الوجه السادس: عدم التسليم بعزة النصوص

20 paragraphs · vol. 2, p. 848

  1. أم يمين غير مكفرة؟ وهذا الفرق هو القول الصحيح.

    vol. 2, p. 848
  2. ومن نفى الطلاق من هؤلاء المفرقين، فإنما نفاه لكون الحالف ليس بمطلِّق، لا لأنَّ الطلاق المعلَّق لا يقع، بل هو واقع عنده قابل للتعليق؛ وهذا يتبين بِـ

    الوجه [السادس] (١) : وهو أنه يقال: لا نسلم عِزَّةَ النصوص، [٢٤١/ ب] بل هو يقول: النصوص الشاملة للطلاق يَشمل مُطْلَقَهُ وَمُعَلَّقَهُ، كما أَنَّ نصوص العتق يَشمل مطلقه ومعلَّقه، وكذلك نصوص النذر يَشمل مطلقه ومعلَّقه، بل يَشمل مطلقه بالإجماع وفي معلَّقِهِ نزاع.

  3. وكذلك نحن نقول: نصوصُ الضمان يَشمل مُطْلَقَهُ وَمُعَلَّقَهُ، ونصوص الإذن والولاية يَشمل المطلق والمعلَّق، وذلك أَنَّ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» (٢) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد ... » (٣) ونحو ذلك= يتناول العتقَ المُطْلَقَ والمعلَّق بصفة إذا وقعت.

  4. وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يطيع الله فليطعه» (٤) يتناول النذر المطلق والمعلق.

  5. فكذلك قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}

  6. [البقرة: ٢٢٨] يتناول الطلاق المرسل والطلاق المعلق، فإنَّ كونَهُ معلقًا بمنزلة كونه مؤقتًا، وهو إيقاعٌ للطلاق في تلك الحال لا في غيرها، وهذا لا يُخرجه عن أَنْ يكون طلاقًا، كما لا يَخرج العتق والنذر عن أن يكون عتقًا أو نذرًا.

    vol. 2, p. 849
  7. ومعلومٌ أَنَّ كون الطلاق طلاقًا والعتق عتقًا والنذر نذرًا هو ثابت؛ سواء كان بلفظٍ عربي أو عجمي، وسواء كان بلفظ صريح أو كناية، وسواء كان مرسلًا مطلقًا أو كان مختصًّا بحالٍ دون حال وبصفةٍ دون صفة؛ وهذا موضع يشتبه على كثيرٍ من الناس؛ فإنَّ التقييد تارة يكون في اللفظ وتارة يكون في المعنى (١) .

  8. فأما التقييد اللفظي: فتارة يكون المسمى بالمقيد لا يدخل في اللفظ المطلق، كما لا يدخل المني المسمى بالماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، والمذكور في قوله: «إنما الماء من الماء» (٢) في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: ٤٣] ، وتارة يدخل كما يدخل ماء البحر وغيره في اسم الماء.

  9. وكما يدخل في الرقبةِ السوداءُ والبيضاءُ في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] .

  10. وأما التقييد المعنوي: فكما يَتصور الإنسان في نفسه إنسانًا مطلقًا، ويتصوره مقيَّدًا بكونه عربيًّا وعجميًّا ومسلمًا وكافرًا ونحو ذلك مع علمه بأنَّ

    vol. 2, p. 850معنى الإنسان ثابت مع هذه القيود.

  11. وإذا عُرِفَ هذا؛ [٢٤٢/ أ] فمعنى الطلاق والعتاق والنذر ثابت؛ سواء تكلم به بلفظ عربي أو عجمي، وسواء تكلم به بلفظ هو صريح كالنص والظاهر، أو بلفظ هو كناية كاللفظ المجمل الذي يراد به هذا تارة ومعنى آخر تارة، لكنه إذا أراده بلفظ الكناية بَيَّنَ مراده [ ... ] (١) يعني الطلاق ثابتًا به.

  12. وكذلك كون الطلاق مرسلًا لا يقف على شرط، وكونه مقيدًا معلقًا بشرط يقع في حال دون حال، فإنَّ هذا لا يمنع ثبوت حقيقة الطلاق ومعناه في تلك الحال المقيدة، ولا يمنع شمول لفظ الطلاق لهذا وهذا، كما يَشمل لفظ العتق والنذر لهذا وهذا، وكما يشمل لفظ الرقبة والإنسان لما يوجد فيه المسمى وَإِنْ كان مخصوصًا بقيودٍ لا توجد في غيره.

  13. يُبَيِّنُ هذا: أَنَّ الطلاق المطلق عن جميع القيود لا وجود له في الخارج، بل وكذلك سائر مسميات الألفاظ ومعانيها إذا أُخِذَتْ مجردة عن كل قيد= لم يكن لها وجود في الخارج، بل تُقَدَّرُ في الأذهان من غير أَنْ يكون لها وجود في الأعيان (٢) .

  14. فالطلاق المنجَّز مقيَّدٌ بكونه منجَّزًا، وطلاق السنة الحلال مقيَّدٌ بكونه طلاق سنة حلالًا، وطلاق البدعة مقيَّد بكونه طلاق بدعة محرم، لكن هذا القيد

    vol. 2, p. 851أوجب اختصاصه بالتحريم والنهي، وهل هو مانع من لزومه؟ على القولين فيه كاختصاص البيع المحرم والنكاح المحرم بكونه محرمًا منهيًّا عنه.

  15. والطلاق بعوضٍ مُقَيَّدٌ بكونه طلاقًا بعوض، لكنَّ هذا القيد أوجب كونه بائنًا، ثم البائن عند أكثر فقهاء الحديث يمنع أن يكون من الطلاق المطلق في كتاب الله ــ تعالى ــ الذي جعله الله رجعيًا وَجُعِلَ ثلاث مرات وَجُعِلَ فيه تربص ثلاثة قروء في كل مرة.

  16. وأما كون الطلاق معجلًا أو مؤخرًا، وبالعربية أو بالعجمية، وبالصريح أو بالكناية= فهي صفات لا تؤثر في اختلاف أحكامه الشرعية إذا أُوْقِعَ، فإنَّ الذي أوقعه أوقعَ الطلاقَ الذي شرعه الله، لكن أوقعه إما (١) مجردًا وإما مقيدًا ببعض الأحوال، وإما بصريح وإما بكناية، وإما بعربية وإما بعجمية؛ فكما أَنَّ ألفاظ النصوص تتناول الطلاق بأيِّ لفظٍ كان من [٢٤٢/ ب] عربي أو عجمي، ومن صريح أو كناية؛ فكذلك تتناوله كيف ما أوقعه إذا لم يكن إيقاعه محرمًا، سواء كان مجردًا أو مقيدًا.

  17. وابن حزم يمنع وقوع الطلاق المعلق والطلاق بالكناية، وكذلك شيوخ الإمامية، وهذا القول مخالف لما استفاضت به الآثار عن الصحابة والتابعين، ومخالف للأدلة الشرعية، فإنَّ اعتبارَ لفظٍ معين للطلاق كاعتبار لفظ معين للعتق والنذر والبيع والنكاح وسائر العقود، وذلك كاعتبار لفظ العربي دون غيره، ومعلومٌ أَنَّ هذا خلاف النص والإجماع في أكثر المواضع.

  18. فلا ريب أَنَّ البيع يصحُّ بكل لسان، وكذلك الإسلام والكفر، وكذلك الطلاق، وكذلك النكاح عند عامة علماء المسلمين، وإنما فيه نزاع شاذ ذهب إليه بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، والأئمة المتقدمون لم يقولوا شيئًا من ذلك، ولا يوجد هذا في كلام أحمد ولا كلام عامة متقدمي أصحابه، بل ولا يوجد في كلامه وكلام قدماء أصحابه تعيين لفظ الإنكاح والتزويج، ولكنَّ الشافعي اشترط ذلك، ووافقه بعض متأخري أصحاب أحمد؛ كأبي عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبي يعلى وَمَنْ تَلَقَّى ذلك عنه كأبي الخطاب وغيره (١) .

    vol. 2, p. 852
  19. ومأخذ الشافعي - رضي الله عنه - في ذلك: أَنَّ النكاح يُشترط فيه الإشهاد، والإشهادُ إنما يكون على الصريح دون الكناية، إذ الصريح عنده لا بُدَّ أن تقترن به النية لا يُكتفى فيه بدلالة الحال، والنية باطن [ ... ] (٢) ، وليس له صريح إلا هذان اللفظان.

  20. وهذه المقدمات ممنوعة ــ هي أو بعضها ــ على أصل أحمد وجمهور