الرد على قول المعترض أن جمهور الأصحاب حملوا هذا الحديث على نذر اللجاج ولا دليل لهم على الكفارة غيره
11 paragraphs · vol. 2, p. 902
- vol. 2, p. 902
وهذا الحالف بالنذر قَصْدُهُ قَصْدُ الحالفِ لا قَصْدُ الناذر، فتجزئه كفارة يمين كما تجزئ سائر الحالفين إذا حنث فلم يفعل ما التزمه من الجزاء، وأما إذا فَعَلَ ما التزمه من الجزاء فلم يحنث فلا كفارة عليه، بل فَعَلَ ما التزمه وَإِنْ كان لم يلتزمه لله بل نذره ليحلف به لا ليتقرب به إلى الله، كما لو قَصَدَ بالنذر اليمين مثل أَنْ يقول: لله عليَّ أَنْ أَقتلَ فلانًا ونحو ذلك، فإنَّ هذا ناذر حالفٌ فعليه كفارة يمين.
-
ففي الجملة؛ الاحتجاج بهذا الحديث على مسألة نذر اللجاج والغضب لا يمكن مع القول بتخصيص أَنَّ الحديث لم يُرَدْ به إلا هذه المسألة، ولا يمكن الاحتجاج به عليها مع دلالتها على غيرها إلا بمقدمة أخرى لا بمجرد ظاهر الحديث.
-
وأما قول هذا المعترض أن جمهور الأصحاب حملوا هذا الحديث على نذر اللجاج، ولا دليل لهم على الكفارة فيه [٢٥٨/ أ] غيره؛ فليس الأمر كذلك، بل قد احتجوا بحجج بما ذكروه عن الصحابة - رضي الله عنهم - مع الحديث.
-
فاحتج أبو حامد الإسفراييني ومن وافقه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) . قال أبو حامد (٢) : (ولم يفرق بين نذر ونذر، فهو على عمومه) ؛ فاحتج بعموم الحديث، لم يخصه بنذر اللجاج والغضب.
قال: (ولأنه إجماع روي عن ستةٍ من الصحابة ذكرناهم، فأما الأربعة
vol. 2, p. 903فقد صرحوا وهم: عمر وعائشة وحفصة وزينب - رضي الله عنهم -، واثنان اختلفت الرواية عنهم وهما: ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، لأنَّ ابن عباس رويت عنه روايتان: إحداهما بتكفيرها، والأخرى مثل قول ربيعة. وابن عمر عنه ثلاث روايات.
-
فإمَّا أن نقول: قد تعارضت تلك الروايات عنهم وسقطت جملة، حتى كأنه لم يوجد منها شيء، وتجرد لنا قول أربعة من الصحابة لا مخالف لهم، أو نقول: الروايةُ التي توافق قول غيرهما من الصحابة مقدمةٌ على الرواية التي تخالفها، لأنَّ وفاق غيرهما يعضد ما روي عنهما مثل ذلك).
-
والماوردي ذكر نحو ما ذكره أبو حامد، فقال (١) : (ولأنه بانتشاره عن سبعة من الصحابة ولم يظهر خلافهم= إجماع) ، وذكر الستة وزاد أم سلمة.
-
والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وغيرهما ذكروا ما ذكروه من الآثار عن الصحابة، وذكروا آثارًا (٢) أخر عنهم في أَنَّ النذر يمين، فإنهم يقولون بهذا وبهذا.
قال القاضي أبو يعلى (٣) : (وهذا إجماعُ الصحابة؛ حديث عمر من رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي الذي قال: إِنْ عدتَ لم أكلمكَ أبدًا وكل مالي في رتاج الكعبة. فقال عمر - رضي الله عنه -: إِنَّ الكعبةَ لغنيةٌ عن مالك، كَفِّرْ
vol. 2, p. 904عن يمينك، وَكَلِّمْ أخاك؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا قطيعة رحم، ولا فيما لا تملك» (١) ).
-
وذكر حديث ليلى بنت العجماء التي قالت: (إِنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك، فكل مملوك لي حر، ومالي هدي، وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية) . وَذَكَرَ الصحابة الذين أفتوها بكفارة يمين، كابن عمر ومن معه (٢) . وقول ابن عباس في التي جعلت بُرْدَها عليها هديًا إِنْ لبسته، فقال ابن عباس: (لتكفِّر [٢٥٨/ ب] عن يمينها) (٣) .
-
وقول عائشة ــ أيضًا ــ فيمن جَعَلَ ماله في ميزاب الكعبة قالت: (يُكفِّر عن يمينه) (٤) .
قال: (وروى أبو إسحاق الشالنجي بإسناده عن منصور بن عبد الرحمن الحُجبي، عن أمه، عن عائشة: مَنْ جعل ماله في سبيل الله أو في رتاج الكعبة. قالت: يكفر يمينه) (٥) .
قال: وروى الشالنجي، عن محمد بن عبد الله السدوسي، عن ابن عباس: في النذر كفارة يمين (٦) .
- vol. 2, p. 905
وروى ــ أيضًا ــ عن عقبة بن عامر قال: (النذر حَلْفَةٌ) (١) .
-
وروى ــ أيضًا ــ عن أبي الخير (٢) قال: (نذرت أَنْ أصومَ بإيلياء رمضان، فشغلني شيء فلم أصم، فسألت عقبة بن عامر - رضي الله عنه - فقال: إنما النذر حَلْفَةٌ، كَفِّر عن يمينك) (٣) .
قال القاضي: (فجعل هذا مذهب ستة من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف) .