أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا وهو مرادنا واختصاره مشاهد بالعيان كذلك إذ لو كان مطولا لكان أوسع وأكبر حجما وإنما اختصرناه لمعان منها لئلا يحصل الملل بالإطالة ومنها ليحفظ فإن حفظ المختصر أيسر
81 paragraphs · vol. 1, p. 124
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 124
وَسمي اختصاراً لاجتماعه، وَمِنْه المخصرة، وخصر الْإِنْسَان.
-
والاختصار فِي الْكَلَام مَحْمُود للْحَدِيث الْآتِي قَرِيبا، وَقَالَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -: " خير الْكَلَام مَا قل وَدلّ وَلم يطلّ فيمل " ، فقربته وقللت أَلْفَاظه حجماً.
-
والاختصار تقليل الشَّيْء، فقد يكون بتقليل مسَائِله، وَقد يكون بتقليل أَلْفَاظه مَعَ تأدية الْمَعْنى، وَمِنْه قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أُوتيت جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لي الْكَلَام اختصاراً " ، وَهُوَ مرادنا.
-
واختصاره مشَاهد بالعيان كَذَلِك، إِذْ لَو كَانَ مطولا لَكَانَ أوسع وأكبر حجماً، وَإِنَّمَا اختصرناه لمعان.
-
مِنْهَا: لِئَلَّا يحصل الْملَل بالإطالة.
-
وَمِنْهَا: ليحفظ، فَإِن حفظ الْمُخْتَصر أيسر وأسهل وأهون على النُّفُوس، فَإِن الْكتاب المطول فِي هَذِه الْأَزْمِنَة وَلَا سِيمَا فِي أصُول الْفِقْه لَا يرغب فِيهِ وَلَا يقْرَأ، فضلا عَن أَن يحفظ، فَإِن الهمم قد قصرت والبواعث قد فترت.
-
وَمِنْهَا: قلَّة الْأَلْفَاظ وَكَثْرَة الْمعَانِي الَّتِي بحثها لَو جازة لَفظه، فيكثر علمه ويقل حجمه.
- vol. 1, p. 125
قَوْله: {فِي أصُول الْفِقْه}
-
أَي: لَا فِي علم غَيره، وَهُوَ الْعلم الْآتِي حَده وتفصيله وَحكمه.
-
قَوْله: {جَامع لمعظم أَحْكَامه} .
-
أَي: يؤلف المتفرق من غَالب أَحْكَامه، إِذْ لم أر فِي / الْغَالِب مَسْأَلَة فِي أصُول الْفِقْه إِلَّا ذكرتها فِيهِ، خُصُوصا فِي الْمَذْهَب.
-
وَمَعَ هَذَا لم أستوعبه، إِذْ جَمِيعهَا لَا يُحِيط بهَا بشر، بل ذكرت المتداول بَين الْعلمَاء الْأَعْيَان غَالِبا، وَفَوق كل ذِي علم عليم.
-
قَوْله: {حاو لقواعده وضوابطه وأقسامه} .
أَي: جَامع ومحرز لقواعده ... إِلَى آخِره.
-
فَمَعْنَى حاو: جَامع، وَإِنَّمَا أتيت بهما لمُخَالفَة اللَّفْظ، وَإِن كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا.
-
وَالْقَوَاعِد جمع قَاعِدَة، والضوابط جمع ضَابِط.
-
وَالْقَاعِدَة: هِيَ الْأَمر الْكُلِّي الَّتِي تنطبق على جزئيات كَثِيرَة تفهم أَحْكَامهَا مِنْهَا.
-
فَمِنْهَا: مَا لَا يخْتَص، بِبَاب كَقَوْلِنَا (الْيَقِين لَا يرفع بِالشَّكِّ) . وَمِنْهَا: مَا يخْتَص، كَقَوْلِنَا: (كل كَفَّارَة سَببهَا مَعْصِيّة فَهِيَ على الْفَوْر) .
- vol. 1, p. 126
وَالْغَالِب فِيمَا يخْتَص بِبَاب وَقصد بِهِ نظم صور متشابهة يُسمى ضابطاً
وَإِن شِئْت قلت: مَا عَم صوراً، فَإِن كَانَ الْمَقْصُود من ذكر الْقدر الْمُشْتَرك الَّذِي بِهِ اشتركت الصُّور فِي الحكم فَهُوَ الْمدْرك.
-
وَإِلَّا فَإِن كَانَ الْقَصْد ضبط تِلْكَ الصُّور بِنَوْع من أَنْوَاع الضَّبْط من غير نظر فِي مأخذها فَهُوَ الضَّابِط وَإِلَّا فَهُوَ الْقَاعِدَة.
-
وَمن الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَهِي الْمَقْصُودَة هُنَا قَوْلنَا: الْأَمر للْوُجُوب، وللفور، وَدَلِيل الْخطاب حجَّة، وَقِيَاس الشّبَه دَلِيل صَحِيح، والْحَدِيث الْمُرْسل يحْتَج بِهِ، وَنَحْو ذَلِك من مسَائِل أصُول الْفِقْه هِيَ قَوَاعِد للمسائل الْفِقْهِيَّة، وَيَأْتِي الْإِلْمَام بذلك فِي التَّكَلُّم على حد أصُول الْفِقْه لقباً إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
-
والأقسام جمع قسم، وَهُوَ الْجُزْء من الشَّيْء.
قَالَ فِي " الْقَامُوس " : (هَذَا يَنْقَسِم قسمَيْنِ، بِالْفَتْح إِذا أُرِيد الْمصدر، وبالكسر إِذا أُرِيد النَّصِيب أَو الْجُزْء من الشَّيْء الْمَقْسُوم) انْتهى.
-
فَهُوَ هُنَا كالجزء المفروز، كالأبواب الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب. / قَوْله: {مُشْتَمل على مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْأَعْلَام} .
-
مُشْتَمل، أَي: محتو أَو مُحِيط، وَهُوَ اسْم فَاعل من اشْتَمَل، يُقَال: اشْتَمَل على كَذَا، أَي: أحَاط بِهِ، قَالَه فِي " الْقَامُوس " .
vol. 1, p. 127وَقَالَ: (شملهم الْأَمر كفرح وَنصر: عمهم، أَو شملهم خير أَو شَرّ: أَصَابَهُم ذَلِك، وأشملهم شرا: عمهم بِهِ، واشتمل بِالثَّوْبِ: أداره على جسده كُله حَتَّى لَا تخرج مِنْهُ يَده، واشتمل عَلَيْهِ الْأَمر: أحَاط بِهِ) انْتهى.
-
والمذاهب: جمع مَذْهَب، وَالْمذهب: الطَّرِيق الْوَاضِح.
-
[يُقَال] : ذهب مذهبا حَقًا، وذهاباً وذهوباً.
-
وَالْمرَاد هُنَا على طَرِيق الْأَئِمَّة، أَي: آراؤهم واختيارهم، وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من الْأَدِلَّة وَالْأَحْكَام.
قَالَ فِي " الْقَامُوس " : (الْمَذْهَب المعتقد الَّذِي يذهب إِلَيْهِ والطريقة وَالْأَصْل) انْتهى.
-
وَالْأَئِمَّة: جمع إِمَام، وَالْإِمَام: الْكَبِير المقتدى بِهِ، الْجَامِع للخير والمتبع.
-
وَالْأَرْبَعَة: هم الإِمَام أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت، وَالْإِمَام أَبُو عبد الله مَالك بن أنس الأصبحي، وَالْإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس،
vol. 1, p. 128وَالْإِمَام أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ، قدس الله أَرْوَاحهم، وَنور ضرائحهم، وَرَضي عَنْهُم وأرضاهم، وَجَعَلنَا من محبيهم وأتباعهم، وَهُوَ مرادي فِي الْمَتْن بِقَوْلِي: (الْأَرْبَعَة) ، وَأما قولي: (الثَّلَاثَة) ، أَو (عِنْد الثَّلَاثَة) ؛ فَإِنِّي لَا أطلق ذَلِك إِلَّا صرحت باسم الرَّابِع، فَيعلم حِينَئِذٍ الثَّلَاثَة.
-
قَوْله: {وأتباعهم} .
-
أَعنِي: ومشتمل على أَقْوَال أتباعهم، أَي: أَتبَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة غَالِبا، أَي الَّذين اتَّبَعُوهُمْ على مذاهبهم وأقوالهم وَمَشوا خَلفهم، وَرُبمَا ذكرتهم بِأَسْمَائِهِمْ، وَهَذَا هُوَ مُعظم الْمَقْصُود من هَذَا التصنيف، فَإِن مدَار الْإِسْلَام واعتماد أَهله قد بَقِي على هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأتباعهم، وَقد ضبطت مذاهبهم وأقوالهم وأفعالهم، وحررت ونقلت من غير شكّ فِي ذَلِك.
-
بِخِلَاف مَذْهَب غَيرهم، وَإِن كَانَ من الْأَئِمَّة الْمُعْتَمد عَلَيْهِم، لَكِن لم تضبط الضَّبْط الْكَامِل، وَإِن كَانَ صَحَّ بَعْضهَا فَهُوَ يسير، فَلَا يَكْتَفِي بِهِ وَذَلِكَ لعدم الِاتِّبَاع، و - أَيْضا - فَإِن أَقْوَالهم إِمَّا أَن تكون مُوَافقَة لقَوْل أحد من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأتباعهم، أَو خَارِجَة / عَن ذَلِك، فَإِن كَانَت مُوَافقَة فقد حصل الْمَقْصُود، وَيحصل بهَا التقوية، وَإِن كَانَت غير مُوَافقَة كَانَت فِي الْغَالِب شَاذَّة لَا يعول عَلَيْهَا، وَقد أذكرهم فَإِنَّهُم أهل لذَلِك.
-
وَأما غَيرهم من أَرْبَاب الْبدع، كالجهمية والرافضة والخوارج والمعتزلة وَنَحْوهم، فَلَا اعْتِبَار بقَوْلهمْ الْمُخَالف لأقوال الْأَئِمَّة وأتباعهم، وَلَا اعْتِمَاد عَلَيْهَا، لَكِن إِن ذكرتها فعلى سَبِيل الْإِعْلَام والتبعية، وَقد
vol. 1, p. 129يذكرهَا الْعلمَاء؛ ليردوا على قَائِلهَا وينفروا عَنهُ، ويعلموا مَا فِيهِ من الدسائس، وَقد ذكر الأصوليون ذَلِك حَتَّى بالغوا، فَذكرُوا بعض مَذَاهِب الْيَهُود وَالنَّصَارَى والسوفسطائية، والسمنية فرقة من عَبدة الْأَصْنَام، والبراهمة وهم الَّذين لَا يجوزون على الله بعث الرُّسُل، والملاحدة وَغَيرهم.
-
وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام سراج الدّين البُلْقِينِيّ يعيب على من يذكر ذَلِك فِي أصُول الْفِقْه، وَيَقُول: (إِنَّمَا مَحل ذَلِك أصُول الدّين) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
- vol. 1, p. 130
قَوْله: {اجتهدت} .
-
أَي: بذلت الوسع. {فِي تَحْرِير نقُوله} .
-
أَي: فِي تقويمها، لما فِيهِ من الْخبط وَالِاخْتِلَاف وَالِاضْطِرَاب الَّذِي لَا يُوجد فِي علم غَيره، حَتَّى رُبمَا وجد عَن عَالم فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة نقُول كَثِيرَة مُخْتَلفَة، فَلهَذَا تحريت النَّقْل الصَّحِيح عَن صَاحبه، وتنكبت عَن غَيره حَيْثُ حصل الِاضْطِرَاب، جهد الطَّاقَة.
-
وَقد أنتقد على كثير من المصنفين عزوهم أقوالاً إِلَى أشخاص وَالْمَنْقُول الصَّحِيح عَنْهُم خِلَافه، أَو قَوْلهم مؤول وَمَا أشبهه.
-
وَنحن نسْأَل الله السّتْر والسلامة والتوفيق للصَّوَاب وَالْهِدَايَة ,
وَقد يكون لأَحَدهم الْقَوْلَانِ وَالثَّلَاثَة فَرُبمَا ذكرتها.
-
قَوْله: {وتهذيب أُصُوله} .
-
أَي: تَخْلِيصهَا وتسهيلها بعبارات وَاضِحَة مقربة إِلَى الْفَهم، مَعَ الْإِتْيَان بِالْمَعْنَى الْجَلِيّ الْوَاضِح.