هل يضمن من قال لبعض أهل السفينة إذا ثقلت عليهم: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه؟
9 paragraphs · vol. 2, p. 915
- vol. 2, p. 915
ولا قاذفًا لنفسه بذلك، وكذلك لو قال: إِنْ فعلتُ كذا فأنا ولد زنا، أو إِنْ لم أفعل كذا لم أكن ابن فلان ونحو ذلك مما يُعَلِّقُ بالشرط ما يكره لزومه له، لكنه لا يلزم به حكم في الشرع، ولأنه قد عرف أنه لم يقصد الإقرار بهذه الأفعال على هذا [٢٦٢/ أ] التقدير، ولم يقصد الانتفاء من نَسَبِهِ مع أَنَّ الانتفاء لا (١) يصح ولو قصده، وهذا الإقرار لو كان حقًّا لم يكن فيه هَتْكُ حرمة.
-
وهذا ــ أيضًا ــ حجةٌ عليه وعلى أمثاله؛ يبيِّن الفرقَ بين التعليق الذي يقصد به لزوم ما علقه، وبين التعليق الذي لم يقصد فيه لزوم ما علقه، فإنه لو قال: إذا جاء رأس الشهر فلفلانٍ عليَّ ألف درهم، أو قيل: هل أخذتَ مالَ فلان الذي كان في بيته؟ فقال: انظروا؛ إِنْ كان في بيتي شيء فقد أخذته، أو قال: إِنْ كنتُ أعطيت فلانًا ألف درهم فأنا ضامنها لك ونحو ذلك= كان تعليقًا يقصد به لزوم ما علقه.
-
ولو قيل له: سافرْ معنا. فقال: إِنْ سافرتُ معكم كان لكم عليَّ ألف درهم لم يلزمه شيء، كما لو قال: إِنْ سافرتُ معكم أكون زانيًا أو سارقًا، فلو كان كل معلِّق قد قصد لزوم ما عَلَّقَهُ لكان ضامنًا في هذه الصورة، كما كان ضامنًا في الأخرى.
-
ولو قال بعض أهل السفينة إذا ثقلت عليهم لمن كان له فيها شيءٌ ثقيل كالرصاص والحديد ونحوه: إِنْ ألقيتَ متاعك في البحر فعليَّ ضمانه، أو أَلْقِ متاعك في البحر وعليَّ ضمانه، أو عليَّ الثمن الذي اشتريت به وهو ألف كان ضمانًا معلقًا بشرط.
-
ولو قال على وجه اليمين: إِنْ سافرتُ معكم كان لك عليَّ ألف درهم لم يكن هذا ضمانًا، وكذلك لو قال: إِنْ أَعتقتَ عبدَك عَنِّي فعليَّ قيمته، أو قال:
vol. 2, p. 916أعتقه عَنِّي وعليَّ ثمنه فأعتقه لزمه ثمنه، كان قد عَلَّقَ لزوم الثمن له على إعتاقه عنه ولزمه الثمن.
-
ولو قال: إِنْ سافرتُ معكم فعليَّ ثمنُ عبيدك لم يلزمه ذلك ولا شيءَ عليه، لأنه لم يقصد لزوم ذلك وإنما قصد اليمين، ولكن لم يلتزم عند الحنث ما فيه هتك حرمة إيمانه، فإنَّ ضمان الثمن حقٌّ لآدمي لو جحده لم يكن ذلك هتكًا لحرمة إيمانه، كقوله: أنا زان أو أنا سارق، فإنه إقرار بالذنب لا يوجب هتك حرمة إيمانه، بخلاف قوله: إِنْ فعلتُ فأنا يهودي أو نصراني ونحو ذلك، فإنَّ التزام هذا يوجبُ هتكَ حرمةِ إيمانِهِ، ولهذا لو قَصَدَ لزومه له كان كافرًا، وهناك لو قَصَدَهُ لكان ضامنًا أو مُقِرًّا، لكن جميع ذلك فيه معنى اليمين إِنْ فعلتُ كذا، كما لو عَلَّقَ دعاءه على [٢٦٢/ ب] نفسه بقوله: إن فعلت كذا فقطع الله يدي ونحو ذلك.
-
وهذا للعلماء في لزوم الكفارة له إذا حنث قولان: فطاووس - رضي الله عنه - يوجب عليه الكفارة إذا حنث (١) ، وهو لا يكون حانثًا في الحلف بالتعليقات إلا إذا وجد الشرط دون الجزاء، ولهذا لو حَلَفَ بالنذر فقال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج ومالي صدقة؛ متى التزم ما عَلَّقَهُ فحج وتصدق لم يكن عليه كفارة يمين.
-
وكذلك لو قال: إِنْ فعلت فأنا يهودي أو نصراني إذا قُدِّرَ أنه التزم الكفر وَرَضِيَ بأنْ يكون يهوديًا ونصرانيًا صار كافرًا مرتدًّا، ولم يؤمر ــ حينئذٍ ــ بكفارة، فإنَّ الكفارة وجبت لئلا يهتك حرمة إيمانه بالله، فإذا قَصَدَ الهتك
vol. 2, p. 917انهتك إيمانه فلم تنفعه الكفارة، بخلاف مَنْ جعله لازمًا له وهو يكره لزومه له، فإنَّ هذا هو الحالف.
-
وأما المعلِّق للنذر؛ فإنه إذا التزم ما عَلَّقَهُ وَفَّى بموجب عقده مع بقاء إيمانه، وَإِنْ لم يَفِ به فقد التزم لله على تقدير الحنث ما لم يَفِ بِهِ، وفي تَرْكِ الوفاءِ به هَتْكٌ لحرمةِ إيمانه بالله، فلزمته الكفارة على هذا التقدير إذا لم يقصد الهتك، ولو قصد الهتك بِأَلا يرى للالتزام لله ولا بالله حرمة فهو ــ أيضًا ــ كافر لا تنفعه الكفارة، كمن لا يرى للحلف بالله حرمة لاستهزائه بالله وآياته ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.