قوله فصل

75 paragraphs · vol. 1, p. 4035

Page 2 of 2

  1. إِحْدَاهمَا: أَن يكون لَهُ كِفَايَة، فَهَل لَهُ أَن يَأْخُذ إِذا لم يكن لَهُ شَيْء من بَيت المَال أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ:

    أَحدهمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَهُوَ الصَّحِيح، اخْتَارَهُ فِي " أَعْلَام الموقعين " ، وَهُوَ الْمُخْتَار.

    vol. 1, p. 4047
  2. وَالْوَجْه الثَّانِي: لَهُ الْأَخْذ.

  3. وَأطلقهُمَا فِي " الرِّعَايَة " ، و " آدَاب الْمُفْتِي " ، و " أصُول ابْن مُفْلِح " و " فروعه " .

  4. وَالْحَالة الثَّانِيَة: أَن لَا يكون لَهُ كِفَايَة لَا من مَاله وَلَا من بَيت المَال، فَهَذَا إِذا قَالَ: لَا أَقْْضِي بَيْنكُمَا إِلَّا بِجعْل جَازَ لَهُ الْأَخْذ على الصَّحِيح؛ لِأَنَّهُ إِن لم يَأْخُذ أفْضى إِلَى ضَرَر يلْحقهُ فِي عائلته - إِن كَانُوا - وحرج، وَهُوَ منفي شرعا، وَإِن لم يفت حصل أَيْضا للمستفتى ضَرَر، فَتعين الْجَوَاز، وَقدمه ابْن مُفْلِح فِي " فروعه " .

    قَالَ فِي " الْكَافِي " : " وَإِذا قُلْنَا بِجَوَاز أَخذ الرزق فَلم يحصل لَهُ شَيْء فَقَالَ: لَا أَقْْضِي بَيْنكُم إِلَّا بِجعْل: جَازَ " .

  5. وَقَالَ فِي " الْمُغنِي " ، و " الشَّرْح " : " فَإِن لم يكن للْقَاضِي رزق فَقَالَ:

    vol. 1, p. 4048لَا أَقْْضِي بَيْنكُمَا حَتَّى تجعلا لي جعلا: جَازَ، وَيحْتَمل أَن لَا يجوز " انْتهى.

  6. وَالْقَوْل الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ الْأَخْذ.

    قلت: وَهُوَ ضَعِيف، وَهُوَ احْتِمَال فِي " الْمُغنِي "، وَاخْتَارَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ "، وَالنّظم.

  7. وَمن أَخذ من بَيت المَال لم يَأْخُذ فِي الْحَالَتَيْنِ، لَكِن هَل لَهُ أَخذ أُجْرَة خطه أم لَا؟ فِيهِ وَجْهَان:

    أَحدهمَا: يجوز، وَهُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ هُنَا تبعا لِابْنِ مُفْلِح فِي " أُصُوله ".

  8. وَالْوَجْه الثَّانِي: لَا يجوز لَهُ الْأَخْذ، وَاخْتَارَهُ فِي " أَعْلَام الموقعين ".

  9. وَإِن جعل لَهُ أهل بلد رزقا ليتفرغ لَهُم جَازَ على الصَّحِيح، كالمسألة الَّتِي قبلهَا.

  10. لَكِن ظَاهر هَذَا: وَلَو كَانَ لَهُ كِفَايَة وَمَا يقوم بِهِ، فيشكل، أَو يُقَال: يفهم من قَوْله: ليتفرغ لَهُم، أَنه كَانَ مَشْغُولًا بِمَا يقوم بالعيال، وَهُوَ الظَّاهِر.

    vol. 1, p. 4049
  11. وَقيل: لَا يجوز لَهُ ذَلِك، وَمَال إِلَيْهِ فِي " الرِّعَايَة " ، وَاخْتَارَهُ فِي " آدَاب الْمُفْتِي " .

  12. قَوْله: {وَله قبُول الْهَدِيَّة، وَعنهُ: لَا، إِلَّا أَن يكافيء، قَالَ أَحْمد: لَا يَنْبَغِي أَن يُفْتِي حَتَّى تكون لَهُ نِيَّة ووقار وسكينة، قَوِيا على مَا هُوَ فِيهِ ومعرفته، والكفاية، وَإِلَّا مضغه النَّاس، وَمَعْرِفَة النَّاس، قَالَ ابْن عقيل: هَذِه الْخِصَال مُسْتَحبَّة} .

    قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " : " وَله قبُول هَدِيَّة، وَالْمرَاد لَا يفتيه بِمَا يُريدهُ وَإِلَّا حرمت، زَاد بَعضهم: أَو لينفعه بجاهه أَو مَاله، وَفِيه نظر " انْتهى.

    قَالَ فِي " آدَاب الْمُفْتِي " : " وَله قبُول الْهَدِيَّة، وَقيل: يحرم إِذا كَانَ رشوة على أَن يفتيه بِمَا يُرِيد.

    قلت: أَو يكون لَهُ فِيهِ نفع من جاه أَو مَال فيفتيه لذَلِك بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ

    vol. 1, p. 4050غَيره مِمَّا لَا ينْتَفع بِهِ كنفع الأول " انْتهى.

  13. وَهُوَ مُرَاد ابْن مُفْلِح بقوله: وَفِيه نظر.

  14. فَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر من الْأَصْحَاب: جَوَاز قبُول الْهَدِيَّة للمفتي.

  15. وَنقل الْمَرْوذِيّ: " لَا يقبل الْهَدِيَّة إِلَّا أَن يكافيء ".

    قَالَ أَحْمد: " الدُّنْيَا دَاء وَالسُّلْطَان [دَاء] ، والعالم طبيبه، فَإِذا رَأَيْت الطَّبِيب يجر الدَّاء إِلَى نَفسه فاحذره ".

    قَالَ بعض أَصْحَابنَا: فِيهِ التحذير من استفتاء من يرغب فِي مَال وَشرف بِلَا حَاجَة.

    قَالَ أَحْمد: " لَا يَنْبَغِي أَن يُفْتِي إِلَّا أَن يكون لَهُ نِيَّة، فَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة لم يكن عَلَيْهِ نور وَلَا على كَلَامه نور، وحلم، ووقار، وسكينة، قَوِيا على مَا هُوَ فِيهِ وعَلى مَعْرفَته، والكفاية وَإِلَّا مضغه النَّاس،

    vol. 1, p. 4051وَمَعْرِفَة النَّاس ".

    قَالَ ابْن عقيل: هَذِه الْخِصَال مُسْتَحبَّة، فيقصد الْإِرْشَاد وَإِظْهَار أَحْكَام الله لَا رِيَاء وَلَا سمعة، والتنويه باسمه.

  16. والسكينة وَالْوَقار: ترغب المستفتي، وهم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَيجب أَن يتخلقوا بأخلاقهم.

  17. والكفاية: لِئَلَّا ينْسبهُ النَّاس إِلَى التكسب بِالْعلمِ وَأخذ الْعِوَض عَلَيْهِ، فَيسْقط قَوْله.

  18. وَمَعْرِفَة النَّاس: تحْتَمل حَال الرِّوَايَة وتحتمل حَال المستفتين، فالفاجر لَا يسْتَحق الرُّخص، فَلَا يفتيه بالخلوة بالمحارم مَعَ علمه بِأَنَّهُ يسكر،

    vol. 1, p. 4052وَلَا يرخص لجند وقتنا لمعرفتنا لسفرهم، والتسهيل على معتدات على صِفَات وقتنا؛ لِئَلَّا يضع الْفَتْوَى فِي غير محلهَا.

  19. وَكَذَا قَالَ والخصلة الأولى وَاجِبَة.

  20. وَعَن عمرَان مَرْفُوعا: " وَإِن أخوف مَا أَخَاف على أمتِي: كل مُنَافِق عليم اللِّسَان " ، حَدِيث حسن رَوَاهُ أَحْمد، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ:

    vol. 1, p. 4053مَوْقُوفا أشبه.

  21. وَعَن عمر قَالَ: " كُنَّا نتحدث إِنَّمَا يهْلك هَذِه الْأمة كل مُنَافِق عليم اللِّسَان " ، رَوَاهُ أَبُو يعلى، وَفِيه مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل، وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ.

    vol. 1, p. 4054وَقَالَ معَاذ: " احذر زلَّة الْعَالم وجدال الْمُنَافِق " .

  22. قَوْله: {وَمن عدم مفتيا فَلهُ حكم مَا قبل الشَّرْع من إِبَاحَة، أَو حظر، أَو وقف} .

    قَالَ فِي " آدَاب الْمُفْتِي " : " فَإِن لم يجد الْعَاميّ من يسْأَله عَنْهَا فِي بَلَده وَلَا غَيره، فَقيل: لَهُ حكم مَا قبل الشَّرْع، على الْخلاف فِي الْحَظْر، وَالْإِبَاحَة، وَالْوَقْف، وَهُوَ أَقيس " انْتهى.

    vol. 1, p. 4055
  23. وَقطع بِهِ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " .

  24. قَوْله: {وَيلْزم الْمُفْتِي تَكْرِير النّظر عِنْد تكْرَار الْوَاقِعَة فِي الْأَصَح، وَلُزُوم السُّؤَال ثَانِيًا على الْخلاف، وَعند أبي الْخطاب والآمدي: إِن ظن طَرِيق الِاجْتِهَاد لم يلْزمه، وَإِلَّا لزمَه} .

    vol. 1, p. 4056قَالَ القَاضِي، وَابْن عقيل، وَغَيرهمَا من الْأَصْحَاب: يلْزم الْمُفْتِي تَكْرِير النّظر عِنْد تكْرَار الْوَاقِعَة.

    قَالَ ابْن عقيل: وَإِن لم يُكَرر النّظر كَانَ مُقَلدًا لنَفسِهِ لاحْتِمَال تغير اجْتِهَاده إِذا كرر، قَالَ: وكالقبلة يجْتَهد لَهَا ثَانِيًا.

  25. وَاعْترض: فَيجب تكريره أبدا.

  26. رد: نعم، وَغلط بَعضهم فِيهِ.

  27. وَذكر بعض أَصْحَابنَا: لَا يلْزم؛ لِأَن الأَصْل بَقَاء مَا اطلع عَلَيْهِ وَعدم غَيره.

  28. وَلُزُوم السُّؤَال ثَانِيًا فِيهِ الْخلاف، فَلَا يَكْتَفِي السَّائِل بِالْجَوَابِ الأول على الصَّحِيح كَمَا قُلْنَا فِي تكَرر النّظر.

  29. وَعند أبي الْخطاب والآمدي: إِن ذكر الْمُفْتِي طَرِيق الِاجْتِهَاد لم يلْزمه، وَإِلَّا لزمَه.

    vol. 1, p. 4057
  30. وَهُوَ ظَاهر.

    وَقَالَ كثير من الْعلمَاء: للمسألة أَحْوَال: لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يَتَجَدَّد لَهُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعه عَمَّا ظهر لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الأول أَو لَا، وكل مِنْهُمَا إِمَّا مَعَ كَونه ذَاكِرًا لدَلِيل ذَلِك الْمَاضِي أَو لَا.

  31. الأول من الْأَرْبَعَة: أَن يَتَجَدَّد مَا يَقْتَضِي الرُّجُوع، وَلكنه ذَاكر الدَّلِيل الأول، فَإِن كَانَ راجحا على مَا يَقْتَضِي الرُّجُوع عمل بِالْأولِ، وَلَا يُعِيد الِاجْتِهَاد.

  32. الثَّانِي: أَن لَا يكون ذَاكِرًا للدليل الأول فَيجب أَن يُعِيد الِاجْتِهَاد قطعا، قَالَه الشَّافِعِيَّة، لِأَنَّهُ لَا ثِقَة بِبَقَاء الظَّن، وَإِن كَانَ الأصوليون حكوا فِيهِ قولا بِالْمَنْعِ، بِنَاء على أَن الظَّن السَّابِق قوي فَيعْمل بِهِ؛ لِأَن الأَصْل عدم رُجْحَان غَيره عَلَيْهِ.

  33. الثَّالِث: أَن لَا يَتَجَدَّد لَهُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعه، وَهُوَ ذَاكر الدَّلِيل الأول، فَلَا يلْزمه أَن يُعِيد الِاجْتِهَاد قطعا.

    vol. 1, p. 4058
  34. الرَّابِع: أَن يَتَجَدَّد مَا يَقْتَضِي الرُّجُوع وَلَا هُوَ ذَاكر للدليل الأول، فَهَذَا يلْزمه أَن يُعِيد الِاجْتِهَاد ثَانِيًا، فَإِن وَافق مُقْتَضَاهُ الأول فَظَاهر، وَإِن خَالفه عمل بِالثَّانِي.

  35. وَأما المستفتي إِذا أفتاه الْمُفْتِي بِحكم ثمَّ تَجَدَّدَتْ الْوَاقِعَة، وَقُلْنَا إِن الْمُجْتَهد يُعِيد اجْتِهَاده، يجب على السَّائِل أَن يُعِيد السُّؤَال؛ لِأَنَّهُ قد يتَغَيَّر نظر الْمُفْتِي وَهَذَا الصَّحِيح، لَكِن مَحل الْخلاف إِذا عرف المستفتي أَن جَوَاب الْمُفْتِي مُسْتَند إِلَى الرَّأْي كالقياس أَو شكّ فِي ذَلِك، وَالْغَرَض أَن الْمُقَلّد حَيّ، فَإِن عرف استناد الْجَواب إِلَى نَص أَو إِجْمَاع فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَة السُّؤَال ثَانِيًا قطعا، وَكَذَا لَو كَانَ الْمُقَلّد مَيتا.