بلا كيف ولا شرح ولا يقال
124 paragraphs · vol. 1, p. 3699
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 3726
وَفِي الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل: الْأَدَب معيار الْعُقُول، ومعاملة الْكِرَام، وَسُوء الْأَدَب مقطعَة للخير، ومدمغة للجاهل، فَلَا تتأخر إهانته، وَلَو لم يكن إِلَّا هجرانه وحرمانه.
-
وَأما الأدون: فيكلم بِكَلَام اللطف والتفهيم، إِلَّا أَنه يجوز أَن يُقَال لَهُ إِذا أَتَى بالْخَطَأ: هَذَا خطأ، وَهَذَا غلط من قبل كَذَا، ليذوق مرَارَة سلوك الْخَطَأ فيجتنبه، وحلاوة الصَّوَاب فيتبعه، ورياضة هَذَا وَاجِبَة على الْعلمَاء، وَتَركه سدى مضرَّة لَهُ، فَإِن عود الْإِكْرَام الَّذِي يسْتَحقّهُ الْأَعْلَى طبقَة، أخلد إِلَى خطئه، وَلم يزعه عَن الْغَلَط وازع، ومقام التَّعْلِيم والتأديب تَارَة بالعنف، وَتارَة باللطف، وسلوك أَحدهمَا يفوت فَائِدَة الآخر، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأما السَّائِل فَلَا تنهر} [الضُّحَى: ١٠] ، وَقيل فِي التَّفْسِير: إِنَّه السَّائِل فِي الْعُلُوم دون سُؤال المَال، وَقيل: هُوَ عَام فيهمَا ".
-
وَكَانَ قَالَ قبل ذَلِك: فصل: إِذا كَانَ أحد الْخَصْمَيْنِ فِي الْجِدَال أحسن عبارَة، وَالْآخر مقصرا عَنهُ فِي [البلاغة] - فَرُبمَا أَدخل ذَلِك الضيم على الْمعَانِي الصَّحِيحَة.
-
وَالتَّدْبِير فِي ذَلِك: أَن يقْصد إِلَى الْمَعْنى الَّذِي قد رتبه صَاحبه بعبارته عَنهُ، فيعبر عَنهُ بِعِبَارَة أُخْرَى تدل عَلَيْهِ، من غير تَزْيِين لَهُ، فَإِنَّهُ يظْهر فِي
vol. 1, p. 3727نَفسه، وَيبين / العوار الَّذِي فِيهِ، وينكشف عِنْد الْحَاضِرين التمويه الَّذِي وَقع بِهِ.
-
وَكَذَلِكَ إِذا أردْت أَن تمتحن معنى قد أَتَى بِهِ بليغ، فانقله إِلَى غير تِلْكَ الْعبارَة، ثمَّ تَأمله فَإِن كَانَ حسنا فِي نَفسه، فَإِنَّهُ لَا يبطل حسنه نَقله عَن عبارَة إِلَى عبارَة، كَمَا لَا يبطل حسنه نَقله من الفارسية إِلَى الْعَرَبيَّة.
-
وَإِذا كَانَت عبارَة السَّائِل أَو الْمُسْتَدلّ [تقصره] عَن تَحْقِيق الْحجَّة و [الشُّبْهَة] ، وَكَانَ خَصمه قَادِرًا على إخْرَاجهَا إِلَى عبارَة تنكشف بهَا قُوَّة كَلَامه، فَيَنْبَغِي أَن يُخرجهَا بعبارته إِلَى الْإِيضَاح، فَإِن اتَّضَح فِيهَا الْحق اتبعهُ، وَإِن كَانَ شُبْهَة بعد إيضاحها زيفه وأبطله.
-
وَإِذا كَانَ أحد الْخَصْمَيْنِ فِي الجدل قد [أَخطَأ] فِي بعض الْمذَاهب، فاحذر الاغترار بذلك، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي خطئه فِي مَذْهَب دَلِيل على أَنه قد أَخطَأ فِي مَذْهَب آخر، فَلَا تلْتَفت إِلَى التمويه، بِأَن بعض مَذَاهِب فلَان تتَعَلَّق بِبَعْض، فَإِن فسد وَاحِد مِنْهَا فسد جَمِيعهَا، فَإِن ذَلِك يحملك على التخطئة بِغَيْر بَصِيرَة لمن لَعَلَّه أَن يكون مصيبا فِيمَا أَتَى بِهِ، فَاعْتبر ذَلِك، وَلَا تتكل على مثل هَذَا الْمَعْنى، وَلَكِن إِذا كثر خَطؤُهُ أوجبت ذَلِك تُهْمَة لمذهبه، وَقلة سُكُون إِلَى اخْتِيَاره، من غير أَن يحصل ذَلِك دَلِيلا على فَسَاده لَا محَالة.
- vol. 1, p. 3728
وَإِذا كَانَ الْخصم مَعْرُوفا بالمجون فِي الجدل، وَقلة الاكتراث بِمَا يَقُول وَمَا يُقَال لَهُ، لَيْسَ غَرَضه إِقَامَة حجَّة، وَلَا بَصِيرَة ديانَة، وَإِنَّمَا يُرِيد الْمُطَالبَة والمباهاة، وَأَن يُقَال: علا قرنه، وَغلب خَصمه، أَو قطع خَصمه، فَيَنْبَغِي أَن تجتنب وتحذر مكالمته، فَلَيْسَ يحصل بمناظرته دين وَلَا دينا، وَرُبمَا ورد على خَصمه مَا يخجله وَلَا يستحسن مكافأته عَلَيْهِ فَيَنْقَطِع فِي يَدَيْهِ، فَيكون فِي انْقِطَاعه فتْنَة لمن حَضَره.
-
وَإِذا كَانَ الْغَرَض بالجدل إِدْرَاك الْحق بِهِ، وَكَانَ السَّبِيل إِلَى ذَلِك التثبت والتأمل، وَجب على كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ / استعمالهما، وَإِلَّا حصلا على مُجَرّد الطّلب مَعَ [حرمَان] الظفر، وحاجة كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ إِلَى التنبه عَن مَا يَأْتِي بِهِ صَاحبه كحاجة الآخر إِلَى ذَلِك ".
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: وَإِذا كَانَ الصَّبْر على شغب الْمسَائِل فِي الجدل فَضِيلَة، والحلم عَن بادرة إِن كَانَت مِنْهُ رفْعَة - فَيَنْبَغِي لمن أحب اكْتِسَاب الْفَضَائِل أَن يسْتَعْمل ذَلِك بِحَسب علمه بِمَا لَهُ فِيهِ من الْحَظ الجزيل وَالْمحل الْجَلِيل، وَلَيْسَ ينقصهُ الْحلم إِلَّا عِنْد جَاهِل، وَلَا يضيع مِنْهُ الصَّبْر على شغب الْمسَائِل، إِلَّا عِنْد غبي يعْتَقد أَن ذَلِك من الذل والركاكة وقصور اللِّسَان فِي الشغب هُوَ الْفضل، فَإِن من خَاضَ تعوده، وَمن تعوده حرم الْإِصَابَة واستروح إِلَيْهِ، وَمن عرف بذلك سقط سُقُوط الذّرة، وَمن صَبر على ذَلِك وحلم عَنهُ ارْتَفع فِي نفوس الْعلمَاء، ونبل عِنْد أهل الجدل، وَبَانَتْ مِنْهُ الْقُوَّة على نَفسه، حَيْثُ منعهَا الْمُقَابلَة على الْجفَاء بِمثلِهِ وَالْقُوَّة على خَصمه، أحوجه
vol. 1, p. 3729إِلَى الشغب، لَا سِيمَا إِذا ظهر مِنْهُ أَنه فعل ذَلِك حرصا على الْإِرْشَاد إِلَى الْحق، ومحبة للاستنقاذ من الْبَاطِل الَّذِي أثارته الشُّبْهَة من الضلال الْمُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى العطب والهلاك، فَلهُ بِهَذِهِ النِّيَّة الجميلة الثَّوَاب من ربه، والمدحة من كل منصف حَضَره أَو سمع بِهِ.
-
وَإِذا كَانَ الْمجْلس مجْلِس عصبية على أحد الْخَصْمَيْنِ بالتخليط عَلَيْهِ، وَقل فِيهِ التَّمْكِين من الْإِنْصَاف، فَيَنْبَغِي أَن يحذر من الْكَلَام فِيهِ، فَإِنَّمَا ذَلِك إثارة للطباع وجلب للأفحاش، ويفضي إِلَى انْقِطَاع الْقوي الْمنصف بِمَا يتداخله من الْغَضَب وَالْغَم الْمَانِع لَهُ من صِحَة النّظر، والصادين لَهُ عَن طَرِيق الْعلم، وكل صناعَة فَإِن الْعلم بهَا غير الجدل فِيهَا.
-
وَذَلِكَ أَن الْعلم بهَا هُوَ الْمعرفَة بِجَوَاب مسَائِل الْفتيا فِيهَا الَّتِي ترد إِلَى المصادرة لَهَا.
-
فَأَما الجدل فَإِنَّمَا هُوَ الْحجَّاج فِي مسَائِل الْخلاف مِنْهَا. /
فالعلم صناعَة، والجدل صناعَة، إِلَّا أَن الْعلم مَادَّة الجدل؛ لِأَن الجدل بِغَيْر علم بِالْحجَّةِ والشبهة فَإِنَّمَا هُوَ شغب، وَإِنَّمَا الِاعْتِمَاد فِي الجدل على إِقَامَة الْحجَّة، أَو حل الشُّبْهَة فِيمَا وَقعت فِيهِ مُخَالفَة.
-
وَإِذا كَانَ الجدل قد صد عَنهُ آفَة عرضت لبَعض من هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَن يعْمل فِي إِزَالَة تِلْكَ الآفة ليرتفع الصَّاد عَنهُ، وَيظْهر للنَّفس الْحَاجة إِلَيْهِ وَمِقْدَار الْمَنْفَعَة بِهِ.
-
فَمن الْآفَات فِيهِ: الشُّبْهَة الدَّاخِلَة على النَّفس فِي تقبيحه، أَو أَنه [لَا] يُؤَدِّي إِلَى حق، وَلَا يحصل بِهِ نفع.
- vol. 1, p. 3730
وَمِنْهَا: التَّقْلِيد، والإلف وَالْعَادَة، وَالنَّظَر فِيمَا عَلَيْهِ الأسلاف، أَو الْآبَاء، أَو الأجداد.
-
وَمِنْهَا: الْمحبَّة للرئاسة، والميل إِلَى الدُّنْيَا، والمفاخرة والمباهاة بهَا، والتشاغل بِمَا فِيهِ اللَّذَّة، وَمَا يَدْعُو إِلَى الشَّهْوَة، دون ماتوجبه الْحجَّة، وَيَقْضِي بِهِ الْعقل والمعرفة.
-
فعلى نَحْو هَذَا من الْأَسْبَاب تكون الآفة الصارفة عَنهُ والموجبة لَهُ.
-
وَيَنْبَغِي لمن عرف هَذِه الْآفَات أَن يجْتَهد فِي نَفيهَا وَمَا شاكلها، ويتحرز مِنْهَا وَمن أَمْثَالهَا، فَإِن الْمضرَّة بهَا عَظِيمَة، فَمن عرفهَا وتحرز مِنْهَا بصر رشده، وَأمن الزيغ.
-
نسْأَل اللَّهِ أَن يوفقنا للصَّوَاب من القَوْل وَالْعَمَل برحمته " انْتهى.
-
قَوْله: (وانتقال السَّائِل انْقِطَاع عِنْد الْأَكْثَر، وَخَالف الشَّيْخ والشاشي، وَقَالَ: لَو قَالَ: ظننته لَازِما فمكنوني من سُؤال آخر فخلاف، قَالَ: وَالأَصَح يُمكن من أدنى وَمن أَعلَى، قَولَانِ) .
-
" اعْلَم أَن [الِانْقِطَاع] على أَرْبَعَة أضْرب.
-
أَحدهَا: السُّكُوت للعجز.
- vol. 1, p. 3731
الثَّانِي: جحد الضرورات، وَدفع المشاهدات، والمكابرة، والبهت.
-
وَالدَّلِيل على أَن هَذَا من الِانْقِطَاع أَن الْمُجيب إِنَّمَا يَبْنِي جَوَابه على تَصْحِيح الْمُشَاهدَة والاستشهاد [بالمعقول] ، وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُوم عِنْد إجَابَته، فَإِذا لم يجد فِي الْعُقُول والضرورات شَيْئا يُحَقّق / بِهِ مذْهبه وَيتم بِهِ جَوَابه، فقد عجز عَمَّا ضمنه على نَفسه بِخُرُوجِهِ عَن الْمَعْقُول والضرورات إِلَى المكابرة والبهت، وَإِنَّمَا تَمام الشَّرْط أَن يكون مادته من هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ، أَعنِي: الْعقل والضرورة، دون مَا صَار إِلَيْهِ، وَهَذَا الضَّرْب شَرّ من الأول، أَعنِي: السُّكُوت؛ لِأَن أحسن الْأُمُور إِذا لم يجد حَقًا يتَكَلَّم بِهِ أَن يمسك عَن الْبَاطِل، وأقبح مَا ينْطق بِهِ من الْبَاطِل بهت الْعُقُول والطبائع والحواس ومكابرتها.
-
الضَّرْب الثَّالِث: المناقضة، وَهُوَ: أَن يَنْفِي بآخر كَلَامه مَا أثْبته بأوله، أَو يثبت بِآخِرهِ مَا نَفَاهُ فِي أَوله.
-
وَالدَّلِيل على أَن هَذَا الضَّرْب انْقِطَاع أَيْضا: أَن الْمُجيب لما ابْتَدَأَ بالإثبات كَانَ قد ضمن على نَفسه تَحْقِيقه وَالدّلَالَة على صِحَّته، وَبنى سَائِر الْجَواب عَلَيْهِ، و [ملاءمة] مَا يُورِدهُ بعده لَهُ، فَإِذا نَفَاهُ فقد عجز عَن تَصْحِيح مَا ضمنه من ذَلِك على نَفسه، وافتقر إِلَى نقضه عِنْد الْإِيَاس من صِحَّته.
-
وَصَاحب هَذَا الضَّرْب احسن حَالا من المباهت؛ لِأَن الرُّجُوع عَن الْبَاطِل عِنْد انكشافه أحسن من المكابرة، وَالرُّجُوع إِلَى الْحق حسن جميل، وَلَا عيب فِي الْعَجز عَن نصْرَة الْبَاطِل كَمَا لَا عيب فِي الرُّجُوع عَنهُ.
-
وَالضَّرْب الرَّابِع: الِانْتِقَال عَن الاعتلال بِشَيْء إِلَى الاعتلال بِغَيْرِهِ.
- vol. 1, p. 3732
وَالدّلَالَة على أَن هَذَا الضَّرْب انْقِطَاع: أَن الْمُعَلل إِذا ابْتَدَأَ بعلة فقد ضمن على نَفسه تَصْحِيح مذْهبه بهَا وَمَا تفرع عَنْهَا.
-
وَذَلِكَ أَنه لم يُعلل بهَا إِلَّا وَهِي عِنْده صَحِيحَة مصححة لما علل لَهُ، فَإِذا انْتقل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا فقد عجز عَن الْوَفَاء بِمَا وعد، والإيفاء بِمَا ضمن، وافتقر إِلَى غَيرهَا لتَقْصِيره عَمَّا ظَنّه بهَا ".
-
إِذا علم هَذَا فانتقال السَّائِل انْقِطَاع عِنْد أَكثر الْعلمَاء.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء.
-
وَقدمه ابْن عقيل فِي " واضحه " وَغَيره.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين والشاشي من الشَّافِعِيَّة: لَيْسَ الِانْتِقَال بِانْقِطَاع.
قَالَ الشَّاشِي: فَإِن قَالَ: ظننته لَازِما فمكنوني من سُؤال آخر، فِيهِ خلاف.
vol. 1, p. 3733قَالَ: وَالأَصَح: يُمكن من أدنى، فَأَما من أَعلَى: كانتقاله من الْمُعَارضَة إِلَى الْمَنْع.
-
فَقيل: لَا يُمكن؛ لتكذيبه لنَفسِهِ.
-
وَقيل: يُمكن؛ لِأَن قَصده الاسترشاد. /
قَالَ: وَترك المسؤول الدَّلِيل لعجز فهم السَّائِل لَيْسَ انْقِطَاعًا لقصة إِبْرَاهِيم.
-
وَقيل: بلَى؛ لِأَنَّهُ [الْتزم تفهيمه] .
قَالَ ابْن عقيل فِي " الْفُنُون " : لما قَابل نمْرُود قَول الْخَلِيل فِي الْحَيَاة الْحَقِيقَة بِالْحَيَاةِ المجازية، انْتقل إِلَى دَلِيل لَا يُمكنهُ يُقَابل الْحَقِيقَة فِيهِ بالمجاز.
-
وَمن انْتقل من دَلِيل غامض إِلَى دَلِيل وَاضح، فَذَلِك طلب للْبَيَان، وَلَيْسَ انْقِطَاعًا.
قَالَ فِي " الْوَاضِح " : " فَإِن قيل: فقد انْتقل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من عِلّة إِلَى غَيرهَا، وَكَانَ فِي مقَام المحاجة، كَمَا أخبر اللَّهِ تَعَالَى عَنهُ، وَبِهَذَا تعلق من رأى أَن الِانْتِقَال من دَلِيل إِلَى غَيره لَيْسَ بِانْقِطَاع، وَلَا خُرُوج عَن مُقْتَضى الْجِدَال وَالْحجاج.
- vol. 1, p. 3734
قيل: لم يكن انْتِقَاله للعجز؛ لِأَنَّهُ قد كَانَ يقدر أَن يُحَقّق مَعَ نمْرُود حَقِيقَة الْإِحْيَاء الَّذِي أَرَادَهُ، وَهُوَ إِعَادَة الرّوح إِلَى جَسَد الْمَيِّت، أَو إنْشَاء حَيّ من الْأَمْوَات، وَأَن الإماتة الَّتِي أرادها هِيَ إزهاق النَّفس من غير ممارسة بِآلَة وَلَا مُبَاشرَة، وَيَقُول لَهُ: إِذا فعلت ذَلِك كنت محيياً مميتاً، أَو أفعل ذَلِك إِن كنت صَادِقا، ومعاذ الله أَن يظنّ ذَلِك بذلك الْكَرِيم، وَمَا عدل عَمَّا ابْتَدَأَ بِهِ إِلَى غَيره عَجزا عَن استتمام النُّصْرَة، لكنه لما رأى نمْرُود غبيا أَو متغابيا بِمَا كشفه عَن نَفسه من الْإِحْيَاء، وَهُوَ الْعَفو عَن مُسْتَحقّ الْقَتْل، والإماتة وَهِي الْقَتْل الَّذِي [يُسَاوِيه فِيهِ] كل أهل مَمْلَكَته وأصاغر رَعيته؛ انْتقل إِلَى الدَّلِيل الأوضح فِي بَاب تعجيزه عَن دَعْوَاهُ فِيهِ الْمُشَاركَة لبادئه، بِحكم مَا رأى من الْحَال، فَلم يُوجد فِي حَقه الْعَجز عَن إتْمَام مَا بدا بِهِ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ ". انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: رأى ضعف فهمه لمعارضته اللَّفْظ بِمثلِهِ، مَعَ اخْتِلَاف الْفِعْلَيْنِ، فانتقل إِلَى حجَّة أُخْرَى قصدا لقطعه لَا عَجزا.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره ": " انْتِقَال إِبْرَاهِيم إِلَى حجَّة أُخْرَى لَيْسَ عَجزا؛ لِأَن حجَّته كَانَت لَازِمَة، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِحْيَاءِ: إحْيَاء الْمَيِّت، فَكَانَ لَهُ أَن
vol. 1, p. 3735يَقُول: فأحي من أمت إِن كنت صَادِقا، فانتقل إِلَى حجَّة أوضح من الأولى " انْتهى. /
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي " النَّهر ": " لما رأى إِبْرَاهِيم مغالطة الْكَافِر، وادعاءه مَا يُوهم أَنه إِلَه، ذكر لَهُ مَا لَا يُمكن أَن يغالط فِيهِ وَلَا أَن يَدعِيهِ، وَقد كَانَ لإِبْرَاهِيم أَن ينازعه فِيمَا ادَّعَاهُ، وَلكنه أَرَادَ قطع تشغيبه عَن قرب، وَأَن لَا يُطِيل مَعَه الْكَلَام، إِذْ شَاهد مِنْهُ مَا لَا يُمكن أَن يَدعِيهِ عَاقل " انْتهى.
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي " تَفْسِيره ": " أعرض إِبْرَاهِيم عَن الِاعْتِرَاض على معارضته الْفَاسِدَة إِلَى الِاحْتِجَاج بِمَا لَا يقدر فِيهِ على نَحْو هَذَا التمويه دفعا للمشاغبة، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عدُول عَن مِثَال خَفِي إِلَى مِثَال جلي من مقدوراته الَّتِي يعجز عَن الْإِتْيَان بهَا غَيره، لَا عَن حجَّة إِلَى أُخْرَى، وَلَعَلَّ نمْرُود [زعم] أَنه يقدر، أَن يفعل كل جنس يَفْعَله اللَّهِ فنقيضه إِبْرَاهِيم بذلك " انْتهى.
قَالَ ابْن التلمساني: قد يُسْتَفَاد بِالْفَرْضِ تضييق مجاري الا عتراض على الْخصم، وَهُوَ من مَقْصُود الجدل، ووضوح التَّقْدِير.
-
وَلِهَذَا الْمَعْنى عدل الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي تَقْرِير الِاسْتِدْلَال على
vol. 1, p. 3736نمْرُود بالأثر على الْمُؤثر، إِلَى الأوضح عِنْده انْتهى.
-
وَتقدم ذَلِك بِلَفْظِهِ فِي آخر عدم التَّأْثِير فِي الْفَرْض.
-
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين - بعد كَلَام الشَّاشِي، وَابْن عقيل، وَابْن الْجَوْزِيّ -: " حَاصله: أَنه يجوز الِانْتِقَال لمصْلحَة، وَلَيْسَ انْقِطَاعًا " .
قَالَ ابْن عقيل: الِانْتِقَال عَن السُّؤَال هُوَ الْخُرُوج عَمَّا يُوجِبهُ أَوله من مُلَازمَة السّنَن فِيهِ، مثل قَوْله: هَل الْخمر مَال لأهل الذِّمَّة؟