الوجه الأول: أن هذا قياس قاسوه ليحتجوا به على فساد قول أصحاب رسول الله
18 paragraphs · vol. 2, p. 799
- vol. 2, p. 799
[٢٢٦/ ب] (قال ــ يعني المجيب (١) ــ: والأصل الذي قاس (٢) عليه ــ يعني: المقدسي ــ ممنوعٌ، فإنَّ الطلاق فيه نزاع، بل إذا لم يُوقعوا العتاق مع كونه قربة فأولى ألا يُوقعوا الطلاق.
قلتُ (٣) : من أين له النزاع في الطلاق ولم يَنقله عن أحدٍ بهذا الوصف الذي هو يَدَّعِيه؟ أعني: وجوب الكفارة، وإثبات الأولوية لا يُسَوِّغُ النقلَ لو سلمت؛ وقد تقدم الكلام عليها) (٤) .
- والجواب من وجوه:
-
أحدها: أَنَّ هذا قياسٌ قاسوه ليحتجوا به على فساد قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسان، مثل: ابن عمر وحفصة وزينب الذين قالوا: إنَّ الحالف بالعتق إذا قال: كل مملوك لي حر تجزئه كفارة يمين.
-
وقد تقدم أَنَّ هذا ثبت عن عدد من الصحابة والتابعين أكثر من نقيضه، وهو قول الذين قالوا: إنه يلزمه العتق؛ فالذين نُقِلَ عنهم من الصحابة والتابعين ــ كما ذكر ــ أنه تجزئه كفارة يمين أكثرُ وأجلُّ من الذين قالوا يلزمه العتق؛ فاحتج عليهم مَنْ بعدهم بأنْ قالوا: عُلِّقَ على شرطٍ، وهو قابل
vol. 2, p. 800للتعليق= فيقع بوجود شرطه كالطلاق.
-
فأجاب المناظر عن الصحابة والتابعين ــ الذين هم أَجَلُّ قدرًا وأكثر عددًا ممن خالفهم من أهل عصرهم ــ بنقض القياس، وفساد الفرق بين صورة النقض وغيرها كما تقدم.
-
وأجاب عنهم بجوابٍ ثانٍ؛ وهو: منع الحكم في أصل القياس، فإنه من المعلوم باتفاق الناس أَنَّ القائس ليس له أن يقيس إلا على أصل معلوم إما بإجماع أو بدليل (١) ، فإنْ كان ثابتًا بالنص وإجماع الأمة فهذا أحسن الأصول التي (٢) يقاس عليها، وَإِنْ كان ثابتًا بنصٍّ والمناظرُ يُنازِعُ فيه جاز عند الأكثرين أن يُثبت حكمه بالنص ويَقيس عليه، ولا يكون إذا منع حكم الأصل منقطعًا.
وقال بعض أهل الجدل: يكون منقطعًا، لأنَّ هذا انتقال من مسألة إلى أخرى. وليس كما قال، بل هذا إثبات مقدمة من مقدمات دليله بالدليل، ولو كان من منع [٢٢٧/ أ] بعض مقدمات دليله منقطعًا يُمنع من إقامة الدليل عليها= لانسدَّ باب المناظرة والاستدلال، ولكان المجادل بالباطل يغلب المجادل بالحق بلا علم أصلًا، بل بمجرد توجيه منعه، ولأنَّ المناظر تلو (٣) الناظر فهو يذكر الطريق التي بها يعلم الحكم.
- vol. 2, p. 801
ومن أهل الجدل مَنْ فَرَّقَ بين المنع المشهور والمنع الخفي، وهذه نزاعات في الاصطلاحات الجدلية أيها أقرب إلى المقصود بالجدل المشروع الذي مقصوده بيان (١) الحق وإقامة حجته على المسترشد الطالب للعلم وعلى المخالف الجاحد للحق.
-
وإن أراد إثبات حكم الأصل بقياس؛ فهل له ذلك؟ فيه قولان للناس معروفان، هما قولان في مذهب أحمد وغيره، فمن منع ذلك قال: هو تطويل، أو قياس فاسد، فإنه إِنْ قاسَ على الثاني بالعلة التي بها قاسه على الأول فتطويل، وَإِنْ كان بغير تلك فالقياس فاسد. وَمَنْ جَوَّزَ ذلك؛ فقال بعضهم: هذا يجوز كتعليل الحكم بعلتين؛ وهو ضعيفٌ، لأنَّ مِنْ شَرْطِ القياس اشتراك الفرع والأصل في العلة، فإذا كان الأصل الثاني إنما أثبته بعلة الأول = امتنع أَنْ يقيس عليه بغير تلك العلة، فإنه لم يثبت الحكم فيه بها.
-
ولكن الصحيح أَنَّ هذا يجوز؛ لكون مشاركة الفرع للأصل الثاني أظهر، ولجواز أَنْ يقيس في الأول بقياس العلة وفي الثاني بقياس الدلالة وبالعكس، أو بقياس أحدهما بإبداء الجامع وفي الآخر بإلغاء الفارق والعلة في القياسين واحدة، ويجوز أَنْ يثبت الحكم بقياس مع شمول نص الأصل للفرع لتوارد دليلين على مدلول واحد فكذلك هنا؛ يقاس الفرع بالأصل الأول وبالأصل الثاني.
-
وإن كان حكم الأصل ــ أيضًا ــ مجمعًا عليه بين الأمة جاز القياس عليه،
vol. 2, p. 802وإن كان متفقًا عليه بين المتناظرين (١) كانت هذه حجةً جدليةً لا علمية؛ وذلك يستفاد به بطلان قول أحد الخصمين إما في تلك المسألة وإما في غيرها، لا يستفاد العلم بها ولا بغيرها في نفس الأمر.
-
فإنه إذا قاس على أصلٍ مُسَلَّمٍ بينهما؛ فغايته أَنْ يُسَوِّي بين [٢٢٧/ ب] الفرع وذلك الأصل، ويقول لمناظره: أنت قد فَرَّقْتَ بينهما فأخطأت في الفرق.
-
وحينئذٍ؛ فيقول له مناظره: يمكن أَنْ يكون خطئي في موافقتك على الأصل، ويمكن أَنْ يكون خطئي في مخالفتك في الفرع ولم تُقِم دليلًا على أحدهما؛ فلا يَلزم من كوني مخطئًا في نفي الحكم في الفرع أَنْ تكون أنت مصيبًا في إثبات الحكم فيهما، بل قد يكون الصواب قول ثالث وهو نفي الحكم فيهما (٢) ، وحينئذٍ؛ فيكون خطئي حيث قيل في إثباته في الأصل وحده أقل من خطئك حيث أثبته فيهما.
-
وكثيرٌ من الأقيسة التي يستعملها متأخروا الفقهاء هو من هذا الباب، يَقيسون وينقضون بما يُسَلِّمُهُ المنازع وإن لم يُقِمْ عليه حجة علمية.
-
إذا عُرِفَ هذا؛ فَمَنْ أَرادَ أَنْ يَقيس قياسًا يُبَيِّنُ (٣) به غلط أَحَدِ القولين الذي قائله من الصحابة والتابعين أكثر وأجل من أهل القول الآخر، فقاس التعليق القسمي بالعتق على التعليق القسمي بالطلاق= لم يكن له بُدٌّ أَنْ يُثْبِتَ
vol. 2, p. 803هذا الأصل إما بنص وإما بإجماعٍ من الصحابة والتابعين الذي احتج عليهم بقياسه، أو بإجماعٍ جدلي مُسَلَّمٍ منهم؛ وإلا فإذا كان مناظرًا لابن عمر وحفصة ــ أم المؤمنين ــ وزينب - رضي الله عنهم -، وَمَنْ ذُكِرَ معهم كابن عباس وعائشة وأم سلمة وأبي هريرة وطاووس وعطاء والحسن البصري والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وقتادة - رضي الله عنهم - وغير هؤلاء، ولم يُعرف أنه خالف هؤلاء من الصحابة والتابعين إلا رواية تروى عن بعضهم، ومعهم مَنْ هو دونهم؛ فإذا قاس العتاق على الطلاق فمن أين له أَنَّ هؤلاء الصحابة والتابعين كلهم يُسَلِّمون له أَنَّ الحلف بالطلاق يلزم؟ ومن أين له نص على ذلك من كتاب وسنة؟
-
ومعلومٌ أنه لم يُنقل عن أحدٍ من هؤلاء الصحابة في وقوع الحلف بالطلاق نقلٌ صحيحٌ صريحٌ، بل النقل الصحيح عنهم يدل على أنهم لا يُفَرِّقُون بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق، بل يُسَوُّون بين الجميع، كما أنه لم يفرق أَحَدٌ من الصحابة بين الحلف بالطلاق والعتاق والحلف بالنذر، بل المنقول عنهم روايتان:
إحداهما: أَنَّ في الجميع [٢٢٨/ أ] كفارة يمين، والثانية: أنه يلزمه الجميع، لكن هذه الرواية ضعيفة من وجوه، وقد أجمع العلماء على ترك العمل بها، فلم يَعمل أحد من العلماء المعروفين بكل ما فيها.
-
فإذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - ليس لهم إلا قولان والتابعون ومن بعدهم أجمعوا على ترك أحد القولين = تعين الأخذ بالقول الآخر للصحابة، ولم يجز أن يكون الصواب في قول ثالثٍ أُحْدِثَ بعدهم، وهو الفرق بين الحلف بالطلاق والعتاق والحلف بالنذر، ولا يكون الصواب في القول الآخر الذي
vol. 2, p. 804أجمع الناس بعد الصحابة على تركه مع ضعف روايته عنهم (١) .
-
وإذا كان المنقول عن الصحابة يدل على أَنَّ المؤثر عندهم في التكفير كون التعليق يمينًا، وَأَنَّ التعليق الذي قُصِدَ به اليمين هو عندهم يمين مكفرة = فالعموم المعنوي الذي يدل عليه كلامهم يبين ذلك، ونقل عنهم ألفاظٌ عامةٌ تدل على الحلف بالطلاق وغيره، ولم يَنقل أَحَدٌ عنهم أنهم فَرَّقُوا بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق، بل ولا عُرِفَ في المسلمين مَنْ قال هذا القول قبل أبي ثور ــ رحمة الله عليه ــ، وأبو ثور لم يَنقل هذا الفرق عن أحدٍ قبله، ولكن رَكَّبَهُ من دليلين: من ظاهر القرآن عنده، ومما ظنه إجماعًا؛ وجماهير العلماء الأولين والآخرين يقولون هذا فرقٌ فاسد، وفساده ظاهر جدًّا = أفيجوز أن يجعل الأكثر الأفضل من الصحابة والتابعين قالوا هذا القول المفرق، ويقول إنهم أخطأوا في هذا الفرق، وقالوا قولًا يعلم صبيان الفقهاء أنه خطأ، من غير أن ينقل هذا القول عنهم أحدٌ لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا بنقلٍ مرسلٍ، ومن غير أَنْ يكون في خلافهم ما يدل عليه، بل على خلافه.
-
فليس مع مَنْ يُلزم الصحابة والتابعين بهذا إلا مجرد ظنِّ واحد بعد القرون الثلاثة أنه لا نزاع في الطلاق، وهذا غايتُهُ أَنْ يَدَّعِي إجماعًا انعقد بعدهم على مسألةٍ ما تكلموا فيها، ومثل هذا الإجماع لا يكون حجة عليهم في نفس الأمر إِنْ لم يكن معه نَصٌّ يكون حجة عليهم، وإلا فيمتنع أن يأمر الله ــ تعالى ــ الصحابة والتابعين باتباع إجماعِ [٢٢٨/ ب] قومٍ لم يُخْلَقُوا (٢) بعد.