الخال وارث من لا وارث له

101 paragraphs · vol. 1, p. 3673

Page 3 of 3

  1. نعم، على الْمُعَلل دفع الِاعْتِرَاض عَنهُ بِدَلِيل، وَلَا يَكْفِيهِ الْمَنْع الْمُجَرّد، فَإِن ذكر دَلِيله وَمنع ثَانِيًا فَكَمَا سبق، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِي الْأَمر إِمَّا إِلَى الإفحام أَو الْإِلْزَام.

    vol. 1, p. 3693
  2. فالإفحام عِنْدهم: انْقِطَاع الْمُسْتَدلّ بِالْمَنْعِ، أَو بالمعارضة، على مَا يَأْتِي بِمَاذَا يحصل الِانْقِطَاع.

  3. والإلزام: انْتِهَاء دَلِيل الْمُسْتَدلّ إِلَى مُقَدمَات ضروية أَو يقينية مَشْهُورَة يلْزم الْمُعْتَرض الِاعْتِرَاف بهَا، وَلَا يُمكنهُ الْجحْد فَيَنْقَطِع بذلك، فَإِذا الْإِلْزَام من الْمُسْتَدلّ للمعترض، والإفحام من الْمُعْتَرض للمستدل ".

  4. قَوْله: (فَائِدَة) .

    vol. 1, p. 3694
  5. (الجدل: فتل الْخصم عَن قَصده لطلب صِحَة قَوْله وَإِبْطَال غَيره) .

  6. ذكرنَا هُنَا فَائِدَة فِي أَحْكَام الجدل، وآدابه، وَحده، وَصفته، لَا يسع طَالب الْعلم الْجَهْل بهَا، بل يَنْبَغِي لَهُ مَعْرفَتهَا والتخلق بهَا، لخصتها من " أصُول ابْن مُفْلِح " ، وزدت عَلَيْهِ بعض شَيْء، وَهُوَ لخصها من " وَاضح ابْن عقيل " ، وَزَاد عَلَيْهِ بعض شَيْء.

  7. أما حَده: فَهُوَ فتل الْخصم عَن قَصده لطلب صِحَة قَوْله وَإِبْطَال غَيره؛ لِأَن لَهُ مَعْنيين لُغَة وَاصْطِلَاحا.

  8. فاللغة كَمَا قَالَ فِي " الْقَامُوس " : " جدله يجدله ويجدله أحكم فتله " ، " والجدل محركة: اللدد فِي الْخُصُومَة وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا، جادله فَهُوَ جدل وَمجدل، ومجدال ومجدل كمنبر ومحراب ومقعد: الْجَمَاعَة منا) .

  9. وَنقل ابْن مُفْلِح عَن أهل اللُّغَة فَقَالَ: (الإجدال هُوَ الظفر عِنْدهم. وجدلت الْحَبل اجدله جدلا: فتلته فَتلا محكما. والجدالة: الأَرْض، يُقَال: طعنه فجدله: أَي رَمَاه فِي الأَرْض، فانجدل / أَي: فَسقط. وجادله، أَي: خاصمه، مجادلة وجدالا، وَالِاسْم: الجدل، وَهُوَ شدَّة فِي الْخُصُومَة ".

    vol. 1, p. 3695وَقَالَ القَاضِي، وَابْن عقيل، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن الْبَنَّا، وَغَيرهم: وَهُوَ تردد الْكَلَام بَين خصمين، يطْلب كل مِنْهُمَا تَصْحِيح قَوْله وَإِبْطَال قَول خَصمه، وَقيل: إحكام كَلَامه ليرد بِهِ كَلَام خَصمه.

  10. وَيَأْتِي كَلَام الْجَوْزِيّ فِي " الْإِيضَاح " وَتَفْسِير الفتل قَرِيبا.

    وَقَالَ ابْن عقيل - أَيْضا -: " اعْلَم أَن الجدل: هُوَ الفتل للخصم عَن الْمَذْهَب بالمحاجة فِيهِ، وَلَا يَخْلُو أَن يفتل عَنهُ بِحجَّة أَو شُبْهَة، وَأما الشغب فَلَيْسَ مِمَّا يعْتد بِهِ مَذْهَب.

  11. وَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون فَتلا على طَريقَة السُّؤَال، أَو على طَريقَة الْجَواب، فطريقة السُّؤَال: الْهدم للْمَذْهَب، كَمَا أَن طَريقَة الْجَواب: الْبناء للْمَذْهَب؛ لِأَن على الْمُجيب أَن يَبْنِي مذْهبه على الْأُصُول الصَّحِيحَة، وعَلى السَّائِل أَن يعجزه عَن ذَلِك أَو عَن ذَلِك الِانْفِصَال مِمَّا يلْزمه عَلَيْهِ من الْأُمُور الْفَاسِدَة، فأحدهما معجز عَن قِيَاس الْحجَّة على الْمَذْهَب، [و] الآخر مُبين لقِيَام الْحجَّة عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مَا يَدعِيهِ كل وَاحِد إِلَى أَن يظْهر مَا يُوجب استعلاء أَحدهمَا على الآخر بِالْحجَّةِ.

  12. وكل جدل فَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لأجل الْخلاف فِي الْمَذْهَب، وَلَو ارْتَفع الْخلاف لم يَصح جدل، وَذَلِكَ أَن السَّائِل إِذا لم يكن غَرَضه فتل الْمَسْئُول عَن

    vol. 1, p. 3696مذْهبه فَلَيْسَ سُؤَاله بسؤال جدل، وَكَذَلِكَ الْمُجيب إِذا لم يكن غَرَضه فتل [السَّائِل] عَن مذْهبه لم يكن جَوَابه جدلا، وَلَا بُد من مَذْهَب يَخْتَلِفَانِ فِيهِ، فَيكون أَحدهمَا على الْإِيجَاب، وَالْآخر على السَّلب: كاختلاف اثْنَيْنِ فِي الِاسْتِطَاعَة هَل هِيَ قبل الْفِعْل أَو مَعَ الْفِعْل؟ " انْتهى.

  13. قَوْله: (وَهُوَ مَأْمُور بِهِ على وَجه الْإِنْصَاف وَإِظْهَار الْحق) .

    قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْزِيّ فِي " الْإِيضَاح ": " اعْلَم وفقنا اللَّهِ وَإِيَّاك أَن معرفَة هَذَا الْعلم لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا نَاظر، وَلَا يتمشى بِدُونِهَا كَلَام مناظر؛ لِأَن بِهِ يتَبَيَّن صِحَة الدَّلِيل من / فَسَاده تحريرا وتقريرا، وتتضح الأسئلة الْوَارِدَة من الْمَرْدُودَة إِجْمَالا وتفصيلا، ولولاه لاشتبه التَّحْقِيق فِي المناظرة بالمكابرة، وَلَو خلي كل مُدع وَدَعوى مَا يرومه على الْوَجْه الَّذِي يخْتَار، وَلَو مكن كل مَانع من ممانعه مَا يسمعهُ مَتى شَاءَ - لَأَدَّى إِلَى الْخبط وَعدم الضَّبْط.

  14. وَإِنَّمَا المراسيم الجدلية تفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَتبين الْمُسْتَقيم من

    vol. 1, p. 3697السقيم، فَمن لم يحط بهَا علما كَانَ فِي مناظرته كحاطب ليل.

  15. وَيدل عَلَيْهِ الِاشْتِقَاق، فَإِن الجدل من قَوْلك: جدلت الْحَبل أجدله جدلا: إِذا فتلته فَتلا محكما.

  16. وَله بِهَذَا الِاشْتِقَاق مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن يكون استعمالك إِيَّاه فِي محافل النّظر سَببا لفتل خصمك إِلَى موافقتك بتوجيه أدلتك وَإِبْطَال شبهته.

  17. الثَّانِي: أَن يكون سمي بذلك لكَونه محكما للأدلة والأسئلة والأجوبة، مبرما لمنتشرها بقوانينه الْمُعْتَبرَة " انْتهى.

    وَقَالَ فِي " الْوَاضِح ": " قَالَ بعض أهل الْعلم: الْغَرَض بالجدل إِصَابَة الْحق بطريقه.

  18. فاعترضه حنبلي قَالَ: ذَلِك هُوَ النّظر؛ لِأَن غَرَض النَّاظر إِصَابَة الْحق بطريقة، لَكِن الْغَرَض بالجدل من الْمنصف نقل الْمُخَالف عَن الْبَاطِل إِلَى الْحق، وَعَن الْخَطَأ إِلَى الْإِصَابَة، وَمَا سوى هَذَا فَلَيْسَ بغرض صَحِيح، مثل: بَيَان غَلَبَة الْخصم، وصناعة المجادل " انْتهى.

    وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْزِيّ فِي " الْإِيضَاح ": " أول مَا يجب الْبدَاءَة بِهِ حسن الْقَصْد فِي إِظْهَار الْحق طلبا لما عِنْد اللَّهِ، فَإِن آنس من نَفسه الحيد عَن الْغَرَض الصَّحِيح، فليكفها بِجهْدِهِ، فَإِن ملكهَا، وَإِلَّا فليترك المناظرة فِي ذَلِك الْمجْلس: وليتق السباب والمنافرة؛ فَإِنَّهُمَا يضعان الْقدر، ويكسبان الْوزر. وَإِن زل خَصمه فليوقفه على الله، غير مخجل لَهُ بالتشنيع عَلَيْهِ،

    vol. 1, p. 3698فَإِن أصر أمسك، إِلَّا أَن يكون ذَلِك الزلل مِمَّا يحاذر استقراره عِنْد السامعين، فينبههم على الصَّوَاب فِيهِ بألطف الْوُجُوه جمعا بَين المصلحتين " انْتهى.

  19. قَوْله: / (دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَفعله الصَّحَابَة وَالسَّلَف، وَحكي إِجْمَاعًا) .

  20. الْجِدَال مَأْمُور بِهِ لقصد الْحق وإظهاره كَمَا تقدم، دلّ على ذَلِك الْقُرْآن، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وجادلهم بالتى هى أحسن} [النَّحْل: ١٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن} [العنكبوت: ٤٦] وَقَوله تَعَالَى: {قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين} [الْبَقَرَة: ١١١] .

  21. وَقد فعله الصَّحَابَة - رَضِي اللَّهِ عَنْهُم - كَمَا فعل ذَلِك ابْن عَبَّاس لما جادل الْخَوَارِج، والحرورية، وَرجع مِنْهُم عَن مقَالَته خلق كثير، وَكَذَلِكَ غَيره.