الوجه التاسع: لو قال قائل: من منع وقوع الطلاق المعلق مطلقا هو أعذر ممن ألزم بالطلاق المعلق المحلوف به مطلقا= لكان قول هذا القائل أسد ممن جعل نافي الطلاق مطلقا أعذر ممن فرق بين التعليقين
11 paragraphs · vol. 2, p. 856
- vol. 2, p. 856
والتعليق الذي يقصد به الإيقاع، فكيف [يكون] (١) هؤلاء أقل عذرًا ممن يقول الطلاق المعلق [٢٤٤/ أ] لا يقع بحال، وهو قول شاذٌ لا يُعرف عن أحدٍ من السلف؟! ثم هو قول في غايةِ الفسادِ، والفرقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والتعليق الذي يقصد به الإيقاع في غاية القوة؛ بل نحن نعلم قطعًا أنه من الفرقان الذي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل به كتابه، ونعلم قطعًا أَنَّ الطلاق المعلق إذا قُصِدَ إيقاعه عند الصفة يقع، فهل يَجعل مَنْ سَوَّى بينهما في النفي أعذرُ ممن فَرَّقَ إلا مَنْ هو مِنْ أَبعدِ الناس عن معرفة دين الإسلام؟! بل هذا القول يستلزم قول الذين قالوا {لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: ٥١] .
-
الوجه [التاسع] : أنه لو قال قائل: مَنْ منع وقوع الطلاق المعلق مطلقًا، أو قال: إِنَّ الطلاق المحلوف به لا طلاق فيه ولا كفارة فهو أعذر ممن ألزم الطلاق المعلق المحلوف به مطلقًا= لكان قولُ هذا القائل أَسَدُّ ممن جعل نافي الطلاق مطلقًا أعذر ممن فَرَّقَ بين التعليقين، لأنَّ ذاك يقولُ: الأصلُ بقاءُ النكاح، والأصلُ براءةُ الذمةِ من الكفارة، وهذه الأيمان نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تنعقد ولا كفارة فيها.
-
والملزِمُ بالطلاقِ إِنْ نازعه في كونها أيمانًا كابر مكابرة يعرفها العامة والخاصة.
-
وَإِنْ سَلَّمَ أنها أيمان، وقال: هي أيمان محرمة منهيٌّ عنها؛ بَطَلَ قَولُهُ.
-
وإِنْ قال: أيمانٌ منعقدة مُكَفَّرَة؛ بطل قوله.
- vol. 2, p. 857
وَإِنْ قال: أيمان منعقدة غير مكفرة؛ فقد خالف الكتاب والسنة، وأتى بقول مبتدع؛ إذ ليس في شرع المسلمين يمين من الأيمان إلا منعقدة مكفرة، أو باطلة لا منعقدة ولا مكفرة؛ وأما يمين منعقدة غير مكفرة فهذا ليس من شرع المسلمين، وإنما هو من شرع أهل الكتاب، وكانوا عليه في أول الإسلام قبل أَنْ نَزَّلَ الله ــ تعالى ــ كفارة الأيمان.
-
ومع هذا التوجيه؛ فنحن نقول: التسوية بين التعليقين في اللزوم وإِنْ كان قولًا ضعيفًا، فقول مَنْ نفى لزومهما جميعًا أضعف منه، وقولُ مَنْ جعل الحالف بالطلاق يلزمه الطلاق أقوى من قول من [٢٤٤/ ب] يقول لا يلزمه لا طلاق ولا كفارة، ومن جعل هذا تعليقًا لازمًا ويمينًا لازمة أقوى مِن قول مَن جعل هذا تعليقًا باطلًا ويمينًا غير منعقدة.
-
فإنَّ قولَ الملزمين من جنس الشرع المنسوخ، وقولُ المبطلين من جنس شرع الجاهلية الذي لم يشرعه الله ــ عز وجل ــ قط؛ وقولٌ شُرِعَ ثم نُسخ أرجحُ من قول ما شرعَ قط، وكل مسألة فيها نزاع فالقول الصواب فيها هو موافق لشرع الرسول المحكم، وما خالفه فهو إما من جنس الشرع المنسوخ أو من جنس ما لم يشرع قط؛ والأول خيرٌ من الثاني (١) .
-
فإنَّ هذه الأيمان هي من أيمان المسلمين بلا ريب؛ فالقول بانعقادها وعدم الكفارة فيها من جنس الشرع المنسوخ، وما كانوا عليه أولًا من أَنَّ اليمين يَلْزَمُ صاحبَها ما حَلَفَ عليه، وَأَنَّ مَنْ حَرَّمَ شيئًا حَرُمَ عليه كما حَرَّمَ إسرائيل على نفسه. والقول بأنها لا تنعقد ولا شيء فيها بمنزلة مَنْ جَعَلَ
vol. 2, p. 858الأيمان والتحريم قولًا باطلًا لا شيء فيه بحال وهذا لم يشرع قط؛ فما زال في كل شريعة للأيمان والتحريم حكم معتبر، إما اللزوم وإما الكفارة.
-
فنحن وإن علمنا أَنَّ قول هؤلاء الملزمين بهذه الأيمان أرجح من قول من أهدرها، فَمَنْ عَكَسَ ذلك وجعل من جعلها لازمة أقل عذرًا ممن أهدرها= فقوله أرجح مِن قول مَن جعل قول بعض الظاهرية النافين للطلاق المعلَّق مطلقًا أعذر ممن فرق بين التعليق القسمي والإيقاعي، فإنَّ هذا جَعَلَ أضعف الأقوال أرجح من أرجح الأقوال، بخلاف الذي قبله فإنه جعل أضعفها أرجح من متوسطها.
-
وهذا له نظائر في كلام المعترض؛ يَذكرُ من النقل والاستدلال والمنع والطعن ما هو من أسقط شيءٍ (١) ، ومما أجمع العلماء على فساده؛ كما تكرر ذلك في غير موضع (٢) .