جواب ابن تيمية عليه

8 paragraphs · vol. 2, p. 918

  1. قال: (الثالثة: إن صاحب التهذيب (١) وجماعة قالوا: إذا كان النذر هنا مباحًا أنه يلزمه كفارة يمين بتركه. قال الرافعي في المحرر (٢) : إنه لو نذر فعل مباح أو تركه لم يلزمه، لكن إِنْ خالفَ لَزِمَهُ كفارةُ يمين على المرجح في المذهب، وَصَرَّحَ صاحب التهذيب (٣) أنه إِنْ قال [لامرأته] : إِنْ دخلتِ الدار فلله عليَّ أَنْ أطلقك، فهو كقوله: إِنْ دخلتِ الدارَ فوالله لأطلقنَّك، حتى إذا مات أحدهما قبل التطليق لزمه كفارة يمين، فلو كانت اليمين هي جهة الامتناع لكان المحلوف عليه الدخول لا التطليق) (٤) .

    vol. 2, p. 918
  2. فيقال: هذه المسألة هي مذهب أحمد المنصوص عنه، وهو المشهور في مذهبه، فإنَّ مذهبه المشهور عنه القول المأثور [٢٦٣/ أ] عن الصحابة وأكثر السلف، كعمر وابن عمر وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب - رضي الله عنهم -: أَنَّ النذرَ يمينٌ (٥) ؛ فمن لم يفعل ما نذره فعليه كفارة يمين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (٦) وسواء كان

    vol. 2, p. 919المنذور مباحًا أو معصية أو طاعة، لكن إِنْ [كان] (١) طاعة وجب الوفاء بها، وَإِنْ كان معصية حرم ولزمته الكفارة، وَإِنْ كان مباحًا فهو مخيَّر كما يخيَّر لو حلف عليه، وعليه الكفارة إذا تركه. وفي الواجب وجهان: أصحهما أَنَّ عليه كفارة يمين إذا تركه مع ما عليه في تركه لو لم ينذره، فإنَّ النذر زاده توكيدًا.

  3. وأما مذهب الشافعي - رضي الله عنه - المنصوص عنه؛ فإنه لا شيء عليه في نذر المعصية والمباح، وهو رواية عن أحمد - رضي الله عنه -.

  4. ولهذا كان قول الشافعي - رضي الله عنه - أنه إذا نَذَرَ ذَبْحَ نفسِهِ أو ولده فلا شيء عليه، والجمهور يوجبون عليه إما كفارة يمين وإما الهدي، كما ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (٢) ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك وغيرهم - رضي الله عنهم -، وهو ثلاث روايات عن أحمد؛ أصحها: أنه إِنْ نَذَرَهُ كان عليه هدي، وَإِنْ حَلَفَ عليه أَجزأَه كفارة يمين، وعلى هذا تدل عامة نصوصه، والآثار المنقولة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - توافقُ هذا.

  5. وأبو حنيفةَ نَقَلَ عنه طائفة أَنَّ نذر المعصية فيه كفارة يمين، فالمباح بطريق الأولى، لكن الذي ذكره أصحابه أنه إِنْ كان مقصوده بالنذر اليمين، فعليه كفارة يمين، وهذا ــ والله أعلم ــ هو الذي قَصَدَهُ الخراسانيون من أصحاب الشافعي، وإلا فهو مخالفة صريحة لنصوص الشافعي.

  6. فإذا كان المنذور مباحًا وقصده بالنذر اليمين، مثل أَنْ يقول الرجل: لله عليَّ أَنْ أطلق امرأتي أو أسافر من هذه المدينة أو آكل من هذا الطعام ونحو

    vol. 2, p. 920ذلك، فإنَّ عامة هذا يَقْصِدُ به الناذر حَضَّ نفسه على الفعل، لا يقصد به التقرب إلى الله ــ تعالى ــ، فإنه يعلم أَنَّ هذا ليس بقربة، فيكون هذا بمنزلة قوله: والله لأطلقنَّ امرأتي أو لأسافرنَّ أو لآكلنَّ فيلزمه كفارة يمين بهذا الاعتبار، وهذا [٢٦٣/ ب] كلامٌ صحيح، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما.

    فكذلك لو نَذَرَ المعصية يقصد بذلك اليمين، كما يقول: لله عليَّ أَنْ أقتل فلانًا، وَإِنْ أظفرني الله بفلان فلله عليَّ أَنْ أقتله ونحو ذلك، وهو لا يقصد التقرب بقتله، بل يَقصد حضَّ نفسه على القتل؛ كما قال [ ... ] (١) :

    فليتَ رجالًا منكِ قد نذروا [دمي] (٢)

    وقال [ ... ] (٣) :

    والنَّاذِرِينَ إذا لَقِيتُهُمَا [دَمِي] (٤)

  7. فنذر هؤلاء كان معناه معنى اليمين، لم يقصدوا بذلك التقرب إلى الله ــ تعالى ــ، فهذا فيه كفارة يمين.

  8. وأما إذا قصد التقرب بالمباح أو المعصية إلى الله ــ تعالى ــ بأنْ يعتقد