قوله باب القياس

55 paragraphs · vol. 1, p. 3115

Page 1 of 2

  1. {لُغَة: التَّقْدِير والمساواة} .

    vol. 1, p. 3115
  2. لما فَرغْنَا من المباحث الْمُتَعَلّقَة بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، شرعنا فِي الْقيَاس ومباحثه، وَهُوَ ميزَان الْعُقُول، قَالَ الله: {لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ} [الْحَدِيد: ٢٥] .

  3. وَالْقِيَاس فِي اللُّغَة: التَّقْدِير والمساواة، يُقَال: قَاس [النَّعْل بالنعل] ، أَي: حاذاه وساواه، وَتقول: قست الثَّوْب بالذراع، أَي: قدرته بِهِ، وقست الْجراحَة بالمسبار، وَهُوَ شَيْء يشبه الْميل، يعرف بِهِ عمق الْجرْح.

  4. وَتقول: قست الشَّيْء بِغَيْرِهِ وعَلى غَيره.

  5. تَقول: قست أَقيس وأقوس، قيسا وقوساً وَقِيَاسًا فِي اللغتين، إِذا قدرته على مِثَاله، أَي: يُقَال بِالْيَاءِ وبالواو، فَيُقَال على اللُّغَة بِالْوَاو: قِيَاسا أَيْضا كلغة الْيَاء، لِأَن أَصله قواساً، لَكِن لما انْكَسَرَ مَا قبل الْوَاو قلبت يَاء كقيام، وَصِيَام، وصيال إِذْ أَصله الْوَاو.

  6. وَيُقَال فيهمَا: قيس رمح، وقاس رمح، أَي: قدر رمح.

    vol. 1, p. 3116
  7. وَإِنَّمَا قيل فِي الشَّرْع: قَاس عَلَيْهِ ليدل على الْبناء، فَإِن انْتِقَال الصِّلَة للتضمين، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بني عَلَيْهِ.

  8. فَالْقِيَاس فِي اللُّغَة يدل على معنى التَّسْوِيَة على الْعُمُوم، لِأَنَّهُ نِسْبَة وَإِضَافَة بَين شَيْئَيْنِ، وَلِهَذَا يُقَال: فلَان يُقَاس بفلان وَلَا يُقَاس بفلان، أَي: يُسَاوِي فلَانا وَلَا يُسَاوِي فلَانا.

  9. وَأما فِي الِاصْطِلَاح: فَيدل على تَسْوِيَة خَاصَّة بَين الأَصْل وَالْفرع، فَهُوَ [كتخصيص] لفظ الدَّابَّة بِبَعْض مسمياتها، فَهُوَ حَقِيقَة عرفية مجَاز

    vol. 1, p. 3117لغَوِيّ، [قَالَه] الطوفي فِي " شَرحه " وَغَيره.

  10. قَوْله: {وَاصْطِلَاحا} ، أَي: فِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الشَّرِيعَة.

  11. اخْتلف الْعلمَاء فِي تَعْرِيفه اخْتِلَافا كثيرا جدا، وَقل أَن يسلم / مِنْهَا تَعْرِيف.

    فَقَالَ القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن الْبَنَّا: هُوَ رد فرع إِلَى أَصله بعلة جَامِعَة.

  12. وَفِي " التَّمْهِيد " أَيْضا: تَحْصِيل حكم الأَصْل فِي الْفَرْع لاشتباههما فِي عِلّة الحكم، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ.

    vol. 1, p. 3118قَالَ ابْن مُفْلِح: وَمرَاده تَحْصِيل مثل حكم الأَصْل، وَمَعْنَاهُ فِي " الْوَاضِح " ، وَقَالَ: إِنَّه أَسد مَا رَآهُ.

    قَالَ ابْن مُفْلِح: لَكِن هُوَ نتيجة الْقيَاس لَا نَفسه. انْتهى.

  13. وَذَلِكَ كرد النَّبِيذ إِلَى الْخمر فِي التَّحْرِيم بعلة الْإِسْكَار، [ونعني] بِالرَّدِّ: الْإِلْحَاق والتسوية بَينهمَا فِي الحكم.

  14. وَقَرِيب مِنْهُ مَا قَالَه الْمُوفق، والطوفي، وَغَيرهمَا: حمل فرع على أصل فِي حكم بِجَامِع [بَينهمَا] .

  15. فَإنَّا نحمل النَّبِيذ على الْخمر فِي التَّحْرِيم بِجَامِع الْإِسْكَار، فالحمل هُوَ الْإِلْحَاق والتسوية بَينهمَا فِي الحكم كَمَا تقدم.

    vol. 1, p. 3119
  16. فالجامع بَينهمَا هُوَ عِلّة حكم الأَصْل وَهُوَ التَّحْرِيم بِجَامِع الْإِسْكَار، وَهُوَ الْوَصْف الْمُنَاسب لِأَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم فِي نظر الشَّارِع.

  17. وَهُوَ هُنَا الْإِسْكَار الَّذِي هُوَ عِلّة تَحْرِيم الْخمر.

  18. لَا يُقَال: الأَصْل وَالْفرع لَا يعرفان إِلَّا بعد معرفَة حَقِيقَة الْقيَاس، فَأَخذهُمَا فِي تَعْرِيفه دور.

  19. لأَنا نقُول: إِنَّمَا نعني بالفرع صُورَة أُرِيد إلحاقها بِالْأُخْرَى فِي الحكم، لوُجُود الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم فيهمَا، وبالأصل: الصُّورَة الملحق

    vol. 1, p. 3120بهَا، فَلَا يلْزم دور من كَون لفظ الْفَرْع وَالْأَصْل، يشْعر أَن لَا يكون هَذَا فرع وَذَاكَ أصل، إِلَّا أَن يكون هَذَا مقيساً على ذَلِك.

    وَقَالَ ابْن الْمَنِيّ، وَابْن حمدَان: مُسَاوَاة مَعْلُوم لمعلوم فِي مَعْلُوم ثَالِث، يلْزم من ماواة الثَّانِي للْأولِ فِيهِ مساواته فِي حكمه.

    قَالَ ابْن مُفْلِح: " وَهُوَ معنى من قَالَ مُسَاوَاة فرع لأصل فِي عِلّة حكمه " . انْتهى.

  20. وَهُوَ قريب أَيْضا من الأول فَإِن مُرَاده بمساواة [مَعْلُوم] : الْفَرْع، وَمرَاده " لمعلوم " : الأَصْل، وَمرَاده " فِي مَعْلُوم " : الْإِسْكَار مثلا، فَيلْزم على ذَلِك الْمُسَاوَاة فِي الحكم.

    وَقَالَ الباقلاني وَمن تبعه: حمل مَعْلُوم على مَعْلُوم فِي إِثْبَات حكم لَهما أَو نَفْيه عَنْهُمَا بِأَمْر / جَامع بَينهمَا من إِثْبَات حكم أَو صفة أَو نفيهما.

  21. وَتَبعهُ على ذَلِك أَكثر الشَّافِعِيَّة.

  22. لَكِن رد: بِأَن المُرَاد من " الْحمل " إِثْبَات الحكم وَهُوَ ثَمَرَة الْقيَاس.

  23. ورد أَيْضا: بِأَن قَوْله: " فِي إِثْبَات حكم لَهما " يشْعر بِأَن الحكم فِي الأَصْل وَالْفرع بِالْقِيَاسِ.

    vol. 1, p. 3121
  24. وَبِأَن قَوْله: " بِجَامِع " كَاف، لِأَنَّهُ الْمُعْتَبر فِي مَاهِيَّة الْقيَاس لَا أقسامه.

  25. وَأجَاب الْآمِدِيّ عَن الأول: بِالْمَنْعِ لما علم مِمَّا يتركب مِنْهُ الْقيَاس، وَعَن الثَّانِي: بِأَنَّهُ زِيَادَة إِيضَاح، وَلَا يلْزم مِنْهُ ذكر أَقسَام الحكم وَالصّفة لعدم وُجُوبه.

    قَالَ: لَكِن يرد إِشْكَال لَا محيص عَنهُ، وَهُوَ: أَنه أَخذ فِي الْحَد ثُبُوت حكم الْفَرْع، وَهُوَ فرع الْقيَاس، وَهُوَ دور.

  26. ورد ذَلِك: بِأَن الْمَحْدُود الْقيَاس الذهْنِي، وَثُبُوت [حكم] الْفَرْع الذهْنِي، والخارجي لَيْسَ فرعا للْقِيَاس الذهْنِي.

    وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: " وَأورد الْآمِدِيّ عَلَيْهِ أَن، إِثْبَات الحكم هُوَ أثر الْقيَاس وناشئ عَنهُ، وَأَخذه فِي تَعْرِيفه، وتوقفه عَلَيْهِ دور " .

    vol. 1, p. 3122
  27. وَضَعفه الْهِنْدِيّ: بِأَن الْمَأْخُوذ فِي التَّعْرِيف إِثْبَات، وَالَّذِي هُوَ أثر الْقيَاس ومتفرع عَنهُ الثُّبُوت لَا الْإِثْبَات وَنَحْوه من الْحمل.

    قَالَ الْبرمَاوِيّ: " قلت: وَفِيه نظر، فَإِن الْقيَاس لَا يثبت حكما إِنَّمَا يظهره بقياسه، إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّه على كل حَال غير الثُّبُوت " . انْتهى.

    وَقَالَ الطوفي: " وزيف بِأَن قَوْله " فِي إِثْبَات حكم لَهما " غير صَحِيح، لِأَن الْقيَاس لَا يطْلب بِهِ معرفَة حكم الأَصْل، إِذْ حكمه مَعْلُوم، وَإِنَّمَا يطْلب بِهِ حكم الْفَرْع " . انْتهى.

    vol. 1, p. 3123وَقَالَ الْآمِدِيّ: اسْتِوَاء فرع وأصل فِي عِلّة مستنبطة [من] حكم الأَصْل فَيحْتَاج: " أَو غَيرهَا " .

  28. وَمن صوب كل مُجْتَهد زَاد: فِي نظر الْمُجْتَهد.

    قَالَ القَاضِي عضد الدّين: " وَاعْلَم أَن المُرَاد بالمساواة الْمَذْكُورَة فِي الْحَد: الْمُسَاوَاة فِي نفس الْأَمر، فَيخْتَص بِالْقِيَاسِ الصَّحِيح، وَهَذَا عِنْد من يثبت مَا لَا مُسَاوَاة فِيهِ فِي نفس الْأَمر: قِيَاسا فَاسِدا.

  29. وَأما المصوبة وهم الْقَائِلُونَ: بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب، فَالْقِيَاس الصَّحِيح عِنْدهم: مَا حصلت فِيهِ الْمُسَاوَاة فِي / نظر الْمُجْتَهد، سَوَاء [ثبتَتْ] فِي نفس الْأَمر أم لَا، حَتَّى لَو تبين غلطه وجوب الرُّجُوع عَنهُ، فَإِنَّهُ لَا يقْدَح فِي صِحَّته عِنْدهم، بل ذَلِك انْقِطَاع [لحكمه] لدَلِيل آخر حدث وَكَانَ قبل حُدُوثه الْقيَاس الأول صَحِيحا وَإِن زَالَ صِحَّته، بِخِلَاف المخطئة فَإِنَّهُم لَا يرَوْنَ مَا ظهر غلطه وَالرُّجُوع عَنهُ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ إِلَى زمَان ظُهُور غلطه، بل كَانَ فَاسِدا وَتبين فَسَاده، فَإِذا لَا يشْتَرط] المصوبة الْمُسَاوَاة إِلَّا فِي نظر

    vol. 1, p. 3124الْمُجْتَهد، فحقهم أَن يَقُولُوا: هُوَ مُسَاوَاة فرع الأَصْل فِي نظر الْمُجْتَهد، هَذَا إِذا حددنا الْقيَاس الصَّحِيح. وَلَو أردنَا دخلو الْقيَاس الْفَاسِد مَعَه فِي الْحَد لم نشترط الْمُسَاوَاة لَا فِي نفس الْأَمر وَلَا فِي نظر الْمُجْتَهد وَقُلْنَا بدلهَا: إِنَّه تَشْبِيه فرع بِالْأَصْلِ، لِأَنَّهُ قد يكون مطابقاً لحُصُول الشّبَه وَقد لَا يكون لعدمه، وَقد يكون الْمُشبه يرى ذَلِك وَقد لَا يرَاهُ ". انْتهى.

  30. وَقيل: الْقيَاس إصابه الْحق.

  31. وَقيل: بذل الْمُجْتَهد فِي استخراجه.

  32. وَقيل: الْعلم عَن نظر.

  33. وتبطيل ذَلِك بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع.

  34. وَبِأَن إِصَابَة الْحق، وَالْعلم، فرع الْقيَاس وثمرته مَعَ أَن أَكْثَره ظن والبذل حَال القائس.

    وَقَالَ أَبُو هَاشم: حمل الشَّيْء على غَيره بإجراء حكمه عَلَيْهِ

    وَزَاد عبد الْجَبَّار: بِضَرْب من الشّبَه.

  35. وأبطل: بِخُرُوج قِيَاس فَرعه مَعْدُوم مُمْتَنع لذاته فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْء وَيحْتَاج الأول لجامع.

    vol. 1, p. 3125
  36. وَقيل: إِثْبَات مثل حكم فِي غير مَحَله لمقْتَضى مُشْتَرك.

  37. كإثبات مثل تَحْرِيم الْخمر فِي النَّبِيذ، وَهُوَ غير مَحل النَّص على التَّحْرِيم إِذْ مَحَله الْخمر لعِلَّة الْإِسْكَار، وَهُوَ الْمُقْتَضِي للتَّحْرِيم الْمُشْتَرك بَين الْخمر والنبيذ.

  38. وَقيل: تَعديَة حكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ إِلَى غَيره بِجَامِع. كتعدية تَحْرِيم الْخمر الْمَنْصُوص عَلَيْهِ إِلَى النَّبِيذ الَّذِي لم ينص على تَحْرِيمه للجامع الْمَذْكُور الْمُشْتَرك. وَالْحُدُود لذَلِك كَثِيرَة قل أَن يسلم مِنْهَا حد، وحاصلها يرجع إِلَى اعْتِبَار الْفَرْع الأَصْل فِي حكمه وَالْحكم.

  39. قَوْله: {تَنْبِيه: لم يرد بِالْحَدِّ قِيَاس الدّلَالَة وَهُوَ الْجمع بَين أصل وَفرع بِدَلِيل الْعلَّة كالجمع بَين الْخمر والنبيذ بالرائحة الدَّالَّة على الشدَّة المطربة.

  40. وَلَا قِيَاس الْعَكْس: وَهُوَ تَحْصِيل نقيض حكم الْمَعْلُوم فِي غَيره لافتراقهما فِي عِلّة الحكم، مثل: لما وَجب الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف بِالنذرِ وَجب بِغَيْر نذر، عَكسه الصَّلَاة لما تجب فِيهِ بِالنذرِ لم تجب بِغَيْر نذر.