بيان المجيب لانتفاء الفارق بين تعليق العتق والطلاق ونحوها إذا قصد بها اليمين

15 paragraphs · vol. 2, p. 120

  1. وهو لو قال: عليَّ عهدُ الله وميثاقه لأفعلنَّ كذا، كان يمينًا، ولو قال: عليَّ لأفعلنَّ كذا، كان يمينًا ونحو ذلك. قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: ٩١] .

    vol. 2, p. 120
  2. ولو قال: أشهد بالله لقد زنيت، كان هذا يمينًا أبلغ من قوله: أحلف بالله لقد زنيت، وهي شهادة مؤكدة باليمين.

  3. الوجه السابع: أنه قال: (فهي ــ حينئذٍ ــ مكفرة لترك العتق لا لحصول الفعل، وصار النذر كاليمين المعلَّقة، كأنه قال: والله إنْ فعلتُ كذا أعتقتُ هذا العبد، فإنْ أعتقَ فقد بَرَّ في قَسَمِهِ ولم يحنث، وإنْ لم يُعْتِق فقد وجَبَت عليه الكفارة. ثم قال: فافهم هذا، فإنه من نفيس البحث، وبه يظهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارةُ يمين» (١) وسيكون لنا عَودَةٌ إلى هذا البحث).

  4. فيقال: هذا الذي ذكرتَه صحيح، وهو ــ ولله الحمد ــ من أعظمِ الحجج للقول الذي نَصَرَهُ المجيب؛ فالحمد لله الذي جَعَلَ المعاني الصحيحة التي تستحق التعظيم كلها حجة على ذلك القول، وجعل ما يُخالفُهُ معاني فاسدة [٣٦/ أ] متناقضة.

  5. فإنَّ هذا الذي ذكره في تعليق وجوب العتق وإيجابه إذا قصد به اليمين هو موجود في تعليق وقوعه وإيقاعه إذا قصد به اليمين، وهو ــ أيضًا ــ موجود في تعليق وقوع الطلاق وإيقاعه إذا قُصِدَ به اليمين، كما أنه موجود

    vol. 2, p. 121في تعليق وجوب جعل البهيمة هديًا وأضحية إذا قصد (١) به اليمين، فإنه إذا قال: هذا هدي وهذه أضحية صارت هديًا وأضحية؛ كما يصير العبد حرًا إذا قال: هذا حر، وكما تصير الأرض وقفًا على المساكين إذا قال: هذه وقف على المساكين، وكما يصير الفرس حبسًا إذا قال: هذه الفرس حبس في سبيل الله، ثم إذا قصد بذلك كُلِّهِ اليمين أجزأت فيه كفارة اليمين، وكما أن العبد يخرج عن ملكه بالعتق، فكذلك الأرض (٢) تخرج عن ملكه بالوقف، لكن هل يشترط في الوقف إخراجها عن يده؟ على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد؛ أحدهما: يشترط كقول مالك ومحمد بن الحسن. والثاني: لا يشترط؛ كقول الشافعي وأبي يوسف.

  6. وكذلك الهدي والأضحية؛ هل تزول عن ملكه بذلك أم يجب عليه أن يزيله بالذبح؟ فيه قولان.

  7. وقد تنازع العلماء في إبدال [الهدي] (٣) والأضحية بخير منها والمنصوص عن أحمد جواز ذلك كقول أبي حنيفة، وفي مذهبه قول آخر: لا يجوز كقول الشافعي، اختاره أبو الخطاب (٤) .

  8. وجعل هو وطائفة معه هذا الخلاف مستلزمًا للخلاف في زوال الملك؛

    vol. 2, p. 122وقالوا: إنْ قلنا: يزول ملكه، لم يجز الإبدال وإلا جاز؛ وليس بشيءٍ؛ فإنَّ العبد المنذور عتقه لم يزل ملكه عنه ولا يجوز إبداله بلا نزاع، لأنه هو المستحق للحرية فلا يصرف عنه، والمسجد الذي زال ملكه عنه يجوز إبداله حيث يجوز الإبدال: إما إذا تعذَّرَ الانتفاع وإما إذا كان البدل خيرًا من المبدل منه؛ كما فعل أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - لما أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد أصلح منه للمسلمين وصار الأول سوقًا للتمَّارين (١) .

  9. فجواز الإبدال والمنع منه ليس ملازمًا لبقاء الملك وزواله، ولا ريب أنَّ مَنْ جعلها هديًا أو أضحية عليه أن يذبحها وهو أحق بذلك من غيره، وكذلك [٣٦/ ب] إذا قال: هذا المال صدقة فهو بهذه المنزلة.

  10. والتحقيق: أَنَّ الملك الذي كان على ذلك أولًا من قدرته على التصرف المطلق زال، ولم يبق له إلا قدرة على تصرفٍ خاص، والملك هو القدرة الشرعية على التصرف، والقدرة تتنوع؛ فقد يقدر على تصرف دون آخر.

    vol. 2, p. 123
  11. ومن هنا يغلط كثير من الفقهاء فيجعلون الملك شيئًا واحدًا مماثلًا في محالِّهِ، ثم يتنازعون في ثبوته وانتفائه في مواضع، ويكون كلا القولين الإثبات والنفي خطأ؛ كتنازعهم في الكفار هل يملكون أموال المسلمين؟ وفي العبد هل يملك؟ وفي الوقف هل هو ملك للموقوف عليه أو الواقف أو لله؟ وفي الهدي والأضحية هل هو باقٍ على ملك مَنْ جعل ذلك هديًا وأضحية أو خارجٌ عنه؟ ونحو ذلك.

  12. فمن قال: الكفار لا يملكون، قال: لأنهم ظالمون بالاستيلاء فصاروا كالغاصبين.

    فقال منازعوهم: الغاصب يَضمن ما أتلفه للمغصوب وهؤلاء لا يضمنون.

    فقال الأولون: فإنهم لا يعتقدون تحريم القتال كأهل البغي.

    قال النفاة: أهل العدل والبغي لا يضمنون ــ أيضًا ــ ما أتلفوه بالتأويل، ومع هذا لا يملكون ما استولوا عليه، فلا يلزم من نفي الضمان ثبوت الملك.

    قال المثبتون: الكفار يعتقدون جواز تملك ما استولوا عليه، بخلاف أهل البغي فإنهم لا يعتقدون جواز تملك ما استولوا عليه، ومعلومٌ أَنَّ من جعلهم يملكون كما يملك المسلم منهم فقد غلط، ومن جعلهم لا يملكون

    vol. 2, p. 124كما لا يملك المسلم الذي يعتقد تحريم التملك فقد غلط؛ بل هم نوع آخر يُحكم فيهم بما مضت به السنة وَحَكَمَ به الخلفاء الراشدون.

  13. فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أسلم على شيء فهو له» (١) ،

    ولما أسلم الكفار لم يأمرهم برد ما في أيديهم من أموال المسلمين، وقد سأله - صلى الله عليه وسلم - بعض المهاجرين أَنْ يرد عليهم ديارهم التي كانت بمكة واستولى عليها الكفار، فسألوه رَدَّهَا لما فتح مكة فلم يردها (٢) ، وجعلها - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة الدماء التي سفكت في الله، والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فما أُخِذَ في الله من دم ومال فأجر المؤمنين فيه على الله لا عوض له [٣٧/ أ] في الدنيا، وأما ما أُخِذَ منهم بغير عوض فإنه يُرَدُّ إلى صاحبه؛ كما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ناقته من التي أخذتها منهم ونذرت أن تنحرها، فقال: «بئس ما

    vol. 2, p. 125جزيتها، لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا نذر في معصية» (١) .

  14. وما أُخِذَ بعوض لم يؤخذ من صاحبه إلا بعوض، كما كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بذلك فيما اشتراه التجار من أهل الحرب من أموال المسلمين= حَكَمَ بأنَّ صاحب المال إن أدى إلى التاجر الثمن الذي أداه وإلا فهو أحق به (٢) ،

    لأن الكفار لم يلتزموا أحكام المسلمين، ولا يُمَكَّنُ التاجر أن يرجع عليهم بالثمن وهو لم يخلص المال إلا به وإلا فقد كان ذهب من صاحبه، وبسط هذا له موضع آخر (٣) .

  15. والمقصود هنا: أَنَّ لفظ الملك جنس تحته أنواع متنوعة، وليس الملك معنى متماثلًا في جميع موارده، وإن كان لا بُدَّ فيه من نوع قدرة شرعية أباح الشارع لصاحبها نوعًا من التصرف لِحَظِّ نفسه بخلاف من يتصرف لغيره كالولي والوكيل.