فصل في اعتراض المعترض على قول المجيب: (وأبو ثور لم يسلم الطلاق. . . إلخ) والجواب عنه
12 paragraphs · vol. 2, p. 821
- vol. 2, p. 821
قال المعترضُ:
(قال المجيب: وأبو ثور لم يسلم الطلاق، لكن قال: إِنْ كان فيه إجماع فالإجماع أولى ما اتُّبِعَ، وإلا فالقياس أنه كالعتاق، وقد علم أنه ليس فيه إجماع.
-
وأما ما ذكره من [الزيادة في] حديث أبي رافع وأنهم قالوا: أَعتقي جاريتك؛ فهذا غلطٌ، فإنَّ هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أنهم قالوا: أَعتقي جاريتك. وقد رواه أحمد والجوزجاني والأثرم وابن أبي شيبة وحرب الكرماني وغير واحد من المصنفين (١).
قال المعترض (٢) : (وأبو ثور لم يُسَلِّم الطلاق) .
- vol. 2, p. 822
قلنا: قد نقل ابن المنذر عنه كما تقدم عند حكايته الإجماع، ونقله عنه صريحًا هناك، والمثبت مقدم على النافي.
-
وأبو ثور نفسه نقل الإجماع ــ كما تقدم ــ من نقل محمد بن نصر عنه) (١) .
- والجواب:
-
أَنَّ المرادَ دفعُ احتجاجِ من احتج على أبي ثور ــ رحمة الله عليه ــ بقياسِ العتاق على الطلاق، وأبو ثور لم يُسَلِّم أَنَّ الكتاب أو السنة أو القياس يدل على وقوع الطلاق، ولم يُسَلِّم أَنَّ دلالةَ القرآن على تكفيرِ أيمانِ المسلمين ينفي تكفير الطلاق، ولم يُسَلِّم أَنَّ في الطلاق معنًى يوجبُ وقوعَهُ بخلافِ العتق؛ فمن احتج على أبي ثور بقياس العتق على الطلاق وطالبه بالفرق كان [٢٣٤/ أ] مخصومًا معه، فإنه لم يقل: إني رأيت في الطلاق وصفًا يختص به يقتضي الوقوع، ولا قال: رأيت في العتق معنًى ينفي الوقوع يختص به دون الطلاق = حتى يحتج عليه بالقياس، فإنَّ وقوعَ الطلاق ليس هو عنده مقتضى القياس، بل مقتضى القياس وظاهر القرآن ألا يقع وهو مقتضى الدليل عنده، وإنما تركه للمعارض الذي ظنه معارضًا؛ وهو ظنه الإجماع على نفي تكفير الطلاق = فصار هذا عنده موضع استحسان على خلاف الأصل والدليل والقياس، كما يفعل ذلك كثيرٌ من العلماء في مثل ذلك.
-
وإذا كان أبو ثور لم يفرق إلا لما ظنه من الإجماع ولو علم النزاع لم يفرق = عُلِمَ أَنَّ قولَه في نفس الأمر هو التسوية بينهما لا التفريق؛ كالأقوال
vol. 2, p. 823المعلَّقة للعلماء إذا قال الإمام: قد روي في ذلك حديث فإنْ كان صحيحًا قلت به، أو إذا قال (١) : هذا قولي إلا أن يكون في المسألة إجماع، أو إلا أَنْ يصح الحديث المخالف له، وإنما قلت بذلك لأجل هذا الحديث لا لمعنى آخر؛ فإنْ كان ضعيفًا فلا أقول به ونحو ذلك (٢) .
-
فإذا عُلِمَ أنه لم يَعدل عنه علم أنه في نفس الأمر لا يعدل عنه، وحينئذٍ فليس لأحدٍ أَنْ يحتجَّ عليه بالطلاق؛ فإنَّ جوابه له: أَنَّ الطلاق إما أَنْ يكون فيه إجماع وإما ألا يكون؛ فإنْ كان فيه إجماع فهو عذري في الفرق، وإنْ لم يكن فيه إجماع لم أُسَلِّمْ الحكم في الأصل وَسَوَّيتُ بينهما.
-
فهذا بيان لجوابه في نفس الأمر على قوله، وَإِنْ كان هو لم يعلم النزاع ليجيب بالمنع، وقد تقدم لفظ أبي ثور أنه قولٌ مُعَلَّق لا مُطْلَق (٣) .
قال أبو ثور: (مَنْ حلف بالعتق فعليه كفارة يمين ولا عتق عليه، وذلك أَنَّ الله ــ تعالى ــ أوجبَ في كتابِهِ كفارةَ اليمين على كل حالف، فقال تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم) .
قال أبو ثور ــ رحمه الله تعالى ــ: (وَكُلُّ يمينٍ حَلَفَ بها الإنسان فحنث، فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب، إلا أَنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيء) .
vol. 2, p. 824قال: (ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارة وألزمناه الطلاق للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة لأنَّ الأمة لم تجتمع على ألا كفارة فيه) (١) [٢٣٤/ ب] .
-
فهذا أبو ثور ــ رحمه الله تعالى ــ يُصَرِّحُ بأنَّ كل يمين حَلَفَ بها الإنسان فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أَنْ تُجْمِع الأمة على أَلا كفارة فيه، فأثبتَ الكفارة في كل يمين إلا إذا كان إجماعٌ على نفي الكفارة، وَظَنَّ أَنَّ في الطلاق إجماعًا على نفي الكفارة فيه، فإذا قُدِّرَ انتفاءُ هذا الإجماع: فأيُّ القولين هو قوله؟ ! قوله: إِنَّ كل يمين يحلف بها الإنسان فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أن تجمع الأمة على ألا كفارة فيه؛ فإذا كان حلف لم تجتمع الأمة على ألا كفارة فيه = كان قولَ أبي ثور ــ رحمه الله تعالى ــ فيه إنَّ فيه الكفارة بهذه العبارة الصريحة.
-
وقوله: ولم يجتمعوا إلا في الطلاق إثباتٌ لإجماعهم في الطلاق، والإجماع عنده معناه: عدم العلم بالنزاع، فإذا قُدِّرَ أَنَّ ثَمَّ نزاعًا لم يعلمه = كان الإجماع منتفيًا قطعًا، وكان هذا مما أثبت فيه الكفارة لا مما نفى فيه الكفارة، فإنه أثبتَ الكفارةَ إلا على تقدير شرطٍ وذاكَ منتفٍ، ونفاها فيه على تقدير ثبوته وليس بثابت؛ فَعُلِمَ أنه لا ينفيها في نفس الأمر.
-
ولو قال: عبدي حر إلا أنْ تكون الأمة قد اجتمعت على عدم تكفير الحلف ــ وَظَنَّ أنها أجمعت ــ، ثم تبين بعد موته أنه لا إجماع = حُكِمَ بعتق العبد لوجود الموجِب لعتقه وانتفاء عدم شرط العتق.