القول بالتكفير ثابت عن السلف لا ريب فيه
11 paragraphs · vol. 2, p. 197
- vol. 2, p. 197
وَطَرَدَ داود وأصحابه أصلهم في الطلاق، فقالوا: هو يمين غير منعقدة، فلا يلزم به طلاق ولا كفارة؛ فعلى هذا التقدير يكون هؤلاء الصحابة قد جعلوا هذه أيمانًا غير منعقدة، وهو خلاف قول المعترض وأمثاله: إنها ليست أيمانًا أو إنها أيمانٌ تُلْزِمُ الحالف فيها ما التزمه. وإذا كانوا يقولون: إِنَّ الحالف بالعتق لا يلزمه العتق ولا كفارة فيه= ثبت النزاع في العتق؛ وحينئذٍ فنقيم الدليل على أَنَّ هذه أيمان ليست كالتعليقات التي يلزم فيها المعلَّق.
-
وأما كونها يمينًا مكفَّرة أو غير مكفَّرة فهو مقام آخر، والقول بالتكفير ثابت (١) عن السلف لا ريب فيه، يُقِرُّ بِهِ هؤلاء الذين قالوا إنها أيمان غير منعقدة كابن جرير وداود وابن حزم، وقد تقدم نقل ابن جرير وابن حزم للنزاع في ذلك عن الصحابة والتابعين، فلا يمكن أحدًا منهم دعوى الإجماع على عدم التكفير، وإنما النزاع في كونها من جنس أيمان المسلمين أو من جنس أيمان الكفار، فتبين أَنَّ ما ذكره المعترض يضره لا ينفعه.
قال أبو محمد ابن حزم (٢) : (وكذلك من أخرج نذره مخرج اليمين فقال: عليَّ المشي إلى مكة إِنْ كلمت فلانًا وإن زُرْتُ (٣) فلانًا؛ فهذا (٤) لا يلزم الوفاء بِهِ ولا كفارة فيه إلا الاستغفار فقط).
ثم قال (٥) : (وقولنا هو قول طائفة من السلف؛ كما روينا من طريق
vol. 2, p. 198عبد الرزاق، عن المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت لي مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية أو نصرانية إن لم تطلق امرأتك، فأتيت زينب بنت أم سلمة ــ أم المؤمنين ــ فجاءت معي إليها، فقالت: يا زينب ــ جعلني الله فداك ــ إنها قالت: كل مملوك لها حر وهي يهودية. فقالت لها زينب: يهودية ونصرانية! خَلِّ بين الرجل وامرأته، فكأنها (١) لم تقبل، فأتيت حفصة ــ أم المؤمنين ــ فأرسلت ــ يعني: إليها ــ، فقالت: يا أم المؤمنين ــ جعلني الله فداك ــ إنها قالت: كل مملوك لها حرٌ وكل مالٍ لها هدي وهي يهودية ونصرانية، فقالت أم المؤمنين: يهودية ونصرانية! خَلِّ بين الرجل وبين امرأته).
قال (٢) : (ومن طريق عائشة [٥٥/ ب] ــ أم المؤمنين ــ فيمن قال لغريمه: إِنْ فارقتك فمالي عليك في المسلمين (٣) صدقة، ففارقه؛ أَنَّ هذا لا شيء يلزمه فيه).
قال (٤) : (وَصَحَّ هذا عن الحَكَم بن عُتيبة، وحماد بن أبي سليمان من طريق شعبة عنهما.
-
وهو قول الشعبي، والحارث العكلي، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي سليمان وأصحابنا).
vol. 2, p. 199قال (١) : (فإن قالوا: فقد أفتى ابن عمر في ذلك بكفارة يمين.
-
قلنا: نعم؛ وقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فما الذي جعل قول بعضهم أولى من قول بعض بلا برهان؟!).
قال (٢) : (وصحَّ عن عائشة وأم سلمة ــ أمَّيِ المؤمنين ــ.
-
وعن ابن عمر أنه جعل في قول ليلى بنت العجماء: كل مملوكٍ لها حر وكل مالٍ لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك كفارةَ يمين واحدة، وعن عائشة ــ أم المؤمنين ــ - رضي الله عنها - أنها قالت فيمن قال في يمينٍ: مالي ضرائب في سبيل الله، أو قال: مالي كله في رتاج الكعبة: كفارة يمين.
-
وعن أم سلمة وعائشة ــ أمي المؤمنين ــ فيمن قال: عليَّ المشيُ إلى بيت الله إن لم يكن كذا: كفارة يمين، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع عنهما.
-
وَرُوِّينَا عن جابر بن عبد الله: النذر كفارته كفارة يمين.
-
وعن ابن عباس مثل هذا.
-
وعن [عمر بن الخطاب] (٣) نحوه.
- vol. 2, p. 200
وعن عكرمة والحسن فيمن قال: مالي كله في رتاج الكعبة: كفارة يمين).
قال (١) : (وصحَّ عن طاووس وعطاء؛ أما طاووس فقال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي في سبيل الله وهذا النحو: كفارة يمين، وأما عطاء فقال: فيمن قال عليَّ [ألف] (٢) بدنة أو قال عليَّ ألف حجة أو قال مالي هدي أو قال مالي في المساكين: كل ذلك يمين).
قال (٣) : (وهو قول قتادة، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر.
قال أبو محمد: كل هذا خلافٌ لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأنَّ الشافعي أخرج من ذلك العتق المعين) (٤) .
-
فهذا ابن حزم يعترف بصحة النقل عن الصحابة والتابعين فيمن قال: إن فعل فكل مملوك لي فهو حر بإفتائه بكفارة يمين، وأثبت ذلك عن ابن عمر ــ في حديث ليلى بنت العجماء ــ وعن عائشة وأم سلمة، ثم أعاده عن أم سلمة وعائشة من طريق أشعث [٥٦/ أ] عن بكر، ولكنه ادعى أن زينب وحفصة أفتيا بسقوط الكفارة حيث لم يكن ذلك مذكورًا في رواية معتمر عن أبيه، كما لم يذكرها عارم عن معتمر، ولا ذكرها عبد الرزاق، فيما ذكره ابن حزم.