ثناء ابن تيمية على كلام المعترض هنا وأنه من أحسن كلامه مع حاجته إلى تتمة وبيان
15 paragraphs · vol. 2, p. 898
- vol. 2, p. 898
قال (١) : فإنْ قلتَ: [هذا عند القائلين بوجوب الكفارة عينًا ليس بنذر لكنه يمين.
قلتُ: ] (٢) فيبطل احتجاجهم عليه بقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» (٣) فإنه جعله نذرًا، وجمهور الأصحاب [حملوا] (٤) هذا الحديث على نذر اللجاج الذي نحن نتكلم فيه، ولا دليل لهم على الكفارة فيه غيره) (٥) .
-
فيقال: ما ذكره هنا هو من أحسن كلامه، وأجود ما ذكره مع احتياجه إلى تتمة وبيان؛ فيقال: أما دعوى من ادعى أَنَّ مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» ليس إلا الحلف بالنذر الذي يسميه بعض الناس نذر اللجاج والغضب؛ ففي غايةِ الضعف؛ ولهذا لم يُعْرَف هذا القول عن أحدٍ من السلف، ولا قاله الشافعي ولا أحمد بن حنبل ولا أمثالهما من الأئمة الذين جعلوا في نذر اللجاج والغضب كفارةَ يمين، لكن هو قول طائفة من المتأخرين (٦) .
-
وذلك أَنَّ قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» اسمُ جنسٍ مُعَرَّفٍ بالألف واللام، فيجب أَنْ يكون عامًّا في النذر، ولم يتقدم نَذْرٌ معهود ينصرف الكلام
vol. 2, p. 899إليه (١) .
-
وأيضًا؛ فسواء أريد به جنس النذر أو نذر معين؛ من المعلوم أَنَّ الكفارة في النذر واليمين لا تجب (٢) مع الوفاء، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» لا يقتضي وجوب الكفارة مطلقًا، بل ولا إباحتها مطلقًا، بل يقتضي أَنَّ الذي يُكَفِّرُ النذرَ هو ما يكفر اليمين؛ فثبت أَنَّ النذر فيه كفارة اليمين.
-
وقوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: ٨٩] قال بعض الناس (٣) : مراده: ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم (٤) . ولا تحتاج الآية إلى إضمار، فإنه ليس [٢٥٧/ أ] في قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} إيجاب الكفارة بمجرد اليمين حتى يحتاج أَنْ نضمر الحنث الذي به تجب الكفارة، بل النصُّ دَلَّ على أَنَّ هذا هو كفارة اليمين، كما قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: ٨٩] فهذه الكفارة هي كفارة عقد اليمين. كما يقال: كفارةُ الظهار؛ ومعلوم أنها إنما تجب إذا عاد إلى ما قال. ويقال: جزاءُ الصيد؛ ومعلومٌ أنه إنما يجب إذا قَتَلَهُ. ويقال: فديةُ الأذى؛ ومعلومٌ أنها لا تجب بنفس الأذى بل بالحلق، ومثل هذا كثير.
-
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] وهي الكفارة، لكن سماها تَحِلَّة، لأنها تحل عقد اليمين، وسماها
vol. 2, p. 900كفارة لمحوها ما انعقد سببه من الإثم، والكفارات جعلها الله ماحية.
-
وهذا كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] فالمراد: أَنَّ ذلك يجزئه، وقد علم أنه إنما يجب إذا أفطر، ونظائره متعددة.
-
فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) بيانٌ لكونِ النذرِ كفارتُهُ كفارةُ يمين، ثم قد ثبت بالنص والإجماع أنه يجب الوفاء بالنذر، فإذا لم يوف به كان كاليمين التي حنث فيها تلزم كفارة يمين كما يلزمه في اليمين، وهذا قول السلف وهو مذهب أحمد وغيره.
-
ولهذا قال عقبة بن عامر ــ راوي الحديث ــ: النذر حَلْفَةٌ (٢) . وقال عمر وابن عباس وجابر وغيرهم - رضي الله عنهم -: النذر يمين (٣) .
-
فنذر اللجاج والغضب لم يسمِّهِ أَحَدٌ من الصحابة نذرًا، بل هو عندهم يمين من الأيمان، ولكن بعض الناس سماه نذر اللجاج والغضب تسميةً بعيدةً لكون صورته صورة النذر وَإِنْ لم يكن نذرًا، فإنه التزم ما عَلَّقَهُ على تقدير الشرط، لكن مع كراهته للزومه (٤) له.
-
ومثله تسمية الحالف بالطلاق والعتاق مُطَلِّقًا ومعتقًا، وتسمية الحالف بالظهار والحرام مظاهرًا ومحرمًا، فيقال: طَلَّقَ إِنْ فعل كذا، وظاهر إن فعل
vol. 2, p. 901كذا، ونذر إن فعل كذا؛ أي: جَعَلَ [٢٥٧/ ب] ذلك لازمًا له إن فعل كذا، وَإِنْ كان كارهًا للزومه لم يقصد أَنْ يلزمه سواء فعل أو لم يفعل.
-
وإذا كان كذلك؛ فدلالة الحديث على هذا: إما أَنْ يكون بشمول اللفظ له لكونه نذرًا، فيدخل في العموم مع شرط آخر، وهو أنه نَذْرٌ لم يجب الوفاء به، ويشاركه في هذا كل نذر لم يجب الوفاء به كنذر المعصية والمباح وغيرهما.
-
وأما تخصيصُ هذا بالحديث دون تلك، مع أَنَّ تلك نذر حقيقة وهذا قصده النذر= فبعيدٌ جدًا، ويحتاج حينئذٍ [أَنْ] (١) يبين أنه لا يجب الوفاء به بكون قصده اليمين لم يقصد أن يلتزم لله طاعة.
-
وإما أَنْ يكون نُكُولُهُ دَلَّ على أن كفارة النذر كفارة يمين؛ فَعُلِمَ أنه لا بُدَّ من الوفاء أو التكفير، لا يجوز أن يخلو منهما كقول مَنْ قال: لا شيء في نذر اللجاج والغضب كما في سائر النذور، ولا بُدَّ مع ذلك أَنْ يقال: لا يجب الوفاء به لكون قصده اليمين.
-
وإما أَنْ يقال: لَمَّا قال: «كفارة النذر كفارة اليمين» عُلِمَ أَنَّ الموجب للكفارة قَدْرٌ مشترك بين النذر واليمين، سواء جُعِلَ مسمى النذر نوعًا من مسمى اليمين، أو جُعِلَ نظيرَ المسمى اليمين، وإذا كان المشترك موجبًا للكفارة وقد عُلِمَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ التقرب إلى الله فهو ناذر يلزمه الوفاء، فإنْ تَعَذَّرَ فعليه الكفارة، وَمَنْ قصد الحضَّ والمنع فهو حالفٌ يجوز له الحنث مع قدرته على الوفاء.