُ هديًا وصدقة يوجب عليه تسليمه إلى مستحقِّه، فيجب عليه في الهدي سوقه إلى مكة وذبحه هناك، وكونه أضحية يوجب ذبحها في عيد النحر ويقسم لحمها، وكون المال صدقة يوجب عليه صرفه إلى مستحقيه.

  8. وكذلك كون المرأة مطلقة يوجب عليه اعتقاد تحريمها عليه وامتناعه من الاستمتاع بها وتخلية سبيلها وهو التسريح بالإحسان [٢٢٢/ ب] الذي أوجبه الله ــ تعالى ــ على المطلِّقِ في كتابه حيث قال: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: ٤٩] ، وحيث قال تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ٢٢٩] .

    vol. 2, p. 786
  9. لكن في الهدي والأضحية والوقف والحبس يجب عليه فعلٌ مع الكَفِّ، وفي العتق والطلاق يجب عليه الكف والإمساك، والفعل تابع لذلك.

  10. لكن كثرة الواجب هناك لا يُضْعِفُ وجوبه بل يقويه، فإذا كان مع قوته يَسقط مع قصد اليمين، فالواجب القليل أن يسقط مع قصد اليمين أولى وأحرى.

  11. الرابع: منع افتراقهما في الوصف الفارق؛ وذلك أَنَّ الوجوب الثابت في الذمة لا يمكن دفعه بعد وقوعه، كما أَنَّ الطلاق والعتاق لا يمكن دفعه بعد وجوبه، وإنما يمكَّنُ من فِعْلِ الواجب وتركه، كما يتمكن من إرسال العبد والمرأة وحبسهما، فأما نفس وجوب الفعل فلا يمكن دفعه، كما لا يمكنه دفع الوقوع.

  12. الخامس (١) : أَنَّ هذا الفرق عكس ما طلبه؛ فإنَّ الوجوب في الذمة أوسعُ طرقًا وأثبت، والوقوع له شروط وموانع أكثر من الوجوب في الذمة (٢) ؛ فثبوت الالتزام أقوى من ثبوت الوقوع وأوسع، ولهذا كان ما ثبت