خطأ المعترض في تقويله الصحابة ما لم يقولوه
12 paragraphs · vol. 2, p. 156
- vol. 2, p. 156
يقصد الإيقاع ولا الوقوع إذا وجدت الصفة، بل هو من أبعد الناس عن ذلك= يقولون ــ أيضًا ــ: إنه لا يلزمه الظهار والتحريم والطلاق الذي جعله واقعًا عند وجود الصفة إذا قصد به اليمين بطريق الأولى والأحرى.
-
فإنَّ الشارع على الالتزام بالطلاق أبعد منه عن الالتزام بالعتاق، والعتق يأمر به ويحض عليه، والطلاق لا يأمر به إلا إذا لم يقوما بالواجب، [٤٥/ ب] بل يحرمه في مواضع باتفاق المسلمين، وفي مواضع أخر إما أن يكرهه أو لا يستحبه بل يحب تركه.
-
وهذا المعترض ونحوه ممن يقول على هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - ما لم يقولوه من التفريق بين الطلاق والعتاق يقول: إنهم أخطأوا في هذا القول والتفريق، فيحكي عنهم قولًا يَشهد بفساده، ولم يقولوه قط، ولا قالوا ما يدل عليه، ولا نُقِلَ عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، بل كلامهم الثابت عنهم يدل على أنهم يُسوون بين النوعين ويقولون بالتكفير فيهما.
-
وهذا القول إذا قالوه لم يمكن أحدًا أن يقول: إنهم تناقضوا وأخطأوا، بل يكون الذي قالوه موافقًا للكتاب والسنة والقياس الجلي؛ فأي الفريقين أولى بالصواب: مَنْ يحمل أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان على ما يدل عليه لفظهم وتعليلهم وسائر كلامهم مع أنه صواب مستقيم موافق للمعقول والمنقول للكتاب والسنة والقياس الجلي، أم من يحمل كلامهم على شيء لم يقولوه ولم يقولوا ما يدل عليه لا لفظًا ولا معنى بل قالوا ما يدل على نقيضه؟!
-
ثم مع نقله هذا عنهم يقول: إنهم أخطأوا وغلطوا؛ فلينظر أي الطريقين أحق بالصواب وأعلم وأصدق وأعدل وأقوم بما أوجبه الله ــ عز وجل ــ من حقوق
vol. 2, p. 157الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وبما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار؟
-
وهذا الذي يُقَوِّلُهُم ما لم يقولوه ويزعم أنهم أخطأوا ليس معه بذلك نقل عنهم أصلًا، لكن معه عدم علم أبي ثور بالنزاع في مسألة الطلاق، وعدم علم من اتبعه؛ فكان عدم علم هؤلاء عند هذا المعترض وأمثاله موجبًا لما سلكه من تقويل الصحابة ما لم يقولوه، بل قالوا ما يدل على نقيضه، وتخطئتهم فيما قوَّلهم إياه مع أنهم أحق الناس بالصواب في هذا وغيره.
-
فإنَّا كما أَنَّا نعلم مجملًا أنهم فوقنا في كُلِّ علم وهدى وفقه وفضل وفهم وكُلِّ سببٍ ينال به علم أو يدرك به حق= كان رأيهم لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا، فإنا ــ ولله الحمد ــ قد علمنا مفصلًا أن أقوالهم التي يخالفهم فيها مَنْ بعدهم هي الصواب دون قول منازعيهم، كما عرفنا ذلك في مسائل الأيمان والطلاق وغير ذلك.
-
وأبو ثور - رحمه الله - [٤٦/ أ] لم يفرِّق بين الطلاق والعتاق بفرقٍ معنوي ولا دليلٍ شرعي من الكتاب والسنة يذهب إليه المجتهد من الصحابة، بل جعل ذلك موضع استحسان، وجَوَّزَ تخصيص العلة لغير فوات شرط ولا وجود مانع لما ظنه من الإجماع (١) .
-
ومعلومٌ أن هذه طريقة باطلة؛ وهي ممتنعة من الصحابة، فإنه لا إجماع قبل زمانهم يَعتمدون عليه كما اعتمد عليه أبو ثور ونحوه (٢) ، والحلف بالطلاق في عهد الصحابة كان أقل من غيره، وقد علم يقينًا أنه لم يكن فيه
vol. 2, p. 158إجماع في عهد الخلفاء الراشدين، بل ولا ينقل عن أحد منهم الإفتاء فيه ولا الحكم في شيء منه، ولا هو مما يدل القرآن عليه دلالة بينة، ولا فيه سنة معروفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا تقدم عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - ونحوهم من الصحابة الذين أفتوا في الحلف بالعتق والنذر بالكفارة لكون ذلك يمينًا = لم يتقدمهم من الخلفاء - رضي الله عنهم - نقل مشهور في الحلف بالطلاق يُظَنُّ أنه إجماع ليفعلوا ما فعل أبو ثور، بل لا يُعرف قَطُّ عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور أنه فَرَّقَ بين الحلف بالطلاق والعتاق.
-
وابن جرير إنما فَرَّقَ موافقة لأبي ثور لعدم العلم بالنزاع، لأنَّ له في دعوى الإجماع أصلًا ضعيفًا؛ فإنه يجعل قول الجمهور إجماعًا ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين (١) ، بخلاف ما يحكيه من النزاع فإنه ليس له فيه أصل ضعيف؛ فلهذا كان الواجب أن نعتمد على نقله للنزاع دون نقله للإجماع كما فعله المجيب، دون ما فعله المعترض ونحوه من اعتماده على نقله للإجماع دون نقله للنزاع.
-
والمقصود: أَنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - لم يسبقهم إجماع يعتمدون عليه ليظنوا إجماعًا كما ظنه أبو ثور.
-
والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة يذكرون أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يَدَّعون الإجماعات في مثل هذه الأمور.
قال الشافعي: [ ... ] (٢) .