الجواب عن قول المعترض: (وأبو ثور نفسه نقل الإجماع)

9 paragraphs · vol. 2, p. 825

  1. فقول المجيب: أبو ثور لم يُسَلِّم الطلاق، لكن قال: إِنْ كانَ فيه إجماع؛ فالإجماعُ أولى ما اتبع، وإلا فالقياس أنه كالعتق= جوابٌ عن أبي ثور لمن احتج عليه بقياس العتق على الطلاق، فإنَّ أبا ثور لم يسلم الحكم في الطلاق ابتداءً، بل قال: كل يمين يَحلف بها الإنسان فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أَنْ تجتمع الأمة على خلاف ذلك؛ فكان مقتضى ظاهر الكتاب وهو مقتضى القياس عنده: تكفير الحلف بالطلاق كتكفير سائر الأيمان، وهو قد أخبر أنه يقول بذلك إلا أَنْ يكون ثَمَّ إجماع، ثم ظَنَّ الإجماع في الطلاق فقال بنفي تكفيره لظن الإجماع، لا لأنه عنده مقتضى دلالةِ النص والقياس، بل لأنَّ الإجماعَ عنده أولى بالاتباع من الظاهر والقياس، فإذا عُلِمَ أنه [٢٣٥/أ] ليس ثَمَّ إجماع منع الحكم في الطلاق على أصله (١) .

    vol. 2, p. 825
  2. فلو قال الشافعي أو أحمد بن حنبل أو غيرهما مثل هذا، فقال: مقتضى الدليل عندي كذا وأنا أقول به إلا أَنْ يكون ثَمَّ إجماعٌ على خلافه وَظَنَّ الإجماع، ثم وَجَدَ أصحابه النزاع لقالوا: قوله المعلَّق هو القول الذي قاله وعلقه على عدم الإجماع، كالقول الذي يعلقه على صحة الحديث وأولى.

  3. وأما قوله: وأبو ثور نفسه نقل الإجماع؛ فقد علمنا ذلك، لكنْ مراده بذلك: أني لا أعلم نزاعًا، وأني أظن عدم النزاع؛ هكذا قال عن نفسه فيما يحكيه من الإجماع، ليس نقله للإجماع كنقله لما سمعه من أقوال العلماء منهم أو ممن نقل عنهم، بل هذا أمرٌ اجتهادي مستنده الاستقراء وتتبع الأقوال، فلمَّا لم يجد فيما بلغه من أقوال العلماء من قال بالتكفير = ظَنَّ أنه لا قائل به.

  4. كما يقول أهل الحديث: لم يرو هذا غيرُ فلان، وكما يقول بعض أتباع الأئمة: لم يذكر هذا القول أو هذا الوجه إلا فلان؛ فهذا كله مستنده فيه الاستقراء والتتبع، وهو قولٌ باجتهاد واستقراء يقع فيه الصواب والخطأ، ليس هو من باب نقل الأحاديث وأقوال العلماء التي تنقل بالسماع أو بما يوجد في الكتب عنهم.

    vol. 2, p. 826
  5. ولهذا يُفَرَّقُ في الشهادة واليمين بين الإثبات والنفي؛ فإذا حَلَفَ على الإثبات حَلَفَ على البَتِّ، وإذا حَلَفَ على النفي لفعل غيره أو الدعوى على غيره لم يحلف إلا على نفي العلم.

  6. إذا قال: أبوك غصبني أو اقترض مني أو اشترى مني، وكذلك الشاهد إذا شَهِدَ بحصر الورثة قال: ليس له وارث غيره، مع أَنَّ العلم بانتفاء هذا يحصل كثيرًا، أو قال: إنه مفلس ليس له مال، أو إنه رشيد لا يُضَيِّعُ مالَهُ؛ فمثل هذه الشهادات التي تتضمن نفيًا وتُعلم بالاجتهاد إنما تُقبل من أهل الخبرة بذلك، فتقبل كما تقبل شهادات الاجتهاد؛ ولهذا قد يَمنع من مثل هذه الشهادات من [يطلب اليقين] (١) بالشهادة.

  7. ولهذا إذا كانت هذه الشهادة مما تُعلم أسبابها = لم تقبل إلا مُفَسَّرةَ السببِ كالجرح والإخبار [عَمَّا يُعْلَم بالسمع والرؤية] (٢) والشهادة باستحقاق القَوَد ونحو ذلك؛ فالخبر الذي مستنده اجتهاد الشاهد هو من جنس القيافة [٢٣٥/ ب] والخرص والتقويم، ومن جنس الفتيا والحكم بالاجتهاد؛ ليست مثل الخبر عن الأمور المعلومة بالسمع والرؤية.

  8. فنقلُ أبي ثور للإجماع الذي مستنده عنده استقراؤه لأقوال العلماء هو من الخبر عن اجتهاده واستقرائه = ليس خبرًا كأخبار المحدثين وشهادة الشهود بالأمور المعلومة بسمع أو رؤية.

    vol. 2, p. 827
  9. فإذا قال: كل يمين مكفرة إلا يمينًا فيها إجماع، وقال مع ذلك: هذه اليمين قد ظننت فيها إجماعًا، ثم تبين أنه لا إجماع فيها = كان قوله المعلَّق فيها هو التكفير.