الوجه الرابع

7 paragraphs · vol. 2, p. 787

  1. في الذمة لا يزول إلا بالأداء، لا يزول ببطلان محله، بخلاف صفات الأعيان فإنها تزول ببطلان محلها، فإذا كان قصد اليمين يمنع وجوب ما يجب في الذمة فَلَأَن يمنع الوقوعَ خارجَ الذمة بطريق الأولى والأحرى.

    vol. 2, p. 787
  2. الوجه الثالث (١) : أَنْ يقال: هَبْ أنه سُلِّمَ لك كون الكفارة مع الالتزام وسقوطها مع عدم الالتزام؛ فأين الدليل الشرعي الدال على أَنَّ هذا الوصف مؤثِّرٌ في الشرع، هو الذي عَلَّقَ الشارعُ به الحكم؟ ومعلومٌ أنه ليس لأحدٍ أَنْ يُعَلِّق الأحكام الشرعية بما شاء من الصفات، فإنَّ هذا ابتداءُ شرعٍ من تلقاء نفسه، يَدْخُلُ به صاحبه في معنى الذين قيل فيهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ [٢٢٣/ أ] الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: ٢١] ، وفي معنى الذين ذمهم بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: ٥٩] ، وقوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: ١٥٠] وأمثال ذلك مما ذم الله به من يحلل ويحرم ويشرِّع بلا كتاب منزل من الله.

  3. الوجه الرابع: أَنْ يقال: المعنى المؤثر في سقوط اللزوم ووجوب الكفارة في نذر اللجاج والغضب إنما هو كونه يمينًا؛ كما نَصَّ على ذلك الأئمة والعلماء القائلون بهذا القول، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نص عليه الصحابة والتابعون القائلون بذلك، وهذا الوصف هو المؤثر في الكتاب والسُنة، فإنَّ الله ــ عز وجل ــ جَعَلَ في الأيمان كفارة يمين، ولم

    vol. 2, p. 788يجعل ذلك في غير الأيمان، فلمَّا كان الناذر نذر اللجاج والغضب قَصْدُهُ اليمين وجبت فيه كفارة يمين، وهذا المعنى موجود سواءً كان النذر؛ إما في الذمة فيمكَّن من فعله وتركه، أو وقوعًا مضافًا إلى عينٍ معينة لا يمكن دفعه بعد وقوعه.

  4. وهؤلاء قلبوا الشريعة؛ فجعلوا كونه يمينًا ليس هو الموجب للكفارة، ولا كونه غير يمين هو المانع من ثبوتها، بل كونه التزامًا هو الموجب للكفارة، وكونه غير التزام يمنع ثبوت الكفارة، والله ــ سبحانه وتعالى ــ إنما عَلَّقَ وجوبَ الكفارة بكونه يمينًا، وهم قلبوا الشريعة في موضعين:

    أحدهما: جعلهم الوصف المؤثر في اللزوم كونه تعليقًا.

  5. والثاني: كون الوصف المانع من اللزوم كونه التزامًا، وهو في ذلك تعليق؛ وليس معهم دليل شرعي على أن المؤثر في اللزوم هو التعليق، ولا دليل شرعي على أن المانع من اللزوم والموجب للكفارة كونه التزامًا، ولا الوصف الأول مؤثر عندهم، بل كثير من التعليقات لا يجعلونها لازمة؛ ولا الثاني مانعًا، فكثير من الالتزامات يجعلونها لازمة. ثم نَفْيُ وجوبِ الالتزام لا يوجب ثبوت الكفارة، فما الموجب لثبوت الكفارة؟!

  6. وإنما الشريعة التي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الوصف المؤثر في [٢٢٣/ ب] الوقوع واللزوم كونه مُطَلِّقًا ومعتقًا وناذرًا سواء كان بصيغة تنجيز أو بصيغة تعليق. والوصف الموجب للكفارة المسقطُ للزوم هو كونه يمينًا سواء كان المعلَّق التزامًا أو وقوعًا، وسواء كانت بصيغة تعليق أو صيغة قسم.

  7. وَمَنْ تَدَبَّرَ هذه المعاني وتصورها تصورًا جيدًا = عَلِمَ علمًا يقينًا خَطَأَ