الوجه السابع: من منع تعليق الطلاق مطلقا فقد خالف الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين
6 paragraphs · vol. 2, p. 853
- vol. 2, p. 853
العلماء (١) كمالك وأبي حنيفة وغيرهما؛ فإنَّ الإشهاد في اشتراطه روايتان عن أحمد؛ إحداهما: لا يشترط؛ وهو مذهب مالك وداود وغيرهما. قال أحمد - رضي الله عنه -: (ليس في الشهادة على النكاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث ثابت) (٢) .
-
وأما كون الإشهاد لا يكون إلا على الصريح، فهذا مما نازع فيه الجمهور؛ فإنَّ [٢٤٣/ أ] الكناية مع دلالة الحال صريحٌ عند الجمهور: أحمد ومالك وغيرهما، وإذا اقترن بها لفظ يميز معناها كانت كالصريح باتفاقهم، كما إذا قال: تصدقتُ بهذا صدقةً مُحَبَّسة؛ فمتى نوى بلفظ الصدقة لفظًا من ألفاظ الوقف أو حكمًا من أحكامه كان صريحًا عندهم؛ فكذلك إذا قال: مَلَّكْتُ بنتي على ما أمر الله به في الزوجة من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؛ فهذا صريح في النكاح، وبسط هذه المسائل له موضع آخر (٣) .
-
والمقصود هنا: التنبيه على أَنَّ الصواب هو الفرق بين التعليق القسمي والتعليق الإيقاعي، دون الفرق بين الطلاق المجرد والمعلق كما قاله ابن حزم، خلاف ما قاله المعترض من أَنَّ صاحب هذا القول أعذر من صاحب ذاك القول.
-
الوجه [السابع] (٤) : أَنْ يقال: مَنْ مَنَعَ تعليقَ الطلاق مطلقًا فقد خالف
vol. 2, p. 854الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين، فإنَّ إيقاع الطلاق المعلَّق مأثور عن علي وابن مسعود وأبي ذر ومعاوية وابن عمر - رضي الله عنهم -، بل قد تنازع الصحابة - رضي الله عنهم - في تعليقه على الملك؛ فأوقعه ــ مع ذلك ــ ابن مسعود وغيره، ولم يوقعه علي وابن عباس - رضي الله عنهم -، وعللوا ذلك بكونه طلاقًا معلقًا، مع كونه تعليقًا قبل النكاح، فلو كان الطلاق المعلَّق لا يقع عندهم بحال لم يوقع هذا منهم أحد، ولو كان لا يقع عند بعضهم لَعَلَّلَ بذلك مَنْ لم يوقع هذا منهم، فلما أعرضوا عن هذا التعليل وعللوا بما يختص بهذا النوع= عُلِمَ أَنَّ كونه معلقًا ليس مانعًا عندهم من الوقوع.
-
والمعترضُ جعل هذا التعليق يمينًا، وَظَنَّ أَنَّ ذلك يقتضي أَنَّ كونه يمينًا ليس بمانع عندهم، واعتقد أَنَّ المجيب يجعل هذا من الأيمان التي فيها كفارة.
-
وقد تقدم التنبيه على هذا الغلط، وَبُيِّنَ أَنَّ هذا القول لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل يدري ما يقول، وَأَنَّ الذين تنازعوا في الطلاق المحلوف به هل هو طلاق أو يمين منعقدة مكفرة أم يمين غير منعقدة ولا مكفرة؟ لم يدخل في نزاعهم [٢٤٣/ ب] الطلاق المعلَّق الذي يقصد إيقاعه عند الصفة سواء عُلِّقَ على الملك أو على غير الملك، بل هذا المعلق لم يقل أَحَدٌ إنه يمين مكفَّرة ولا غير يمين مكفَّرة، وإنما النزاع هل هو طلاق أم ليس بطلاق؟ وإذا قيل ليس بطلاق (١) فليس هو يمينًا من الأيمان، لا من أيمان المسلمين المكفرة المنعقدة ولا من الأيمان المنهي عنها كأيمان المشركين، فلا يقول