مسألة - ٣ - [حقيقة خطاب التكليف]

1 paragraph · vol. 1, p. 127

  1. حقيقة خطاب التكليف عندنا المطالبة بالفعل أو الاجتناب له لأنه في وضع اللسان تحميل لما فيه كلفة ومشقة إما في فعله أو تركه وهو من قولهم كلفتك عظيما أي أمرا شاقا وذهب أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إلى أن التكليف ينقسم إلى وجوب أداء وهو المطالبة بالفعل أو الاجتناب له والى وجوب في الذمة سابق عليه وعنوا بهذا القسم من الوجوب اشتغال الذمة بالواجب كالصبي إذا اتلف مال إنسان فان ذمته تشغل بالقيمة اعني قيمة المتلف ولا يجب عليه الأداء بل يجب على وليه وزعموا إن الأول يستدعي عقلا وفهما للخطاب والوجوب في الذمة لا يستدعي ذلك وان الأول يتلقى من الخطاب والثاني من الأسباب واحتجوا في ذلك بوجوب الصلاة على النائم في وقت الصلاة مع إن الخطاب موضوع عنه وكذلك النوم المستغرق لشهر رمضان

    vol. 1, p. 128والإغماء المستغرق فإنه لا يمنع بهما وجوب الصوم ولا خطاب عليهما بالإجماع وقد قال الشافعي رضي الله عنه بوجوب الزكاة على الصبي وهو غير مخاطب ويجب عليه العشر وصدقة الفطر إجماعا وكذا الثمن يجب في ذمة المشتري بالشراء والأداء لا يجب إلا بعد المطالبة بالأداء والدين مؤجل يجب في ذمة من عليه والأداء لا يجب إلا بعد المطالبة فعلم بهذه الجملة أن الوجوب في حقنا مضاف إلى أسباب شرعية غير الخطاب وطردوا ذلك في جميع الواجبات من العبادات والعقوبات وزعموا أن سبب وجوب الصلوات الأوقات لإضافتها إليها بلام التعليل وسبب وجوب الصوم أيام شهر رمضان قال الله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ أي فليصم في أيامه فإن تعليق الحكم بالشيء شرعا يدل على أنه سببه

    vol. 1, p. 129وسبب وجوب الحج البيت والوقت شرط لأدائه ولهذا لم يتكرر ويتكرر الوقت فلم يصلح أن يكون الوقت فيه سببا بل الوقت محل وسبب وجوب الزكاة ملك النصاب النامي في نفسه ولهذا تزداد بزيادة النصب ثم زعموا أن هذه الأوقات ليست سببا لوجوب العبادات حقيقة نظرا إلى ذواتها بل سبب الوجوب في الجميع نعم الله تعالى على عباده والنعم تصلح أن تكون سببا لوجوب الشكر شرعا غير أن النعم مترادفة في جميع الأوقات فجعل الوقت الذي هو محل لحدوث النعم فيه سببا للوجوب وأقيم مقام النعم قالوا وإذا ثبت الوجوب بالسبب فالأداء بعده يكون بخطاب الشرع وأمره وعندنا الكل يتلقى من الخطاب والأسباب غير مؤثرة في

    vol. 1, p. 130الإيجاب بدليل أنها كانت موجودة قبل وضعها شرعا ولم توجب شيئا ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لا يلزمه قضاء ما مضى من أيام الجنون إذ الوجوب بالخطاب ولا خطاب وعندهم يلزمه لأن الوجوب بالسبب وقد وجد وكذا أفاق في أثناء النهار لا يلزم قضاء ذلك اليوم عندنا وعندهم يلزمه ومنها أن الصوم غير واجب على المريض والمسافر والحائض عندنا لأن الوجوب يتلقى من الخطاب ولا خطاب وعندهم يتلقى من السبب وقد وجد

    vol. 1, p. 131واستدلوا على ذلك بوجوب القضاء عند زوال هذه الأعذار وهذا على الحقيقة خلاف اللفظ فانهم يعنون بالوجوب استحقاق هذه الأفعال في ذمم المذكورين شرعا بمعنى وجوب القضاء عند زوال العذر المائع من التكليف وهو مسلم عندنا ونحن نعني بانتفاء الوجوب انتفاء تكليف الفعل حال قيام العذر وهو مسلم عندهم

    vol. 1, p. 127