الخال وارث من لا وارث له
101 paragraphs · vol. 1, p. 3673
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 3673
قَوْله: (وقلب الدَّلِيل على وَجه يكون مَا ذكره الْمُسْتَدلّ يدل عَلَيْهِ لَا لَهُ ك: " الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ " فَيُقَال يدل على أَن لَا يَرث بطرِيق أبلغ، لِأَنَّهُ نفي عَام مثل: الْجُوع زَاد من لَا زَاد لَهُ، وَفِيه نظر) .
-
هَذَا هُوَ أحد الضربين الَّذِي وعدنا بِذكر مِثَاله، لِأَنَّهُ قد تقدم أَنه ضَرْبَان: لِأَن مَا يَأْتِي بِهِ الْمُعْتَرض إِمَّا أَن يكون دَلِيلا على الْمُسْتَدلّ لَا لَهُ. وَإِمَّا أَن يدل لكل مِنْهُمَا، لَا للمستدل وَحده.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: هَذَا دَلِيل لي وَلَك، فَهُوَ لنا مَعًا.
قَالَ الْآمِدِيّ: / وَالْأول قل مَا يتَّفق لَهُ مِثَال فِي الأقيسة.
-
ومثاله من الْمَنْصُوص: اسْتِدْلَال من يُورث ذَوي الْأَرْحَام فِي تَوْرِيث الْخَال بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ " .
- vol. 1, p. 3674
فَيَقُول الْمُعْتَرض: هَذَا يدل عَلَيْك لَا لَك، إِذْ مَعْنَاهُ: نفي تَوْرِيث الْخَال بطرِيق الْمُبَالغَة، أَي: الْخَال لَا يَرث: كَمَا يُقَال: الْجُوع زَاد من لَا زَاد لَهُ، وَالصَّبْر حِيلَة من لَا حِيلَة لَهُ، أَي: لَيْسَ الْجُوع زادا، وَلَا الصَّبْر حِيلَة.
قَالَ ابْن حمدَان وَغَيره: وَقَوله " وَارِث من لَا ورث لَهُ " يَنْفِي إِرْثه، فَإِن أَرَادَ نفي كل وَارِث سوى الْخَال، بَطل بِإِرْث الزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَإِن أَرَادَ نفي كل وَارِث عصبَة، فَلَا فَائِدَة فِي تَخْصِيص الْخَال بِالذكر دون بَقِيَّة ذَوي الْأَرْحَام، وَيُشبه فَسَاد الْوَضع انْتهى.
قَالَ ابْن مُفْلِح: وَلَيْسَ بمثال جيد.
-
قَوْله: (القَوْل بِالْمُوجبِ تَسْلِيم مُقْتَضى الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع) .
- vol. 1, p. 3675
من القوادح القَوْل بِالْمُوجبِ، وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم، أَي: بِمَا أوجبه دَلِيل الْمُسْتَدلّ واقتضاه، وَأما الْمُوجب بِكَسْر الْجِيم، فَهُوَ الدَّلِيل، وَهُوَ غير مُخْتَصّ بِالْقِيَاسِ وَحده، أَي: القَوْل بِالْمُوجبِ تَسْلِيم مُقْتَضى الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع.
قَالَ الطوفي وَغَيره: " القَوْل بِالْمُوجبِ تَسْلِيم الدَّلِيل مَعَ منع الْمَدْلُول، أَو تَسْلِيم مُقْتَضى الدَّلِيل مَعَ دَعْوَى بَقَاء الْخلاف " انْتهى.
-
ومعانيها مُتَقَارِبَة، وَشَاهد ذَلِك من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: {وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ} [المُنَافِقُونَ: ٨] ، جَوَابا لقَوْل عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول، أَو غَيره {لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل} [المُنَافِقُونَ: ٨] ، فَإِنَّهُ لما ذكر صفة وَهِي الْعِزَّة، وَأثبت بهَا حكما وَهُوَ الْإِخْرَاج من الْمَدِينَة.
- vol. 1, p. 3676
رد عَلَيْهِ: بِأَن تِلْكَ الصّفة ثَابِتَة، لَكِن لما أَرَادَ غير ثُبُوتهَا لَهُ، فَإِنَّهَا ثَابِتَة على اقتضائها للْحكم وَهُوَ الْإِخْرَاج، فالعزة [الْمَوْجُودَة] لَكِن لَا لَهُ، بل لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ.
-
وَمن أمثلته أَيْضا:
(وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها وَلَكِن للأعادي /)
(وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها وَلَكِن فِي فُؤَادِي)
(وَقَالُوا: قد صفت منا قُلُوب ... لقد صدقُوا وَلَكِن من ودادي)
- وَقَول آخر:
-
(قلت: ثقلت إِذْ أتيت مرَارًا ... قَالَ: ثقلت كاهلي بالأيادي)
-
وَهُوَ نوع من بديع الْكَلَام.
- vol. 1, p. 3677
قَوْله: (وَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع: الأول: أَن يستنتج الْمُسْتَدلّ مَا يتوهمه مَحل النزاع، أَو لَازمه: كَالْقَتْلِ بالمثقل: قتل بِمَا يقتل غَالِبا، فَلَا يُنَافِي الْقود: كالمحدد، فَيُقَال: عدم الْمُنَافَاة لَيْسَ مَحل النزاع، وَلَا لَازمه.
-
وَالثَّانِي: أَن يستنتج إبِْطَال مَا يتوهمه مَأْخَذ الْخصم: كالتفاوت فِي الْوَسِيلَة لَا يمْنَع الْقود كالمتوسل إِلَيْهِ، فَيُقَال: لَا يلْزم من إبِْطَال مَانع عدم كل مَانع، وَوُجُود الشُّرُوط والمقتضي، وَيصدق الْمُعْتَرض فِي قَوْله: لَيْسَ هَذَا مأخذي، وَقيل: لَا، وَأَجَازَهُ جمع من أَصْحَابنَا، مِنْهُم الْفَخر، وَقَالَ: فَإِن أبْطلهُ الْمُسْتَدلّ وَإِلَّا انْقَطع. الثَّالِث: أَن يسكت فِي دَلِيله عَن صغرى قِيَاسه، وَلَيْسَت مَشْهُورَة: ككل قربَة شَرطهَا النِّيَّة، ويسكت عَن: الْوضُوء قربَة، فَيَقُول الْمُعْتَرض: أَقُول بِمُوجبِه وَلَا ينْتج، وَلَو ذكرهَا لم يرد إِلَّا منعهَا. وَجَوَاب الأول: [بِأَنَّهُ] مَحل النزاع، أَو لَازمه، وَالثَّانِي: أَنه المأخذ لشهرته، وَالثَّالِث: لجَوَاز الْحَذف. وَيُجَاب فِي الْجَمِيع بِقَرِينَة أَو عهد، وَنَحْوه، انْتهى) .
-
وُرُود القَوْل بِالْمُوجبِ فِي الْأَدِلَّة على ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: أَن يستنتج الْمُسْتَدلّ من الدَّلِيل مَا يتَوَهَّم أَنه مَحل النزاع، أَو
vol. 1, p. 3678ملازمه، مثل: أَن يَقُول فِي الْقَتْل بالمثقل: قتل بِمَا يقتل غَالِبا، فَلَا يُنَافِي وجوب الْقصاص كالإحراق.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: عدم الْمُنَافَاة لَيْسَ مَحل النزاع وَلَا يَقْتَضِيهِ، وَأَنا أَقُول بذلك أَيْضا، وَلَا يكون ذَلِك دَلِيلا عَليّ فِي مَحل النزاع الَّذِي هُوَ وجوب الْقصاص، وَهُوَ لَيْسَ عدم الْمُنَافَاة وَلَا مُلَازمَة.
-
الثَّانِي: أَن يستنتج مِنْهُ إبِْطَال مَا يتَوَهَّم مِنْهُ أَنه مَأْخَذ مَذْهَب الْخصم: كَقَوْلِنَا - أَيْضا - فِي الْقَتْل / بالمثقل: التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة لَا يمْنَع وجوب الْقصاص، كالتفاوت فِي المتوسل إِلَيْهِ.
-
فَيَقُول الْخصم: أَنا أَقُول بِمُوجب ذَلِك، وَلَكِن لَا يلْزم من ذَلِك وجوب الْقصاص الَّذِي هُوَ مَحل النزاع؛ إِذْ لَا يلْزم من إبِْطَال كَون التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة مَانِعا انْتِفَاء كل مَانع، وَوُجُود الشَّرَائِط، فَيجوز أَن لَا يجب الْقصاص لمَانع آخر، أَو لفَوَات شَرط، أَو لعدم الْمُقْتَضِي.
-
وَالصَّحِيح أَن الْمُعْتَرض إِذا قَالَ: إِن مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُسْتَدلّ لَيْسَ ماخذ إمامي - يصدق، فَإِنَّهُ أعرف بمذهبه وَمذهب إِمَامه.
-
ثمَّ لَو لزمَه إبداء المأخذ، فَإِن مكن الْمُسْتَدلّ من إِبْطَاله، صَار مُعْتَرضًا، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَة.
-
وَقيل: لَا يصدق إِلَّا بِبَيَان مَأْخَذ آخر، إِذْ رُبمَا كَانَ ذَلِك مأخذه، وَلكنه معاند.
-
ورد: بِأَنَّهُ لَو أَوجَبْنَا عَلَيْهِ ذكر المأخذ فَإِن مكنا الْمُسْتَدلّ من إِبْطَاله، لزم قلب الْمُسْتَدلّ مُعْتَرضًا والمعترض مستدلا، وَإِن لم يُمكنهُ فَلَا فَائِدَة فِي إبداء المأخذ لِإِمْكَان ادعائه مَا لَا يصلح، ترويجا لكَلَامه.
- vol. 1, p. 3679
وَأَجَازَهُ جمع من أَصْحَابنَا مِنْهُم: أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ.
وَقَالَ: فَإِن أبْطلهُ الْمُسْتَدلّ وَإِلَّا انْقَطع.
قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَأكْثر القَوْل بِالْمُوجبِ هَذَا الْقسم، أَي: الَّذِي يستنتج فِيهِ مَا يتَوَهَّم أَنه مَأْخَذ الْخصم وَلم يكن كَذَلِك، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَكثر لخفاء المأخذ، وَقلة العارفين بِهَذَا والمطلعين على أسرارها، بِخِلَاف محَال الْخلاف فَإِن ذَلِك مَشْهُور، فكم من يعرف مَحل الْخلاف وَلَكِن لَا يعرف المأخذ!
-
الثَّالِث: أَن يكون دَلِيل الْمُسْتَدلّ مُقْتَصرا فِيهِ على الْمُقدمَة الْكُبْرَى، مسكوتا عَن الصُّغْرَى، فَيرد القَوْل بِالْمُوجبِ من أجل حذفهَا.
-
مثل أَن يَقُول الْحَنْبَلِيّ أَو الشَّافِعِي فِي وجوب نِيَّة الْوضُوء: كل مَا ثَبت أَنه قربَة اشْتِرَاط فِيهِ النِّيَّة كَالصَّلَاةِ، ويسكت عَن قَوْله: وَالْوُضُوء قربَة.
-
فَإِذا اعْترض بالْقَوْل بِالْمُوجبِ.
قَالَ: هَذَا مُسلم، وَلَكِن من أَيْن يلْزم اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْوضُوء؟ فَإِنَّمَا ورد هَذَا لكَون الصُّغْرَى محذوفة، / فَلَو ذكرت لم يتَوَجَّه لَهُ اعْتِرَاض بالْقَوْل بِالْمُوجبِ.
-
وَإِنَّمَا يرد الِاعْتِرَاض بِالْمَنْعِ للصغرى، بِأَن يُقَال: لَا نسلم أَن الْوضُوء قربَة، نعم يشْتَرط فِي الصُّغْرَى أَن تكون غير مَشْهُورَة، أما لَو كَانَت مَشْهُورَة فَإِنَّهَا تكون كالمذكورة، فَيمْنَع وَلَا يُؤْتى بالْقَوْل بِالْمُوجبِ.
- vol. 1, p. 3680
تَنْبِيهَانِ: الأول: قَالَ الجدليون: إِن فِي القَوْل بِالْمُوجبِ انْقِطَاعًا لأحد المتناظرين؛ لِأَن الْمُسْتَدلّ إِن أثبت مَا ادَّعَاهُ انْقَطع الْمُعْتَرض. وَمَا قَالُوهُ صَحِيح فِي الْقسمَيْنِ الْأَوَّلين كَمَا عرف، وَهُوَ بعيد فِي الْقسم الثَّالِث؛ لاخْتِلَاف المرادين، لِأَن مُرَاد الْمُسْتَدلّ أَن الصُّغْرَى وَإِن كَانَت محذوفة لفظا فَإِنَّهَا مَذْكُورَة تَقْديرا، وَالْمَجْمُوع يُفِيد الْمَطْلُوب، وَمُرَاد الْمُعْتَرض أَن الْمَذْكُور لما كَانَت الْكُبْرَى وَحدهَا وَهِي لَا تفِيد الْمَطْلُوب، توجه الِاعْتِرَاض.
-
الثَّانِي: جَوَاب الْقسم الأول بِأَنَّهُ مَحل النزاع، أَو مُسْتَلْزم لمحل النزاع، كَمَا لَو قَالَ حنبلي، أَو شَافِعِيّ: لَا يجوز قتل الْمُسلم بالذمي، قِيَاسا على الْحَرْبِيّ.
-
فَيُقَال بِالْمُوجبِ؛ لِأَنَّهُ يجب قَتله بِهِ، وقولكم: لَا يجوز نفي الْإِبَاحَة، الَّتِي مَعْنَاهَا اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ، ونفيها لَيْسَ نفيا للْوُجُوب، وَلَا مستلزما لَهُ.
-
فَيَقُول الْحَنْبَلِيّ: المعني بِلَا يجوز تَحْرِيمه، وَيلْزم من ثُبُوت التَّحْرِيم نفي الْوُجُوب لِاسْتِحَالَة الْجمع بَين الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم.
-
وَجَوَاب الْقسم الثَّانِي: بِأَن يبين فِي المستنتج أَنه المأخذ بِالنَّقْلِ عَن أَئِمَّة الْمَذْهَب وشهرة المأخذ.
-
وَجَوَاب الْقسم الثَّالِث بِأَن الْحَذف لإحدى المقدمتين سَائِغ عِنْد الْعلم بالمحذوف، والمحذوف مُرَاد وَمَعْلُوم فَلَا يضر حذفه، وَالدَّلِيل هُوَ الْمَجْمُوع لَا الْمَذْكُور وَحده، وَكتب الْفِقْه مشحونة بذلك، بل لَا يكَاد يُوجد ذكر المقدمتين فِي قِيَاس إِلَّا نَادرا؛ قصدا للاختصار والاستشهاد، أَو للقرينة وَنَحْوهمَا.
- vol. 1, p. 3681
فَائِدَة: كَون القَوْل بِالْمُوجبِ قادحا / فِي الْعلَّة ذكره الْآمِدِيّ، وَأَتْبَاعه، والهندي، ووجهوه بِأَنَّهُ إِذا كَانَ فِيهِ [تَسْلِيم] مُوجب مَا ذكره الْمُسْتَدلّ من الدَّلِيل، وَأَنه لَا يرفع الْخلاف علمنَا أَن مَا ذكره لَيْسَ بِدَلِيل الحكم.
-
وَنَازع التَّاج السُّبْكِيّ فِي ذَلِك فَقَالَ: " إِن هَذَا يخرج لفظ القَوْل بِالْمُوجبِ عَن إجرائه على قَضيته، بل الْحق أَن القَوْل بِالْمُوجبِ تَسْلِيم لَهُ.
-
وَهَذَا مَا اقْتَضَاهُ كَلَام الجدليين، وإليهم الْمرجع فِي ذَلِك، وَحِينَئِذٍ لَا يتَّجه عده من مبطلات الْعلَّة " انْتهى.
-
وَبِذَلِك صرح - أَيْضا - أَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان " .
-
[فَقَالَ] : مَتى تحقق انْقَطع، وَلَيْسَ اعتراضا فِي الْحَقِيقَة لِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ فِيهِ على صِحَة الْعلَّة.
-
وَسبق قَرِيبا أَن الجدليين قَالُوا: إِن فِيهِ انْقِطَاعًا لأحد المتناظرين.