بيان غلط المعترض في عدم إجابة الصحابة لها في جميع الأيمان التي قالتها
10 paragraphs · vol. 2, p. 192
- vol. 2, p. 192
أصحاب الشافعي وأحمد كالشيخ أبي حامد [٥٣/ ب] والقاضي أبي يعلى وأتباعهما قالوا: إنَّ هذا لا يُعرف.
-
وأما حديث ليلى بنت العجماء فلم يطعن فيه أحد من العلماء، ولا حَرَّفَ معناه ــ كما حرف معناه هذا ــ أحد من العلماء، فما ذكره هذا المعترض من التعليل له والتحريف لمعناه= قول ابتدعه لم يسبقه إليه أحد من علماء المسلمين، لا الموافقين لهذا الأثر ولا المخالفين له، ولكن من يريد أن يخالف الحق الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا بُدَّ له من تكذيب المنقول الصحيح أو تحريف الكلم عن مواضعه، كما يفعل سائر أهل البدع، فمن جعل السنة بدعة والبدعة سنة = كان أحق بأن يجعل قوله كذلك.
-
ثم مما يُبَيِّنُ غلط ما ذكره: أَنَّ هؤلاء الصحابة أمروها أَنْ تُخَلِّيَ بين الرجل وبين امرأته، وذموها على إصرارها على التفريق بينهما، فإنْ لم يجيبوها عن الحلف بجميع أيمانها لم يحصل المقصود، فإنها لو كان مماليكها يعتقون وكل مالها هدي لَبَيَّنُوا لها ذلك، ولو عَرَفَتْ ذلك؛ فالأظهر أنها لا تجيبهم إلى ذلك، فإنه يَعِزُّ عليها عتق مماليكها وجعل مالها هديًا.
-
وقولهم لها: (يهودية ونصرانية؟!) إنكارٌ عليها أَنْ تحلف بهذه اليمين، فإنَّ الحلف بالكفر يمين منكرة بخلاف الحلف بالعتق والنذر، ولهذا قال
vol. 2, p. 193- صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال» (١) فهذا وعيدٌ شديدٌ.
-
والناس متنازعون في اليمين الغموس إذا حلف هل يَكْفُر أم لا يَكْفُر؟ وظاهر الحديث يقتضي كفره ولكن كنظائره، مثل قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] قال ابن عباس وطاووس وأحمد وغيرهم: كفر دون كفر (٢) ، ومثله قوله: «كُفْرٌ بالله تبرؤٌ من نسب» (٣) ،
وقوله: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به
vol. 2, p. 194أحدهما» (١) ، وقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كُفْرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٢) ، وقوله: «أَيُّمَا عبدٍ أَبَقَ من مواليه فقد كفر» (٣) وهذا ظاهره كفر، لكن يقولون: هو كفر دون كفر.
-
وفي الحديث المتفق على صحته: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٤) ، فقد
vol. 2, p. 195يكون [٥٤/ أ] في الرجل شعبة من النفاق والكفر، وإن كان معه من الإيمان ما يخرج به من النار ولا يخلد فيها، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الإيمان ما يزن ذرة» (١) .
-
ومذهب أهل السنة والحديث: أن الإيمان يَتبعَّض؛ فبعضه يمنع الخلود في النار، وبعض الكفر والنفاق يقتضي دخول النار كسائر الكبائر.
-
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فهو كما قال» مع أن الحالف لم يقصد أن يكون كافرًا، لا يستلزم أن يكون من حلف يمينًا غموسًا بنذر أو طلاق أو عتاق، لأنَّ هذا من باب الوعيد (٢) [٥٤/ ب] كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف يمينًا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان» (٣) ثم غضبه عليه إذا لقيه يزول بالتوبة وبالحسنات الماحية وبغير ذلك؛ فكذلك كونه «كما قال» هو ــ أيضًا ــ وعيد يزول بالتوبة وبالحسنات الماحية.
-
وأما كونه مُطلِّقًا ومعتقًا وناذرًا فهو مشروط بقصد المتكلم بأسباب ذلك، أو بقصد حكم ذلك لأجل النزاع في الهازل، والحالف بذلك لم يقصد واحدًا منهما فلا نثبت حكم ذلك في حقه ــ كما أَنَّ المكره على ذلك لا يثبت في حقه حكم ذلك ــ ولكن هو داخل تحت الوعيد.
-
فقوله: «لقي الله وهو عليه غضبان» فهذا الوعيد لكل من حلف يمينًا فاجرة من أيمان المسلمين ولو كانت بنذر أو طلاق أو عتاق، ولهذا من