الوجه الثاني: قوله: (اقتضاء التعليق لوقوع الطلاق أمر مشهور) يحتمل ثلاثة أمور

21 paragraphs · vol. 2, p. 19

  1. ولهذا يوجد (١) المتكلم بأنَّ هذه وأمثالها أيمانٌ في لغة العرب وأصناف العجم والترك والفرس والبربر والهند والحبشة، ويوجد ذلك في كلام المسلمين والكفار وإنْ لم يعتقدوا في موجِبها ما يعتقده المسلمون، ويوجد ذلك في كلام من لا يرى لزوم الطلاق من العلماء؛ السنة والشيعة والظاهرية والقائلين بالمعاني والاعتبار. فهذا مما يوجد في كلام جميع الطوائف بخلاف وقوعِ الطلاق بالحالف، فإنَّ هذا إنما يوجد في بعض المسلمين.

    vol. 2, p. 19
  2. الوجه الثاني: أنَّ قولَه: (اقتضاء التعليق لوقوع الطلاق أمرٌ مشهور) لفظٌ مجملٌ؛ فإنَّ هنا ثلاثة أمور: إرادةُ وقوعِ الطلاقِ عند الصفة أو كراهة وقوع الطلاق عند الصفة. والثاني: رَبْطُ الجزاءِ بالشرطِ وجعلُ الشرطِ مستلزمًا لوقوع الجزاء ومقتضيًا له. والثالث: اعتقادُ وقوعِ الطلاق عند الصفة وكذلك في سائر التعليقات.

  3. فإنْ أرادَ أنَّ كلَّ تعليقٍ يقصدُ بهِ اليمين فإرادة وقوعِ الطلاق عند الصفةِ بهِ أمرٌ مشهورٌ؛ فهذا مكابرةٌ تصدرُ عن جهلٍ أو عنادٍ؛ بل الأمر بخلاف ذلك، فليس أحدٌ من الخاصة ولا العامة إلا إذا رجعَ إلى نفسه عند تعليق الحلف إلا وهو يجدُ في نفسهِ كراهة تامة لوقوع الطلاق وغيره من اللوزام المعلقة، ويجد نفسَهُ غير مريدةٍ لذلك إذا وجدت الصفة.

  4. فإذا قيل له: (افعل كذا وكذا) لأمورٍ لا يريد أن يفعلها، فقال: لا أفعل، فألحوا [٦/ ب] عليه، فحلف أنَّه لا يفعل. وقال: إنْ فعلتُ هذا فنسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وسائر مالي صدقة، وعليَّ عشرُ حججٍ، وأنا بريءٌ

    vol. 2, p. 20من الإسلام ونحو ذلك مما يُعلقه ويجعله لازمًا له إذا فعل ذلك، فهو يعلم من نفسه والناس يعلمون ــ أيضًا ــ منه أنه لم يرد إذا فعل ذلك الأمر أنْ يقع شيءٌ من هذا؛ لا طلاقُ نسائهِ، ولا عتقُ عبده، ولا أنْ يلزمه خروجه من ماله، ولا أن يلزمه عشر حجج، ولا أنْ تلزمه البراءة من دين الإسلام؛ بل هو يعلم من نفسه وهم يعلمون أنه لا يريد هذه الأمور البتة، سواء فعلَ ذلك الفعل أو لم يَفعله، وإنْ كان قد يريد بعضها ــ أحيانًا ــ، لكن مجموع هذه اللوازم المعلقة لا يريدها أحد أن تلزمه.

  5. والحالفُ كلما أراد أنْ يُغلظَ يمينه كثَّر من اللوازم التي يعلم هو وغيره أنه لا يريد أن تلزمه؛ ولهذا إذا طُلِبَ منه الحنث واعتقد أنها تلزمه يذكر ما عليه في لزومها له من الضرر العظيم الذي لا يريده حتى يُعْذَرَ في ترك الحنث، كما يُعذر الرجل إذا علم أنه إذا فعل فعلاً قُتِلَ وأُخِذَ أهلُهُ ومالُهُ وعُذِّبَ عذابًا شديدًا، فيقول: إنْ فعلتُ كذا حصلَ لي كذا، فإذا عُرِفَ أنه يلزم من فعل ذلك الضرر الذي ذكره عذروه بترك الفعل، وإنْ كانَ حصولُ ذلكَ ليس بعقده واختياره؛ بل بفعل مَنْ يَظلمه ويعتدي عليه إذا فعلَ ذلك، فيكون مكرهًا على ترك ذلك الفعل، فَيَعْذُرُ الناس الحالِفَ كما يعذرون المكره إذا عرفوا (١) أَنَّ فعلَ كلٍّ منهما يستلزم لوازم تَضره، وهو وهم يعلمون أنه لا يريد تلك اللوازم البتة؛ بل ما زال ولا يزال كارهًا لها.

  6. والإنسان مجبولٌ على حبِّ ما لائَمَهُ وبغض ما ينافيه، فليس في طبيعته محبةُ الأشياء التي تنافيه، ولا كراهة الأشياء التي تلائمه، لكن كثيرًا ما تتلازم المكاره والمحاب، فلا يوجد محبوبٌ إلا بمكروه. وحينئذٍ فيرجِّح أحدَهُمَا؛

  7. فإذا كانت (١) إرادته لدفع المكروه [أقوى] (٢) دَفَعَهُ وإنْ فاتَ المحبوب، وإنْ (٣) كانت إرادته للمحبوب أقوى طلبه وإنْ حصلَ المكروه.

    vol. 2, p. 21
  8. ومثل هذا يقعُ كثيرًا في تعليق الطلاق، إذا علَّقه بأمرٍ مكروه مثل مخالفتها له، وإضرارها به في نفسه وماله وعرضه، أو بأولادِه أو أمه أو جيرانه [٧/ أ] أو أصدقائه، أو فعلها أمرًا مكروهًا في الدين ونحو ذلك، فهو يكره ذلك وهو يُحِبُّهَا ويكره طلاقها؛ فهنا يَجتمعُ محبوب ومكروه، فيريد أنْ ينهاها عن المكروه، ويقول لها: لا تفعلي ذلك.

  9. ثم تارةً يحلفُ عليها ألا تَفعله، ولا يُريدُ أنْ يُطلقها إذا فعلته، لأنَّ إرادتَهُ لبقائها معه أقوى من إرادتِهِ لدفع المكروه، فهي وإنْ كانت ــ أحيانًا ــ تخونه في بعض ماله أو تُطَوِّل لسانها عليه، أو تضرب أولادَهُ، أو تَخرجُ من منزله بغيرِ إذنهِ، أو تُطْعِمُ مالَهُ لأهلها، أو تَمتنع عليه ــ أحيانًا ــ من الفراش= فإنَّهُ يَكره ذلك وينهاها عنه، ولكن مع ذلك فراقُهَا أَكرهُ إليه وأبغض إليه من مقامِهَا على تلك الحال.

  10. كما يكون للرجل الولد الذي يؤذيه فينهاه عن الأذى، ويحلف عليه أنه (٤) لا يؤذيه، ولا يختار مفارقةَ ابنه وإنْ آذاه، وكذلك قد يكون الأمر كذلك في مملوكه وصديقه فهو في مثل هذه الأمور يَحلفُ على أحدهم أنْ

    vol. 2, p. 22لا يَفعل ذلك، وكذلك يحلف على المرأة؛ وهؤلاء يَبَرُّونه لئلا يؤذوه (١) بالحنث ولئلا يَغضب عليهم إذا حَنَّثُوهُ، ولئلا يُعاقبهم إذا حنثوه، والمرأة تَبرُّه لذلك، وتَبَرُّهُ ــ أيضًا ــ لئلا يقعَ بها الطلاق إذا اعتقدت أنه إذا حَنثَ طَلُقت لما عليها في ذلك من الضرر بفراقه، فقد يَمنعها هذا من تحنيثِهِ.

  11. فهذا إذا قال: إنْ فعلتِ كذا فأنتِ طالقٌ، أو قال لولده: إنْ فعلتَ أنت كذا فامرأتي طالقٌ، أو قالَ ذلك لعبدِهِ أو صديقِهِ فهو كما لو قال: الطلاق يلزمني لا تفعلين، أو يقول لابنِهِ ومملوكِهِ وصديقِهِ: الطلاق يلزمني لا تَفعل هذا، أو يقول عن نفسِهِ: الطلاقُ يلزمني لا أفعل كذا؛ فهنا يعلم من نفسهِ أنَّه لم يُرِد أنْ يطلقها عند وقوع الصفة؛ بل لم يزل ممتنعًا من الطلاق كارهًا له غيرَ مريدٍ لوقوعِهِ سواءً وجدت الصفة أو لم توجد، وإنما علَّقَهُ بالصفةِ مع علمِهِ أنه كارهٌ لوقوعِهِ، ليجعل امتناعه من وقوعِهِ موجبًا لامتناع وجودِ الشرطِ الملزوم، وقصده باليمين منع أولئك، أو منعُ نفسهِ من الشرط بما علقه بالجزاء وجعلِهِ لازمًا له من الطلاقِ وغيرِهِ من الأمور التي جعلها لازمةً للشرطِ وهي أمورٌ لا يريدُها بل يَكرهُهَا [٧/ ب] ، بل فيها ما يَمتنعُ في العادة أنْ يريده، وما يَمتنع في الطبيعةَ وللجِبِلَّةِ أنْ يريده.

  12. وكلَّمَا غَلَّظَ اليمينَ زادَ من تعليق هذه الأمور التي هو في غايةِ الامتناع من إرادتها مثل أن يقول: إنْ فعلتُ كذا فلا أماتني الله على دين الإسلام، وقطع أربعتي، وسلبني بصر عيني، وحشرني مع فرعون وهامان وأُبَيِّ بن خَلَفٍ وأمثال ذلك من الأدعية التي يدعو بها على نفسه.

  13. والداعي طالب للمدعو مريد لوقوعه إذا كان الدعاء مقصودًا له، وأمَّا

    vol. 2, p. 23إذا كان معلقًا بالشرط الذي يريد عدَمَه فهو لم يرد الدعاء ولا المدعو به؛ بل هو من أبغض الناس وأبعدهم عن إرادة هذا الدعاء والطلب، وعن إرادة المطلوب المدعو به؛ بل يمتنع في الطبيعة أنْ يريد البشر مثل هذه المضار العظيمة المستلزمة لغاية الضرر في الدين والدنيا والآخرة، ومَنْ جَوَّزَ على البشر أنْ يريد الإنسان كلَّ ما يضره فهو جاهل بحقيقة الإنسان.

  14. كما يظن بعض الغالطين أنَّ صاحب الفناء عن إرادة ما سوى الحق، أو شهود ما سواه ينتهي إلى ألا يُفرِّق بين ما يؤلمه ويضره وبينَ ما يَلَذُّهُ وينفعه، ويبقى هذا له مقامًا ثابتًا، فإنَّ هذا جهلٌ بحقيقة الحي وصفات الحي؛ بل قد يعرض له ــ أحيانًا ــ حالٌ يغيب فيها عن الإحساس ببعض الأشياء مع أنَّ هذه ليست مما يؤمر بها، ولا يكون صاحبها بها أفضل ممن هو أكملُ منه، وليست هذه الحال من اللوزام لمن سلكَ طريقَ الله ولا غاية له، كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين، ولكنَّها أمورٌ عارضةٌ لبعضِ الناس، وغايتُهُ أنْ يكونَ فيها معذورًا حصولها له بغير اختيارِهِ، وقد يُحمد على ما يقترن بها مما يُحبه الله ــ تعالى ــ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لا أنَّ نفسَ عدمِ التمييز مما يحمد صاحبه عليه، كما يعذر الإنسان على ما يجده من الحزن والخوف ونحو ذلك مما لا يمكنه دفعه عن نفسهِ، فيعذر ولا يُذَم لعجزه لا أنه يحمد ويمدح على ذلك؛ بل يحمد ويمدح ويؤجر على صبره ونهيه نفسه عن الهوى، ومجاهدتِهِ لنفسه عن الهوى؛ كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: ٤٠] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» (١) ،

    ولبسط هذه

    vol. 2, p. 24الأمور مواضعُ غير هذه (١) .

  15. [٨/ أ] والمقصود: أَنَّ المعلِّقَ يُعَلِّقُ اليمين لم يرد أن تلزمه تلك اللوازم التي علقها بالشرط؛ بل فيها ما يمتنع أن يريده البتة ولا يتصور أن يريده بشر، ومنها ما يمتنع أَنْ يريده مسلم، ومنها ما لا يريده الناس في العادة الغالبة ولكن قد يريده نادرًا، ومنها ما يريده في حال ولا يريده في حال وهذا القسم هو الذي اشتبه حاله على كثيرٍ من الناس؛ كإيجاب الحج والعبادات فإنَّ هذا الإيجاب قد يراد بالنذر، وكإنشاء الطلاق والظهار والحرام فإنَّ الإنسان قد يريد أَنْ يُطَلِّقَ ويظاهر من امرأته ويُحَرِّمَهَا أو يُحَرِّمَ عليه بعض ماله الحلال، وأما تحريم جميع الحلال فهذا لا يريده أحد، ولهذا لا يقول الناس: الحِلُّ عليَّ حرام، أو ما أَحَلَّ اللهُ عليَّ حرام، أو يحرم عليَّ كل ما يحل للمسلم ونحو هذه العبارات المتضمنة تحريم جميع الحلال إلا إذا كانوا حالفين، لا يقولونها عند الإنشاء بالتحريم والابتداء به وإيقاعه، بخلاف تحريم امرأته أو شيء من طعامه وبعض ماله فإنَّ هذا يحرمه ابتداء.

  16. والصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ تكلموا في تحريم المرأة وتحريم ماله (٢) ،

    vol. 2, p. 25وأما الحلف بذلك فلم يتكلموا فيه فيما بلغنا، كما تكلموا في تعليق الطلاق على الملك (١) ولم يتكلموا في الحلف به فيما بلغنا؛ لأن الناس لم يكونوا يعتادون الحلف بالحرام ولا بالظهار ولا بالطلاق في أوائل الأمر، لكن بعد ذلك اعتادوا الحلف بها، وقد كانوا يحلفون بالنذر قبل ذلك، لأنَّ هذا فيه التزام عبادة لله، فهو أخف على الإنسان من تحريم أهله وماله؛ فقد يختار الرجل أن يتصدق بماله لله، ولا يختار بشر أن يحرم عليه جميع ما أحله الله له، فصاروا يغلظون الأيمان شيئًا بعد شيء، كما أنهم في أول الأمر لم يكن ولاة الأمور يُحَلِّفُونَ الناس بأيمان البيعة، ثم حلفهم الحجاج بأربعة أيمان أو خمسة، ثم زاد الناس في أيمان البيعة أضعاف ما فعله الحجاج (٢) .

  17. وقد نُهي عن تغليظ الأيمان لما في ذلك من زيادة تعظيمها لا لأنها من أيمان الشرك؛ فيظن الغالط أَنَّ ذلك يقتضي أنها لا تلزم للنهي عنها، ولو تغلظت الأيمان المنعقدة غاية التغليظ، فإنَّ أيمان المسلمين [٨/ ب] لا تغير شرائع الدين؛ بل ما كان الله ورسوله قد أَمَرَ به قبل الأيمان المغلظة على تركه فقد أمر به بعد ذلك، يفعله العبد كما أمر الله ــ تعالى ــ به ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويُكفِّر أيمانه المغلظة، وما نهى الله عنه ورسوله بعد تغليظه الأيمان على فعله فإنه منهي عنه بعد أَنْ حَلَفَ الأيمان المغلظة أنه لا يفعله، فيكفر أيمانه ولا يفعله (٣) .

  18. ولو غَلَّظَ الأيمان أَيَّ تغليظٍ كان لم يمنع ذلك من تكفيرها مثل أن يقول: إِنَّ عليَّ الحج ماشيًا حافيًا (١) على أغلظ مذهب في الإسلام أو على مذهب مالك بن أنس، أو يقول على أشدِّ ما أخذ أحدٌ على أحدٍ، أو مالي صدقة وعليَّ الحج ونسائي طوالق وعبيدي أحرار على مذهب مَنْ يُلزم الحالف ما التزمه، أو على أني لا أقلد من يفتي بالكفارة، أو لا أستفتي من يفتي بذلك ونحو هذه العبارات التي يلتزم فيها ما يجعله لازماً له لزوماً ثابتاً، ويميناً معقودة لا يمكن تحليلها، فإنَّ عَقْدَهُ وَرَبْطَهُ وتعليقه لو بالغ فيه ماذا عسى أَنْ يبالغ لم يكن ذلك برافعٍ لحكم الله ورسوله الذي شرعه على لسان نبيه محمد عبده ورسوله حيث قال: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] ، وقال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (٢) .

    vol. 2, p. 26
  19. فقد تبين أنَّ المشهور عند العامة والخاصة لو عَلَّقَ تعليقًا يَقصد به الأيمان أنه يكره وقوع ما علقه لا يريده سواءً كان المعلق بالشرط وقوع الطلاق أو العتاق أو الظهار أو الحرام، أو وجوب حج أو صيام أو صدقة أو هدي أو أضحية أو وقف أو غير ذلك مما يلتزمه المسلمون عند أيمانهم، وكذلك إن كان المعلق كفرًا كقوله: إنْ فعلتُ ذلك فأنا بريءٌ من الله ورسوله، وأنا يهودي ونصراني، وأنا مشرك بالله، وأقول: إن الله ثالث ثلاثة، وأعبد الصليب دون الله إن فعلت كذا، وأقول: إن القرآن ما هو كلام الله، وأقول: إن القرآن شعر وسحر إن فعلت ذلك، وأستحل وطء أمي في كعبة

    vol. 2, p. 27المسلمين إن فعلت ذلك إلى أنواع من هذه التعليقات التي يعلقها كثير من الناس، ويعلقون ما هو عندهم أغلظ أنواع الكفر الذي يمتنع في تلك الحال أن يقصدوا لزومه [٩/ أ] لهم غاية الامتناع، لأنهم في غاية الإرادة لنقيضه والكراهة له، والإرادةُ الجازمةُ لوجودِهِ تُنَاقِضُ الإرادةَ الجازمةَ لعدمِهِ (١) .

  20. وكذلك إِنْ كان المعلق بالشرط دعاءً يدعو به على نفسه من أنواع الشر، كقوله: إِنْ فعلتُ كذا قطع الله يدي، أو أَماتني على غير الإسلام، وذبح الله ولدي على صدري (٢) ونحو ذلك.

  21. وكذلك إِنْ كان المعلَّق اتصافه بقبائح ومنكرات يكره اتصافه بها غاية الكراهة، وإن كان اتصافه بها ممتنعًا في نفس الأمر لكن يقدر لزومها له؛ كقوله: إن لم أفعل كذا فأنا بريء من قرابتي من رسول الله، أو تكون هذه اللحية على مخنث، أو أكون بغَّاءً أو يركبني (٣) ، أو يقول النصراني: أكون بريئاً من الصليب، أو من المسيح، أو من السيدة، أو يقول مَنْ يُعَظِّمُ بعض المشايخ أو القرابة أو الصحابة: أنا بريء من الشيخ فلان أو من علي بن أبي طالب إن فعلت كذا، إلى أمثال هذه الأيمان التي تحلف بها الأمم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، لا يُعلِّقون تعليقًا يقصدون به اليمين إلا وهم كارهون لوقوع المعلَّق غير مريدين له، بل لا يكون إلا مِنْ أَكْرَهِ الأمورِ إليهم وأبعدهم عن إرادة وقوعه؛ فيمتنع أن يكون أحدهم قاصدًا لليمين، وهو مع ذلك يقصد وقوع الجزاء المعلَّق.