الوجه الأول: النذر فيه التزام قربة لله، وعلى هذا فالنذر عقد لازم يجب الوفاء به

9 paragraphs · vol. 2, p. 791

  1. والقياس ــ أيضًا ــ لمَّا وجب فيه الطرد بطرد علته ورد عليه النقض؛ فانتقاض القياس بانتقاض علته، واطراده باطراد علته؛ ولهذا يقال: طرد القياس في كذا، كما يقال: طرد العلة في كذا، ويقال: هذا قياس مُطَّرِد وقياس منتقض (١) ، كما يقال علته مطردة، وما اتصف بالطرد عند وجود الاطراد اتصف بالنقض عند وجود الانتقاض، فإنَّ المنتقض ضد المطرد.

    vol. 2, p. 791
  2. فصلٌ

    قال: (وقوله: وهو عندهم يمين اعتبارًا بمعناه؛ موافقٌ لما قلناه من موافقة التعليقات المذكورة لليمين بالله في الالتزام، فكذلك جعلت يمينًا، لا أَنَّ المعتبرَ كونُ الحثِّ والمنع حاصلًا فيها خاصة، لأنَّ الحث والمنع فرعٌ عن الالتزام الحامل عليه) .

  3. فيقال: تقدم بيانُ أَنَّ هذا خطأ محض على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الصحابة وأكثر التابعين وسائر من وافقهم من علماء المسلمين؛ وذلك من وجوه:

    أحدها: أَنَّ النذر فيه التزام، بل النذر هو: التزام قربة لله ــ تعالى ــ؛ ومع هذا فالنذر عقدٌ لازم يجب الوفاء به بالنص والإجماع، فلو كان مجرد كون التعليقات موافقة اليمين في الالتزام يشرع تكفيرها من [٢٢٤/ ب] غير فعلِ ما التزمه = لم يجب على أحدٍ من الناذرين الملتزمين الوفاء بنذره، بل تجزئه كفارة يمين؛ وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع، وقد ذكر بعض المتأخرين في ذلك نزاعًا عن بعض أهل الحديث؛ كما ذكره ابن عبد البر

    vol. 2, p. 792وذكره ابن خويز منداد (١) في خلافه عن أحمد.

  4. وهذا غلط [على أحمد] (٢) وعلى مَنْ نُقِلَ هذا عنه من علماء المسلمين؛ وسبب غلطهم عليه: أَنَّ أحمد وغيره يأخذون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (٣) فظنوا أنهم يجوزون تكفير كل نذر من غير وفاء، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من علماء المسلمين، بل يعرف أنه كذب على أحمد وَمَنْ نُقِلَ عنه من العلماء.

  5. وأحمد وغيره يوجبون تكفير النذر إذا لم يُوفَ به إما لتفريط وإما لعجز.

  6. وأحمد يوجب البَدَل إذا تَعذَّر الأصل، ولا يقول بإجزاء الكفارة، لكن إذا عجز عن الأصل والبدل أوجب كفارة يمين، وَمَنْ فَرَّطَ أوجب عليه البدل والكفارة، وَإِنْ لم يُفَرِّط أوجب البدل وفي الكفارة روايتان، مثلُ ما إذا نذر صيام أيامٍ بعينها؛ فإنْ أفطر لعذر كالمرض أَمَرَهُ بالبدل وهو القضاء وفي الكفارة روايتان، وَإِنْ أفطر لغير عذرٍ أمره بالبدل وهو القضاء وبالكفارة،

    vol. 2, p. 793والكفارة لما فوته من التعيين، وأما القادر على ما نذره من الطاعة فلا يختلف قول أحمد وغيره من علماء المسلمين أنه يجب عليه فعل المنذور، وليس له أن يتركه إلى الكفارة بخلاف اليمين فله أن يحنث فيها ويكفر إذا لم يكن ما حلف عليه ترك واجب ولا فعل محرم.

  7. والفرق بينهما: أَنَّ الناذر نَذَرَ لله فالتزم شيئًا لله، فعليه أَنْ يفعل ما التزمه لله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١) ، وذم الذين ينذرون ولا يوفون، كما ذم الله هؤلاء في كتابه بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: ٧٥ - ٧٧] .

  8. وأما اليمين؛ فإنْ قَصَدَ الحالف أَنْ يحض نفسه أو غيره أو يمنعه؛ فهو مريدٌ لمراد نفسه ووكَّد [٢٢٥/ أ] ذلك بالحلف بالله، فهو ملتزم بالله لا ملتزم له، فإن التزم لله بالله صار ناذرًا حالفًا كالمذكور في الآية (٢) .

  9. والمقصود هنا: أنَّ الناذر نذر التبرر ملتزم، وقد لزمه ما التزمه بالنص والإجماع؛ فلو كانت العلة في إجزاء الكفارة في نذر اللجاج والغضب كونه التزامًا لأجزأ كل ناذر الكفارة، ولم يجب عليه الوفاء بنذره، كالقول الذي حكاه بعض المتأخرين (٣) ولا يُعرف به قائل معروف من العلماء.