بيان ما أصاب فيه المعترض

9 paragraphs · vol. 2, p. 891

  1. وأنا أعذر المعترض وأمثاله في كثيرٍ مما يقولونه، لأنَّ مَنْ هو أكبر منهم غَلِطَ في مواضع، وهم زادوا في الغلط؛ فتضاعف الغلط وضعفت معرفتهم بالكتاب والسنة ومعاني أقوال الصحابة ومن اتبعهم.

    vol. 2, p. 891
  2. وهو وإنْ كان قد غلط في هذه المواضع فقد أصاب وأحسن في قوله: (على أَنَّ هذا القول بالتحرير الذي يقوله المتأخرون ــ وهو: أَنَّ الواجب الكفارة عينًا بحيث لو أتى بالذي التزمه لا يكفي ــ لسْتُ أعرف الآن دليلًا عليه، لا من خبرٍ ولا من نظرٍ) (١) ؛ فإنَّ هذا القول في غايةِ الضعف، وقد أحسن في تضعيفه، بل هو خلاف الإجماع الذي حكاه الإمام أحمد، مع تحري أحمد في حكاية الإجماع، وَرَدِّهِ على مَنْ يجزم بالإجماع، وَأَمْرِهِ له بأنْ يقول: ما أعلم خلافًا.

  3. ولكنَّ ظَنَّ هذا المعترض أَنَّ حجة المجيب إنما [٢٥٤/ ب] تتوجَّه (٢) على تقدير نصرة هذا القول الساقط الشاذ المخالف لإجماع السلف= ظَنٌّ كاذب، بل أَنَا أُسَلِّمُ خَطَأَ هذا القول وأجزم به، مع الجزم بأنَّ هذه يمين مكفرة؛ فصار قياسًا.

  4. وسبب الاشتباه في ذلك: أَنَّ التعليق القَسَمي كقوله: إِنْ لم أفرق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وكل مملوك لي حر وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية ونحو ذلك، وقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ الحج ونحو ذلك= هو إنما يكون حانثًا الحنث الموجب للكفارة إذا وجد الشرط دون الجزاء، فإنَّ كلامه تضمن لزوم الجزاء عند الشرط، فإنْ وُجِدَ الشرطُ والجزاء لم يكن قد

    vol. 2, p. 892خالف عَقْدَهُ، وإنْ لم يوجد لا الشرط ولا الجزاء لم يكن قد خالف عقده، وأما إذا وجد الشرط دون الجزاء فقد خالف عقده؛ فلزمته الكفارة.

  5. فالحنث الموجبُ للكفارة عينًا هو: مخالفةُ عَقْدِهِ بوجود الشرط دون الجزاء، لكن هو إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج؛ فمقصوده: منعُ نفسِهِ من الفعل وجَعْلُ الحج لازمًا له إذا فعل لئلا يفعل، فإذا وجد الفعل فقد يُسمى حانثًا كما يسمى حانثًا إذا حلف ألا يفعل وفعل، ولكن إذا وجد الفعل وَقُدِّرَ مع ذلك أنه حَجَّ فقد وفّى بموجب عقده فلم يحنث وليس عليه شيء آخر، ولكن هو إذا فعل جاء يستفتي لينظر أيلزمه الحج أم لا يلزمه؟

  6. فَظَنَّ هؤلاء المتأخرون الغالطون المخالفون لإجماع السلف أنه بالفعل صار حانثًا الحنث الموجب للكفارة فألزموه الكفارة عينًا، وَظَنَّ هذا المعترض الغالط أَنَّ قول هؤلاء هو قول الصحابة والتابعين الذين أفتوا بالكفارة في هذه الأيمان كعمر وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - وغيرهم؛ وهذا غلط عليهم، فإنَّ قول هؤلاء الصحابة هو القول الذي نَصَرَهُ الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهم يفتون بالكفارة، ولو فَعَلَ ما عَلَّقَهُ لم يكن عليه شيء آخر بلا ريب، وهكذا نَقَلَ عنهم عامة العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم مثل: أبي حامد الإسفراييني الذي يعتمد على نقله، فإنه قال: (وعندنا أنه مخيَّر بين أَنْ يفي بما نذره أو يُكَفِّر كفارة يمين، وبه قال: عمر وابن عمر وابن [٢٥٥/ أ] عباس وعائشة وحفصة وزينب بنت أم سلمة ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن التابعين عطاء وطاووس والحسن، ومن الفقهاء أبو عبيد وأحمد وإسحاق وأبو ثور) .

  7. والصحابة - رضي الله عنهم - أفتوه بالكفارة لا لأنه إذا فعل ما التزمه لزمته الكفارة أيضًا، بل أمروه أَنْ يُكفِّر ولا يحتاج مع ذلك إلى فعل ما التزمه، لأنه ليس له قصد في فعله، وإنما كان يفعله إذا كان واجبًا عليه، فإذا لم يكن واجبًا عليه بل تجزئه كفارة يمين فلا داعي له إلى فعله، وقد يُنهى ــ أيضًا ــ عن فعله لما عليه في ذلك من الضرر، لأنه ليس له في ذلك نيةٌ خالصة، كما يُنهى الإنسان عن فعل ما يضره وعن سائر أفعال القرب التي يفعلها بلا نية خالصة لله ــ عز وجل ــ، وكما يُنهى عن أن يفعل ما حَلَفَ عليه إذا حلف ليفعلنَّ محرمًا، أو ليفعلنَّ فعلًا يضره، أو ليفعلنَّ قربة من القرب على وجه المباهاة والمراءاة ونحو ذلك.

    vol. 2, p. 893
  8. فلو حلف ليحجنَّ رياءً وسمعة، أو لَيُخْرِجَنَّ ماله كله ويدع نفسه وعياله محتاجين= نهي عن فعل ذلك، وَأُمِرَ أَنْ يكفر يمينه، وَإِنْ كان لو فعل ذلك لم تجب عليه كفارة بقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج؛ غايَتُهُ: أَنْ يكون بمنزلة قوله: إِنْ فعلتُ كذا فوالله لأحجنَّ ثلاثين حجة ولأُخْرِجَنَّ مالي كله ولأصيرنَّ يهوديًا ونصرانيًا ولأطلقنَّ نسائي، وهو لو فعله وَحَجَّ لم يكن عليه كفارة، لكن لو فعله لقيل له: كَفِّرْ يمينك ولا تَحُجَّ ثلاثين حجة ولا تُخْرِج مالك ولا تَكْفُر ولا تُطَلِّق نساءك، ثم لو فعل ذلك لم يكن عليه كفارة؛ فالإلزام بالكفارة مع كونه فعل ما التزمه قولٌ ضعيفٌ جدًّا.

  9. وهؤلاء سمعوا ما ذكره الشافعي ونقله عن السلف من أنهم جعلوا هذا يمينًا مكفَّرة، فظنوا أنه بمجرد (١) الفعل تتعين الكفارة ولو فعل ما التزمه؛ وليس كذلك، بل هذا كما لو قال: إِنْ فعلت فوالله لأفعلنَّ كذا وكذا، فإنه