بلا كيف ولا شرح ولا يقال

124 paragraphs · vol. 1, p. 3699

Page 2 of 4

  1. وَالْأولَى: أَن يكون الْجَواب مطابقا للسؤال، وَإِن كَانَ أَعم مِنْهُ جَازَ.

    vol. 1, p. 3713
  2. وَإِن كَانَ أخص، فَمنهمْ من جوزه فِي الْفَتْوَى دون الدَّلِيل، وَمِنْهُم من عكس، وَمِنْهُم من منع مُطلقًا، وَمِنْهُم من جوزه مُطلقًا "، وَاخْتَارَ هُوَ الأول.

    قلت: تقدم هَذَا محررا فِي القوادح فِي عدم التَّأْثِير.

  3. قَوْله: (وَيعرف انْقِطَاع السَّائِل بعجزه عَن بَيَان السُّؤَال، وَطلب الدَّلِيل، وَطلب وَجه الدَّلِيل، وطعنه فِي دَلِيل الْمُسْتَدلّ ومعارضته، وانتقاله إِلَى دَلِيل آخر، أَو مَسْأَلَة أُخْرَى قبل تَمام الأول، قَالَ أَبُو الْخطاب: من الِانْتِقَال مَا لَيْسَ انْقِطَاعًا، كمن سُئِلَ عَن رد الْيَمين، وبناه على الحكم بِالنّكُولِ، أَو عَن قَضَاء صَوْم نفل، فبناه على لُزُوم إِتْمَامه، وَإِن طَالبه السَّائِل بِدَلِيل على مَا سَأَلَهُ فانقطاع مِنْهُ لبِنَاء بعض الْأُصُول على بعض، وَلَيْسَ لكلها دَلِيل، يَخُصُّهُ، وَانْقِطَاع المسؤول بعجزه عَن الْجَواب، وَإِقَامَة الدَّلِيل وتقوية وَجه الدَّلِيل، وَدفع اعتراضه، وانقطاعهما بجحد مَا عرف من مذْهبه، أَو ثَبت بِنَصّ أَو إِجْمَاع، وَلَيْسَ مذْهبه خلاف النَّص، وعجزه عَن تَمام مَا شرع فِيهِ، وخلط كَلَامه على وَجه لَا يفهم، وسكوته سكُوت حيرة بِلَا عذر وتشاغله / بِمَا لَا يتَعَلَّق بِالنّظرِ، وغضبه أَو قِيَامه فِي غير مَكَانَهُ وسفهه على خَصمه) .

  4. ذكر ذَلِك الْأَصْحَاب مِنْهُم صَاحب " التَّمْهِيد " وَغَيره، و " الْوَاضِح " وَأطَال، وصور لذَلِك صورا كَثِيرَة، وأجاد وَأفَاد، فجزاهم اللَّهِ خيرا، وَهَذَا كُله وَاضح للمتأمل.

    vol. 1, p. 3714
  5. وَقد قَالَ فِي " الْوَاضِح " : " اعْلَم أَن الِانْقِطَاع هُوَ: الْعَجز عَن إِقَامَة الْحجَّة فِي الْوَجْه الَّذِي ابْتَدَأَ للمقالة.

  6. والانقطاع فِي الأَصْل: هُوَ بَيَان الانتفاء عَن الشَّيْء، وَذَلِكَ أَنه لابد من أَن يكون انْقِطَاع شَيْء [عَن شَيْء] .

  7. وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ.

  8. أَحدهمَا: تبَاعد شَيْء عَن شَيْء: كانقطاع طرف الْحَبل عَن جملَته، وَانْقِطَاع المَاء عَن مجْرَاه.

  9. وَالْآخر: عدم شَيْء عَن شَيْء: كانقطاع ثَانِي الْكَلَام عَن ماضيه.

    vol. 1, p. 3715
  10. وَتَقْدِير الِانْقِطَاع فِي الجدل، على أَنه انْقِطَاع الْقُوَّة عَن النُّصْرَة للْمَذْهَب الَّذِي شرع فِي نصرته.

  11. وَذَلِكَ أَن الْمَسْأَلَة تكون مراتبها خَمْسَة، فَيكون مَعَ المجادل قُوَّة على الْمرتبَة الأولى وَالثَّانيَِة، ثمَّ يَنْقَطِع فَلَا يكون لَهُ قُوَّة على الْمرتبَة الثَّالِثَة وَمَا بعْدهَا من الْمَرَاتِب، وَانْقِطَاع الْقُوَّة عَن الثَّالِثَة عجز عَن الثَّانِيَة، فَلذَلِك قُلْنَا: الِانْقِطَاع فِي الجدل عجز عَنهُ، فَكل انْقِطَاع فِي الجدل عجز عَنهُ، وَلَيْسَ كل عجز عَنهُ انْقِطَاعًا فِيهِ، وَإِن كَانَ عَاجِزا عَنهُ ".

  12. وَأطَال فِي ذَلِك جدا.

  13. ثمَّ ذكر الِانْقِطَاع بالمكابرة، ثمَّ بالمناقضة، ثمَّ بالانتقال، ثمَّ

    vol. 1, p. 3716بالمشاغبة، ثمَّ بالاستفسار، ثمَّ بِالرُّجُوعِ إِلَى التَّسْلِيم، ثمَّ بجحد الْمَذْهَب، ثمَّ بالمسابة، وَذكر لكل وَاحِد من ذَلِك فصلا.

    وَقَالَ أَيْضا: والانقطاع أَرْبَعَة أضْرب:

    أَحدهَا: السُّكُوت للعجز.

  14. وَالثَّانِي: جحد الضروريات، وَدفع المشاهدات، والمكابرة، والبهت، وَهَذَا الضَّرْب شَرّ من الأول.

  15. وَالثَّالِث: المناقضة.

  16. وَالرَّابِع: الِانْتِقَال عَن الاعتلال بِشَيْء إِلَى الاعتلال بِغَيْرِهِ.

    vol. 1, p. 3717
  17. وَيَأْتِي فِي انْتِقَال السَّائِل بأتم من هَذَا.

  18. قَوْله: (وَظهر من هَذَا الْقطع بالشغب بالإيهام بِلَا شُبْهَة، وَقَالَهُ ابْن عقيل وَغَيره، وَقَالَ: إِن تَمَادى أعرض [عَنهُ] ، وَهُوَ الأولى بِذِي الرَّأْي

    vol. 1, p. 3718وَالْعقل، / ولاسيما إِن أوهم الْحَاضِرين أَنه سالك طَرِيق الْحجَّة بالاستفسار عَمَّا لَا يستفهم عَن مثله، وَفِي " الْفُصُول " : لَا يَنْبَغِي أَن يَصِيح على الْخصم فِي غير مَوْضِعه انْتهى) .

    قَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " : " فصل فِي الِانْقِطَاع بالمشاغبة، اعْلَم أَن الِانْقِطَاع بالمشاغبة عجز عَن الاستتمام، لما تضمن من نصْرَة الْمقَالة إِلَى الممانعة بالإيهام من غير حجَّة وَلَا شُبْهَة.

  19. وَحقّ مثل هَذَا إِذا وَقع: أَن يفصح فِيهِ بِأَنَّهُ شغب، وَأَن الشغب لَا يسْتَحق زِيَادَة.

  20. فَإِن كَانَ المشاغب مسؤولا، قيل لَهُ: إِن أجبْت عَن الْمَسْأَلَة وَإِلَّا زِدْنَا عَلَيْك، وَإِن لم تجب عَنْهَا أمسكنا عَنْك.

  21. وَإِن كَانَ سَائِلًا قيل لَهُ: إِن حصلت سؤالا سَمِعت جَوَابا، وَإِلَّا فَإِن الشغب لَا يسْتَحق جَوَابا.

  22. فَإِن لج وَتَمَادَى فِي غيه أعرض عَنهُ؛ لِأَن أهل الْعلم إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ على مَا فِيهِ حجَّة أَو شُبْهَة، فَإِذا عرى الجدل عَن الْأَمريْنِ إِلَى الشغب لم يكن فِيهِ فَائِدَة، وَكَانَ الأولى بِذِي الرَّأْي الْأَصِيل وَالْعقل الرصين: أَن يصون نَفسه، ويرغب بوقته عَن التضييع مَعَه، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الِاشْتِغَال بِهِ مَا يُوهم الْحَاضِرين أَن صَاحبه سالك لطريق الْحجَّة، فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ فِي ذَلِك تشبه بِمَا يرى مِنْهُ من حسن الْعبارَة، واغترار بإقبال خَصمه عَلَيْهِ فِي المناظرة، فَحق مثل هَذَا: أَن يبين أَنه على جِهَة المشاغبة دون طَرِيق الْحجَّة أَو الشُّبْهَة " انْتهى.

    vol. 1, p. 3719وَقَالَ فِي " الْفُصُول " فِي طَرِيق الحكم: " لَا يَنْبَغِي أَن يَصِيح على الْخصم فِي غير مَوْضُوعه؛ لِأَنَّهُ يمنعهُ من إِقَامَة حجَّته، وَلِهَذَا منعناه فِي المناظرة والجدل، وجعلناه من الشغب " انْتهى.

  23. قَوْله: (وَفِي " الْوَاضِح " : احذر الْكَلَام فِي مجَالِس الْخَوْف، وَالَّتِي لَا إنصاف فِيهَا، وَكَلَام من تخافه، أَو تبْغضهُ، أَو لَا يفهم عَنْك، واستصغار الْخصم، وَلَا يَنْبَغِي كَلَام من عَادَته ظلم خَصمه، والهزء والتشفي لعدواته، والمترصد للمساوئ والتحريف والتزيد والبهت، وكل جدل وَقع فِيهِ ظلم الْخصم اخْتَلَّ فَيَنْبَغِي أَن يحْتَرز مِنْهُ، وَعَلَيْك [بِالصبرِ] والحلم، وَلَا تنقص بالحلم إِلَّا عِنْد الْجَاهِل، وَلَا بِالصبرِ / على الشغب للمسائل إِلَّا عِنْد غبي وترتفع عِنْد الْعلمَاء، وتنبل عِنْد أهل الجدل، وَمن خَاضَ فِي الشغب تعوده، وَمن تعوده حرم الْإِصَابَة، واستروح إِلَيْهِ، وَمن عرف بِهِ سقط سُقُوط الذّرة، وَمن عرف لرئيس فَضله، وَغفر زلَّة نَظِير، وَرفع نَفسه عَن دني مُسلم من الْغَضَب، وفاز بالظفر، وَلَا رَأْي لغضبان، مَعَ هَذَا لَا يسلم أحد من الِانْقِطَاع إِلَّا من عصمه اللَّهِ، وَلَيْسَ حد الْعَالم كَونه حاذقا بالجدل، فَإِنَّهُ صناعَة، وَالْعلم صناعَة، وَهُوَ مَادَّة الجدل، والمجادل يحْتَاج إِلَى الْعَالم وَلَا عكس، وَيَنْبَغِي أَن يحْتَرز فِي كل جدل من حِيلَة الْخصم.

  24. وآداب الجدل يزين صَاحبه، وَتَركه يشينه، وَلَا يَنْبَغِي أَن ينظر لما اتّفق لبَعض من تَركه من الحظوة فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ إِن كَانَ رفيعا عِنْد الْجُهَّال فَهُوَ سَاقِط عِنْد ذَوي الْأَلْبَاب، وَلَا تغتر بخطأ الْخصم فِي مَذْهَب، فَإِنَّهُ لَا يدل

    vol. 1, p. 3720على الْخَطَأ فِي غَيره، وَإِن صد عَن الجدل آفَة كتقبيحه، وَعدم النَّفْع، والتقليد، والإلف وَالْعَادَة، ومحبته الرِّئَاسَة، والميل إِلَى الدُّنْيَا، والمفاخرة - أزالها.

  25. وَيجب لكل مِنْهُمَا الْإِجْمَال فِي خطابه، وإقباله عَلَيْهِ، وتأمله لما يَأْتِي بِهِ، وَترك قطع كَلَامه، والصياح فِي وَجهه، والضجر عَلَيْهِ، والإخراج لَهُ عَمَّا عَلَيْهِ، والاستصغار لَهُ، وَإِذا نفرت النُّفُوس، عميت الْقُلُوب، وخمدت الخواطر، وانسدت أَبْوَاب الْفَوَائِد، [ورياضة] الأدون وَاجِبَة على الْعلمَاء، وَتَركه سدى مضرَّة لَهُ، فَإِن عود لترك مَا يسْتَحقّهُ الْأَعْلَى أخلد إِلَى خطابه، وَلم يزعه عَن الْغَلَط وازع، ومقام التَّعْلِيم والتأدب تَارَة بالعنف، وَتارَة باللطف) .

  26. هَذَا الْكَلَام لخصه ابْن مُفْلِح من كَلَام ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " ، ولخصته من كَلَام ابْن مُفْلِح، وَلَا بَأْس بِذكر كَلَام ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " ، فَإِنَّهُ مطول وَفِيه فَوَائِد وَمَعَان كَثِيرَة.

  27. فقد قَالَ: فصل:

    " قَالَ الْعلمَاء: احذر الْكَلَام فِي مجَالِس الْخَوْف، فَإِن الْخَوْف يذهل الْعقل الَّذِي مِنْهُ يستمد المناظر حجَّته، ويستقي مِنْهُ الرَّأْي فِي دفع شُبُهَات الْخصم،

    vol. 1, p. 3721وَإِنَّمَا يذهله ويشغله بِطَلَبِهِ حراسة نَفسه، / الَّتِي هِيَ أهم من مذْهبه، وَدَلِيل مذْهبه، فاجتنب مكالمة من تخَاف، فَإِنَّهَا مميتة للخواطر، مانعه من التثبيت.

  28. وَاحْذَرْ كَلَام من اشْتَدَّ بغضك إِيَّاه، فَإِنَّهَا دَاعِيَة إِلَى الضجر، وَالْغَضَب من قلَّة مَا يكون مِنْهُ، والضجر وَالْغَضَب مضيق للصدر، ومضعف لقوى الْعقل.

  29. وَاحْذَرْ المحافل الَّتِي لَا إنصاف فِيهَا فِي التَّسْوِيَة بَيْنك وَبَين خصمك فِي الإقبال وَالِاسْتِمَاع، وَلَا أدب لَهُم يمنعهُم من [التسرع] إِلَى الحكم عَلَيْك، وَمن إِظْهَار العصبية لخصمك.

  30. والاعتراض يخلق الْكَلَام، وَيذْهب بهجة الْمعَانِي بِمَا يلجأ إِلَيْهِ من كَثْرَة الترداد، وَمن ترك الترداد مَعَ الِاعْتِرَاض، انْقَطع كَلَامه وَبَطلَت مَعَانِيه.

  31. وَاحْذَرْ استصغار خصمك، فَإِنَّهُ يمْنَع من التحفظ، ويثبط عَن المغالبة، وَلَعَلَّ الْكَلَام يَحْكِي فيعتد عَلَيْك بالتقصير.

  32. وَاحْذَرْ كَلَام من لَا يفهم عَنْك؛ لِأَنَّهُ يضجرك ويغضبك، إِلَّا أَن يكون لَهُ غريزة صَحِيحَة، وَيكون الَّذِي بطأ بِهِ عَن الْفَهم فقد الاعتياد، فَهَذَا خَلِيل مسترشد تعلمه، وَلَيْسَ بخصم فتجادله، وتنازعه.

  33. وَقدر فِي نَفسك الصَّبْر والحلم؛ لِئَلَّا تستفزك بغتات الإغضاب، فَلَو لم يكن فِي الْحلم خَاصَّة لَهَا تجتلب، لكَانَتْ مَعُونَة على المناظرة توجب إِضَافَته إِلَيْهَا.

  34. وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ يسلم أحد من الِانْقِطَاع إِلَّا من قرنه اللَّهِ تَعَالَى بالعصمة من الزلل، وَلَيْسَ حد الْعَالم: أَن يكون حاذقا بالجدل، فالعلم صناعَة، والجدل صناعَة، إِلَّا أَن الْعلم مَادَّة الجدل، والمجادل يحْتَاج إِلَى الْعلم، والعالم لَا يحْتَاج فِي علمه إِلَى المجادل، كَمَا يحْتَاج المجادل فِي جدله إِلَى الْعَالم وَلَيْسَ حد الجدل بالمجادلة: أَن يَنْقَطِع المجادل أبدا، وَلَا يكون مِنْهُ انْقِطَاع كثير إِذا كثرت مجادلته، وَلَكِن المجادل: من كَانَ طَرِيقه فِي الجدل مَحْمُودًا، وَإِن ناله الِانْقِطَاع لبَعض الْآفَات الَّتِي تعرف ".

    ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك:

    " فصل: فِيمَا يجب على الْخَصْمَيْنِ فِي الجدل.

    vol. 1, p. 3722
  35. اعْلَم / أَنه يجب لكل وَاحِد على صَاحبه مثل الَّذِي يجب للْآخر عَلَيْهِ، من الْإِجْمَال فِي خطابه، وَترك التقطيع لكَلَامه، والإقبال عَلَيْهِ، وَترك الصياح فِي وَجهه، والتأمل لما يَأْتِي بِهِ، والتجنب للحدة والضجر عَلَيْهِ، وَترك الْحمل لَهُ على جحد الضَّرُورَة، إِلَّا من حَيْثُ يلْزمه ذَلِك بمذهبه وَترك الْإِخْرَاج لَهُ عَن الْحَد الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون عَلَيْهِ فِي السُّؤَال أَو الْجَواب، وَترك الاستصغار لَهُ، والاحتقار لما يَأْتِي بِهِ، إِلَّا من حَيْثُ يلْزمه الْحجَّة إِيَّاه، والتنبه لَهُ عَن ذَلِك إِن بدر عَنهُ، أَو مناقضة إِن ظَهرت فِي كَلَامه، وَأَن لَا يمانعه الْعبارَة إِذا أدَّت الْمَعْنى، وَكَانَ الْغَرَض إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنى دون الْعبارَة، وَأَن لَا يخرج فِي عِبَارَته عَن الْعَادة، وَأَن لَا يدْخل فِي كَلَامه مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يسْتَعْمل مَا يَقْتَضِي التَّعَدِّي على خَصمه، والتعدي: خُرُوجه عَمَّا

    vol. 1, p. 3723يَقْتَضِيهِ السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَلَا يمنعهُ الْبناء على أَمْثِلَة، وَلَا يشنع مَا لَيْسَ بشنيع فِي مذْهبه، أَو يعود عَلَيْهِ من الشناعة مثله، وَلَا يَأْخُذ على شرف الْمجْلس للاستظهار عَلَيْهِ، وَلَا يسْتَعْمل الْإِيهَام بِمَا يخرج عَن حد الْكَلَام ".

    ثمَّ قَالَ:

    " فصل: فِي الْغَضَب الَّذِي يعتري فِي الجدل. اعْلَم أَنه أَدخل المجادل على توطين النَّفس على الْحلم عَن بادرة إِن كَانَت من الْخصم سلم من سُورَة الْغَضَب وَاعْلَم أَن تِلْكَ البادرة لَا تَخْلُو: إِمَّا أَن تكون من رَئِيس تعرف لَهُ فَضِيلَة أَو نَظِير لَهُ زللة، أَو وضيع ترفع النَّفس عَن مشاغبته ومقابلته فَإِذا عرفت ذَلِك وطنت النَّفس عَلَيْهِ سلمت من سُورَة الْغَضَب اعْلَم أَن الْغَضَب ظفر الْخصم إِذا كَانَ سَفِيها، وَالْغَالِب فِي السَّفه هُوَ الأسفه، كَمَا أَن الْغَالِب فِي الْعلم هُوَ الأعلم وَلَو لم يكن من شُؤْم الْغَضَب إِلَّا أَنه عزل بِهِ عَن الْقَضَاء فَقَالَ الشَّارِع عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يقْضِي القَاضِي حِين يقْضِي وَهُوَ / غَضْبَان " .

  36. وكما أَن القَاضِي يحْتَاج إِلَى صحو من سكر الْغَضَب، يحْتَاج المناظر إِلَى ذَلِك؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاء فِي الِاحْتِيَاج إِلَى الِاجْتِهَاد، وأداة الِاجْتِهَاد الْعقل، وَلَا رَأْي لغضبان، فَيَعُود الوبال عَلَيْهِ عِنْد الْغَضَب بإرتاج طرق النّظر فِي

    vol. 1, p. 3724وَجهه، وضلال رَأْيه عَن قَصده، فَمن أولى الْأَشْيَاء التحفظ من الْغَضَب فِي النّظر والجدل لما فِيهِ من الْعَيْب؛ وَلِأَنَّهُ يقطع عَن اسْتِيفَاء الْحجَّة وَالْبَيَان عَن حل الشُّبْهَة، وَلَا يقطع عَلَيْهِ كَلَامه فَإِنَّهُ مَانع من الْفَهم ".

    ثمَّ قَالَ:

    " فصل: اعْلَم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم فِي الجدل بِحَضْرَة من دأبه التلهي والهزوء والتشفي، ولعداوة بَينه وَبَين الْخصم، وَلَا إِذا كَانَ متحفظا للمساوئ مترصدا لَهَا، والتحريف لِلْقَوْلِ والتزيد فِيهِ بِمَا يُفْسِدهُ، والمباهتة، فَإِن الْكَلَام مَعَ هَذَا تعرض للهجينة، وَالْخُرُوج عَن الطَّرِيقَة والديانة، والتعدي، واستطالة السَّفِيه، وانتصال الْعَالم، وزالت الْفَائِدَة، وَلم يحصل الْمَقْصُود ".

    ثمَّ قَالَ:

    " فصل: فِي تَرْتِيب الْخُصُوم فِي الجدل.

  37. اعْلَم أَنه لَا يَخْلُو الْخصم فِي الجدل من أَن يكون فِي طبقَة خَصمه، أَو أَعلَى، أَو أدون.

  38. فَإِن كَانَ فِي طبقته: كَانَ قَوْله لَهُ: الْحق فِي هَذَا كَذَا دون كَذَا، من قبل كَيْت وَكَيْت، وَلأَجل كَذَا، وعَلى الآخر: أَن يتحَرَّى لَهُ الموازنة فِي الْخطاب، فَذَلِك أسلم للقلوب، وَأبقى لشغلها عَن تَرْتِيب النّظر، فَإِن التطفيف فِي الْخطاب يعمي الْقلب عَن فهم السُّؤَال وَالْجَوَاب.

    vol. 1, p. 3725
  39. وَإِن كَانَ أَعلَى: فليتحر، ويجتنب القَوْل لَهُ: هَذَا خطأ أَو غلط، وَلَيْسَ كَمَا تَقول، بل يكون قَوْله لَهُ: أَرَأَيْت إِن قَالَ قَائِل: يلْزم على مَا ذكرت كَذَا، إِن اعْترض على مَا ذكرت معترض بِكَذَا، فَإِن نفوس الْكِرَام الرؤساء المقدمين تأبى خشونة الْكَلَام، إِذْ لَا عَادَة لَهُم بذلك، وَإِذا نفرت النُّفُوس عميت الْقُلُوب، وخمدت الخواطر، وانسدت أَبْوَاب الْفَوَائِد، فَحرم / الْكل الْفَوَائِد بِسَفَه السَّفِيه، وتقصير الْجَاهِل فِي حُقُوق الصُّدُور، وَقد أدب اللَّهِ تَعَالَى أنبياءه للرؤساء من أعدائه، فَقَالَ لمُوسَى وَهَارُون فِي حق فِرْعَوْن: {فقولا لَهُ قولا لينًا} [طه: ٤٤] .

  40. سَمِعت بعض المشاريخ فِي عُلُوم الْقُرْآن يَقُول: صفة هَذَا القَوْل اللين فِي قَوْله تَعَالَى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى (١٧) فَقل هَل لَك إِلَى أَن تزكّى} [النازعات: ١٧، ١٨] ، وَمَا ذَاك إِلَّا مُرَاعَاة لِقَلْبِهِ، حَتَّى لَا ينْصَرف بالْقَوْل الخشن عَن فهم الْخطاب، فَكيف برئيس تقدم فِي الْعلم، تطلب فَوَائده، ويرجى الْخَيْر فِي إِيرَاده، وَمَا تسنح لَهُ خواطره؟ فأحرى بِنَا أَن نذلل لَهُ الْعبارَة، ونوطئ لَهُ جَانب الْجِدَال لتنهال فَوَائده انهيالا.