الجواب عن هذا الاعتراض
17 paragraphs · vol. 2, p. 805
- vol. 2, p. 805
فتبيَّن أَنَّ هذا القياس لا يجوز أَنْ يُحتجَّ به على الصحابة والتابعين إِنْ لم يكن الأصل منصوصًا عليه، وإلا فلو قُدِّرَ أَنَّ فيه إجماعًا متأخرًا لم يجز الاحتجاج به عليهم، فضلًا عن ألا يكون فيه إجماع لا قديم ولا حديث.
-
والمجيب المناظر عن أكابر الصحابة والتابعين ــ رضوان الله عليهم ــ قال: الأصل الذي قاس عليه ممنوع، وجواب هذا المنع لا يكفي فيه دعوى إجماع متأخر لو كان موجودًا، بل لا يحتج فيه بإجماع إلا أَنْ يكون إجماع الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ على أَنَّ الطلاق المحلوف به يلزم، ولو نُقِلَ ذلك صريحًا عن واحد أو اثنين أو ثلاثة منهم؛ أفيلزم أَنَّ القائلين بالكفارة في العتق يسلمون لهم الحكم في الطلاق؟ بل ينازعونهم فيه، فلا يَفْصِلُ بينهم إلا كتاب وسنة، فكيف ولم يُنقل ذلك عن أحدٍ من الصحابة؟ بل المنقول الثابت عنهم يدل على التسوية بينهما في التكفير وعدم اللزوم.
-
فإنْ قيل: فقد نُقِلَ عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وغيره فتاوى في الطلاق المعلق بالصفة (١) ، وقد يَدُلُّ بعضها على أَنَّ المعلِّق كان حالفًا.
-
قيل: أما المنقول عن ابن عمر - رضي الله عنهما - فليس بظاهر أنه كان حالفًا، فضلًا عن أَنْ يكون صريحًا.
-
وبتقدير أَنْ يكون ابن عمر ــ رضوان الله عليهما ــ أفتى في الحالف باللزوم، فذلك موافقٌ لإحدى الروايتين عنه، فقد رُوي عنه في الحلف
vol. 2, p. 806بالعتق والنذر رواية أنه يَلزم، ولم ينقل أحدٌ عنه الفرق بين الطلاق والعتاق وبين النذر، فضلًا عن أَنْ يفرق بين الطلاق والعتاق؛ فإذا قُدِّرَ أنه أفتى في الحلف بالطلاق باللزوم = كان ذلك موافقًا (١) للرواية التي أفتى فيها في الحلف بالعتق والنذر باللزوم، وقد روي عنه ذلك في النذر من طريق سالم، وروي فيهما من طريق عثمان بن حاضر.
-
فإنَّ ابن عمر عنه في نذر الصدقة بالمال ثلاث روايات، وإذا كان هذا موافقًا لإحدى روايتيه= أمكنه إذا احتج من يُناقض الرواية الأخرى عنه بقياسِ [٢٣٠/ أ] ذلك على الطلاق، وألزمه أنه أفتى به= أَنْ يقول ابن عمر: إنما أفتيت به على قولي بلزوم المعلَّق وإِنْ قَصَدَ به اليمين، أما على قولي بأنه إذا قصد اليمين يكفِّر= فلم أُفْتِ به.
-
وهذا الجواب إذا أجاب به ابن عمر كان في غاية السداد والاستقامة؛ فلأيِّ شيءٍ نَقطع بأنَّ ابن عمر لا يجيب بجوابٍ مستقيمٍ سديدٍ يدل على علمه وفقهه، ونُلزمه بالجواب الذي نَعرف به خطأ من أجاب به، وأنه من أنقص الناس في العلم والفقه؟
-
ولو قُدِّرَ أَنَّ ابن عمر - رضي الله عنهما - سَلَّمَ الحكمَ في الطلاق رواية واحدة ــ كما يظنه هذا المعترض ــ، وزعم أَنَّ ابن عمر مخطئٌ إذا كان قد أفتى في الحلف بالعتق بالكفارة، لأنه زعم أنه قوله في الطلاق رواية واحدة= فهذا غايته أَنْ يكون حجةً جدليةً بَيَّنُوا بها خطأ ابن عمر في زعمهم، ليس في موافقة ابن عمر لهم ما يقتضي أَنَّ سائرَ الصحابة الذين أفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق وغيرهم أجمعوا على وقوع الطلاق، وما لم يحصل نَصٌّ أو
vol. 2, p. 807إجماع من الصحابة على الطلاق = لم يكن لهم حجة على الذين [أفتوا] (١) بالكفارة في الحلف بالعتق، ولا سبيل إلى نَصٍّ أو إجماع، بل ولا سبيلَ إلى تضعيفِ هذا القول.
-
وأما غير ابن عمر؛ فلو قُدِّرَ أَنَّ غيره من الصحابة أفتى بلزوم الطلاق لم يلزم قولًا (٢) ، فكيف ولم ينقل ذلك عن أحدٍ منهم صريحًا، وكيف يلزم أكابر الصحابة والتابعين بالفرق الذي يُحكم عليهم فيه بالخطأ وقلة العلم والفقه من غير نقل عنهم يدل على ذلك، وإنما يدل على نقيضه؟! وهل هذا إلا من باب قدح آخر الأمة في أولها؟! ودعواهم أَنَّ آخرها أفقه وأعلم من أولها؟! وهذا من جنس أقوال أهل البدع.
-
مع أَنَّ هؤلاء الذين يخالفون هؤلاء الصحابة ليس معهم ــ ولله الحمد ــ لا كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا معنى معقول، ليس معهم إلا ظَنُّ مخطئٍ لا يغني من الحق شيئًا، وهذا الظن ألزمهم بهذه اللوازم التي أوقعتهم في تحريف معاني الكتاب والسنة، وبطريق القدح في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأئمة التابعين لهم بإحسان، بل وفي تغيير (٣) شريعة [٢٢٩/ب] الإسلام باعتبار ما ألغاه الله ــ تعالى ــ ورسوله، وإلغاءِ ما اعتبره الله ورسوله، وَإِنْ كان مَنِ اتقى الله ما استطاع منهم ومن غيرهم من أولياء الله المتقين= هو (٤) مأجور على اجتهاده وتقواه، مغفور له ما لم تصل إليه قواه.
vol. 2, p. 808قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] ، فهذان نبيان كريمان، فَهَّمَ اللهُ ــ سبحانه وتعالى ــ أحدهما الحكومة، وأثنى على كلٍّ منهما بما آتاه من الحكم والعلم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا خَصَّ أحدهما بفهمٍ وعلمٍ في مسألة= لم يمنع ذلك أَنْ يُعَظَّمَ الآخَرُ ويُثنى عليه بما أعطاه الله من العلم والحكم، لا سيما والآخر قد يكون في مسألة أخرى هو المصيب (١) .
-
وكل مجتهد مصيب؛ بمعنى: أنه هو مطيع لله إذا استفرغ وسعه، فاتقى الله حق تقاته (٢) .
-
وأما بمعنى معرفة حكم الله الباطن، فلا يكون المصيب إلا واحدًا (٣) ؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ
vol. 2, p. 809فله أجر» (١) ، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ لَمَّا حكم في بني قريظة: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» (٢) ، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - لأميره: «وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أَنْ تُنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» (٣) ، وكما دعا سليمان ــ عليه السلام ــ بثلاث دعوات، فقال: أسألك حكمًا يوافق حكمك (٤) .
-
وهذا كجهة الكعبة إذا اشتبهت، وصلى أربعة طوائف كل طائفة باجتهادها إلى جهة، فالكل مصيبون بمعنى: أنهم مطيعون لله، والذي أصابَ جهة الكعبة واحدٌ منهم.
-
والمقصود هنا: أنه إذا قال المناظر عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أنهم قد يمنعون حكم الأصل، لم يكن للمحتج عليهم جواب إلا بأن يثبت حكم الأصل بنصٍّ أو إجماعٍ في زمنهم، بأن ينقل إجماع الصحابة في زمن ابن عمر وحفصة وزينب على أَنَّ الطلاق المحلوف به يقع، أو أَنْ ينقل [٢٣٠/ أ] أَنَّ المفتين في العتق يوافقونه على وقوع الطلاق المحلوف به.
- vol. 2, p. 810
وإذا قيل بموافقة هؤلاء فقط وَعُلِمَ أنهم يقولون بالفرق بين الحلف بالطلاق والعتاق= كان قولهم كقولهم ولزم تخطئتهم في أحد القولين، إما في نفي الكفارة في الطلاق وإما في إثباتها في العتق، لم يلزم أَنْ يكون قولهم في العتق خطأ إِنْ لم يكن وقوعه على الحالف بالطلاق ثابتًا بنص أو إجماع الصحابة في ذلك الزمن، وإلا فمجردُ قول بعضهم الذي لا يثبت به الإجماع لا يعلم به الإجماع، ومجرد تسليم المنازع في العتاق للطلاق لا يفيد الإجماع، وليس شيء من ذلك حاصلًا لا تسليم هؤلاء ولا إجماع الصحابة، بل ولا قول ثلاثة من الصحابة ولا اثنين، بل ولا واحد، بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك.
-
ونحن في هذا المقام لا نحتاج أن نثبت نزاعًا بين الصحابة، بل المحتج بالقياس عليه أن يثبت الحكم في الأصل، إما بنص وإما بإجماعهم= وإلا كان قياسه الذي احتج به عليهم حجة فاسدة على فساد قولهم إنَّ العتق المحلوف به فيه كفارة يمين.
-
وَمَنْ أحكم معرفة الأدلة الشرعية وحذق في استعمالها = تبين له من غلط الناس في مواضع كثيرة ما لا يتبين لغيره، وَعَرَفَ مِنْ عظمة قَدْرِ الكتاب والسنة، وعظمة الصحابة، وعظمة الشريعة وكمالها وتناسبها واعتدالها مالم يعرفه غيره، وعلم أَنَّ الصحابة أفضل القرون وأعلمها وأعدلها وأفقهها، وَأَنَّ كل غلط وقع فمن عدم علم الناس لا من قصور في تبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبيانه، بل قد بَلَّغَ البلاغ المبين، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه عَنَّا أفضلَ ما جزى نبيًا عن أمته، بأبي هو وأُمِّي - صلى الله عليه وسلم -.