الثاني: نذر اليمين، وهو على وجهين
10 paragraphs · vol. 2, p. 935
- vol. 2, p. 935
الأول، وقد لا يكون مريدًا بل يكون كارهًا لذلك الفعل الثاني الذي حلف عليه، سواء وجد الفعل أو لم يوجد، لكن إذا كان يعتقد لزوم الجزاء كمن يعتقد أَنَّ نذرَ اليمين لازم، وكما قيل: إنهم كانوا يعتقدون في شرع من قبلنا وصدر الإسلام: أن اليمين تُوجب وتُحَرِّم؛ فهنا يعتقد أنه إذا فعل الأول لزمه الثاني، وَإِنْ كان كارهًا للزومه له، كما يلزمه وَإِنْ لم يكن كارهًا للزومه له.
-
والإنسان قد يقول لامرأته: إِنْ فعلتِ كذا فوالله لأطلقنَّك أو لأضربنَّك، وهو يريد طلاقها وضربها إذا عصته، وقد يقول ذلك وهو لا يريد لا تطليقها ولا ضربها وإن فعلت ذلك، بل حلف ليفعلنَّه إِنْ فعلت، مريدًا نهيها عن الأول، معتقدًا أنها لا تخالفه، ولو عَلِمَ أنها تخالفه لم يحلف إذا خالفته أَنْ يفعل هذا، وقد يكون مريدًا إذا خالفته أَنْ يفعل هذا الثاني؛ وإذا عُرِفَ هذا الفرق فيما إذا كان المعلق يمينًا= فكذلك إذا كان المعلق نذرًا أو طلاقًا.
-
[فهو إذا قال] (١) وتصير الأقسام المعلقة بصيغة النذر مع كونها نوعين:
أحدهما: نذر التبرر؛ وهو ظاهر أَنْ يكون مقصودُهُ وجودَ الشرطِ، ووجودُ الجزاءِ عنده ضمنًا وتبعًا.
-
والثاني: نذر اليمين؛ فهذا على وجهين: فإنه تارة يكون يمينًا، وتارة يكون نذرًا، لكن نذرًا قَصَدَ به منع نفسه من الأول، فيكون في معنى اليمين ــ أيضًا ــ لكونه لم يَقصد لزومه له على تقدير الأول، فإنه إذا قال: لله عليَّ أَنْ أحج؛ قد يقصد حَضَّ نفسه فقط لغرضٍ له في الحج؛ إما مباحٍ كتجارة أو [٢٦٩/ أ] غير مباح، وقد يقصد التقرب إلى الله ــ تعالى ــ بالحج المنذور؛
- vol. 2, p. 936
فهذا الثاني ناذر والأول حالف.
-
فإذا حلف بصيغة النذر فقال: إِنْ فعلتم بي كذا فلله عليَّ أَنْ أَحُجَّ وأفارقكم، أو فلله عليَّ أَنْ أَخْرُجَ من مالي وأصير فقيرًا، أو فلله عليَّ أَنْ أطلق بنتكم، أو فنذرٌ عليَّ أن أقتل فلانًا أو أطلق فلانة ونحو ذلك= فهنا إنما حَلَفَ يمينًا على تقدير الفعل، كما لو قال: إِنْ فعلتم فوالله لأفعلنَّ؛ وهنا سواء كان قصده وجود ما حلف عليه إذا وجد الشرط أو لم يكن مقصوده وجوده؛ على التقديرين هو حالف يكفر يمينه.
-
وأبو حنيفة يُسَلِّمُ أنه في مثل هذا عليه كفارة يمين مع قوله: (إن في نذر اللجاج والغضب الوفاء) ؛ فإنَّ هذا لو لم يكن معلَّقًا عنده أجزأت فيه الكفارة، فإذا كان معلقًا كان أولى.
-
والثاني: أَنْ يُعَلِّقَ لله ما يلزم الوفاء به إذا نذره، لكن لم يقصد أَنْ يكون لازمًا له لا لله ولا لغير الله، كما لو حلف ليفعلنَّه وهو لا يريد أَنْ يفعله، فصار حالفًا بالله على ذلك؛ فهو فيما قبله لم يقصد عند وجود الفعل الأول إلا حَضَّ نفسه ومنعها من الفعل (١) الثاني، لم يقصد أَنْ يلتزم شيئًا لله.
-
فلا فَرْقَ بين قوله: إِنْ فعلتم فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا، وبين قوله: فوالله لأطلقنَّها؛ كلاهما لم يقصد أَنْ يلتزم شيئًا لله، وإنما يقصد أَنْ يَحُضَّ نفسه على الطلاق؛ وإذا كان هذا المعنى قَصْدُهُ فسواء قال: والله لأطلقنها، أو قال: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا (٢) ؛ فلهذا يقول هنا بإجزاء الكفارة أو لزومها مَنْ لا يقول
vol. 2, p. 937به (١) ، إذ كان قد التزم لله ما يلزم بالنذر على ذلك التقدير، مثل أَنْ يقول: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحجُّ أو فمالي صدقة، فإنه هنا ليس قصده أَنْ يحضَّ نفسَهُ على الحج والصدقة على ذلك التقدير، بل قَصْدُهُ أَنْ يجعله واجبًا لله على ذلك التقدير، ولكن لم يقصد إيجابه لله، بل هو كاره لإيجابه ووجوبه، وَعَلَّقَهُ بالفعل الأول ليمنع الأول لامتناعه من التزام هذا الإيجاب، فلما التزم عند الشرط ما يكره لزومه له كان يمينًا بهذا الاعتبار، فلم يكن هذا المعلَّق يمينًا إلا مع الشرط، ولو تجرد لم يكن يمينًا، بل لم يكن إلا نذرًا محضًا بخلاف النوع [٢٦٩/ ب] الأول، فإنَّ المعلَّق فيه لو انفرد عن الأول لكان يمينًا، فإذا اقترن به صار يمينًا معلقة على الحنث في الفعل؛ ولهذا فَرَّقَ الشافعي - رضي الله عنه - بين قوله: لله عليَّ نذر، وبين قوله: إِنْ فعلتُ فلله عليَّ نذر (٢) .
-
وهذه المعاني من تدبرها تبين له الفروق الغامضة على كثير من الناس في هذا الموضع الذي اشتبه على كثير من الناس؛ فالناذر الذي يلزمه الوفاء إنما يكون ناذرًا بثلاثة شروط: أَنْ يقصد الالتزام، وَأَنْ يلتزم لله ــ تعالى ــ وَإِنْ لم يقل بلسانه لله، وَأَنْ يكون ما التزمه طاعة لله ــ تعالى ــ؛ فإذا لم يلتزم طاعةً لله ــ سبحانه ــ لم يلزمه سواء كان منهيًا عنه أو مباحًا، وفي لزوم الكفارة نزاع وتفصيل، وإِنْ كان طاعة ولم يقصد أَنْ يلتزمه ليتقرب به إلى الله، بل لأجل حَضِّ نفسه أو غيره أو منع نفسه أو غيره منه فهذا حالف (٣) .