فصل في الجواب عن قول المعترض: (واستعمل النقض في القياس، وهو إنما توصف به العلة)
7 paragraphs · vol. 2, p. 789
- vol. 2, p. 789
هذا القول الذي أهدر فيه المعاني المعتبرة في الشرع، واعتبر المعاني المهدرة، مع تناقض أصحابه، وعلم أَنَّ القول الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة هو موافق للشرع مُطَّرِدٌ غير متناقض.
-
فذاك القول لَمَّا كان من عند غير الله كان فيه اختلافًا كثيرًا، وهذا القول لما كان من عند الله كان متشابهًا يصدق بعضه بعضًا؛ وهكذا جميع الأقوال التي ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء بها توافق الأدلة الشرعية والعقلية فلا تتناقض، بخلاف الأقوال المخالفةِ لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنها مخالفة للشرع والعقل متناقضة.
-
فصلٌ
وأما قوله: (واستعمل النقض في القياس، وهو إنما توصفُ به العلة) فهو مع أَنَّه من المؤاخذات اللفظية التي لو فتح المجيب بابها على المعترض لطال الزمانُ بكثرة ما يرد عليه منها؛ فإنَّ هذا الاعتراض يدل على جهلِ صاحبه، وأنه لم يعرف من كلام الناس في هذا الباب إلا شيئًا يسيرًا؛ وإلا فالنقض لا تختص به العلة كما ادعى هذا المعترض الذي برز على أقرانه وظهر فضله عليهم في فعله ما يعجزون عن فعله، فإنه يتكلم كثيرًا مما لا يحققه، ويقفوا ما ليس له به علم، ويخوض من النقول والبحوث فيما لا يعرف حقيقته.
-
ولا ريب أن المقصرين في هذه المسألة معذورون لكونهم لم يجدوا فيها من النقل والبحث ما يصلون به إلى تحقيقها، لكن من رحمة الله ــ تعالى ــ أنهم ابتداءُ ظنهم أنهم يصلون إلى آخرها من قريب، وأَنَّ فيها نقولًا وأدلة
vol. 2, p. 790تشفيهم، فلما أمعنوا النظر والكشف و [البحث] (١) ، وطالت مدة النظر والمناظرة، وتبيَّن لكلِّ (٢) الناس منها ما لم يكن يعرفه = عَرَفَ ــ حينئذٍ ــ مَنْ عَرَفَ عجزه، وعرف العاقل عذر المقصِّر، وعرف أَنَّ من كمال الدين الذي بعث الله ــ سبحانه وتعالى ــ به رسوله - صلى الله عليه وسلم - اشتمال الشريعة على مثل هذه الحكم [٢٢٤/ أ] والأحكام التي تبين ما أنعم الله به من كمال دين الإسلام.
-
والمقصود هنا: أَنَّ لفظ النقض لا يختص بالعلة باتفاق النظار المستعملين لهذا اللفظ، بل النقض يرد على الحد والدليل والعلة والقضية الكلية.
-
فالدليل يرد عليه (٣) النقض سواء كان قياسًا أو غير قياس؛ فلك أَنْ تقول: دليلك منتقض، ولك أَنْ تقول: قياسك منتقض، ولك أَنْ تقول: عِلَّتُكَ منتقضة، وتقول: ينقض دليله بكذا، ونَقضُ قياسه بكذا، ونقض علته بكذا.
-
وكل ما وَجَبَ طرده وَرَدَ عليه النقض؛ فالحدُّ لمَّا وجب فيه الطرد والعكس فَسَدَ بالنقض، والعلة لمَّا وَجَبَ فيها الطرد ــ عند من يقول بامتناع تخصيصها ــ فَسَدت بالنقض، وَمَنْ يُجَوِّزُ تخصيصها لفوات شرطٍ أو وجود مانعٍ يجيز (٤) النقض بالفرق بين صورة النقض وبين صورتي الأصل والفرع.