الكلام على المقدمة
127 paragraphs · vol. 1, p. 139
Page 1 of 4
- vol. 1, p. 139
{أَقُول وَمن الله أَسْتَمدّ المعونة: مَوْضُوع كل علم مَا يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية} .
-
مَوْضُوع: اسْم مفعول، من وضع الشَّيْء، - مَبْنِيّ للْمَفْعُول -، يوضع فَهُوَ مَوْضُوع، أَي: محطوط.
-
قد علمت أَن الْعلم لَا يتَمَيَّز عِنْد الْعقل إِلَّا بعد الْعلم بموضوعه، / فَكل علم يتَمَيَّز عَن غَيره من الْعُلُوم بموضوعه كَمَا يتَمَيَّز برسمه.
-
وَلما كَانَ مَوْضُوع أصُول الْفِقْه أخص من مُطلق الْمَوْضُوع، وَالْعلم بالخاص مَسْبُوق بِالْعلمِ بِالْعَام، وَجب أَولا تَعْرِيف مَوْضُوع الْعلم حَتَّى تحصل معرفَة مَوْضُوع أصُول الْفِقْه، إِذْ كل علم لَهُ مَوْضُوع ومسائل.
-
فموضوع كل علم: مَا يبْحَث فِي ذَلِك الْعلم عَن الْأَحْوَال الْعَارِضَة لَهُ، الذاتية. ومسائله: هِيَ معرفَة تِلْكَ الْأَحْوَال.
-
فموضوع علم الطِّبّ مثلا: هُوَ بدن الْإِنْسَان، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن الْأَمْرَاض اللاحقة لَهُ ومسائل: هِيَ معرفَة تِلْكَ الْأَمْرَاض.
- vol. 1, p. 140
وموضوع علم النَّحْو: الْكَلِمَات، فَإِنَّهُ يبْحَث عَن أحوالها من حَيْثُ الْإِعْرَاب وَالْبناء.
-
وَالْعلم بالموضوع لَيْسَ دَاخِلا فِي حَقِيقَة ذَلِك الْعلم، كَمَا قُلْنَا فِي بدن الْإِنْسَان والكلمات؟
-
وموضوع علم الْفَرَائِض: التركات، لَا الْعدَد على الْأَصَح.
-
إِذا علم ذَلِك؛ فَلَا يبْحَث فِي الْعُلُوم إِلَّا عَن الْأَعْرَاض الذاتية لموضوعاتها، أَي: الَّتِي منشؤها الذَّات بِأَن لحقته لذاته، وَلِهَذَا قُلْنَا: عَن عوارضه الذاتية.
-
والعوارض الذاتية هِيَ الَّتِي تلْحق الشَّيْء لما هُوَ هُوَ، أَي: لذاته، كالتعجب اللَّاحِق لذات الْإِنْسَان، أَو تلْحق الشَّيْء لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للْإنْسَان بِوَاسِطَة أَنه حَيَوَان، أَو تلْحقهُ بِوَاسِطَة أَمر خَارج عَنهُ مسَاوٍ لَهُ كالضحك الْعَارِض للْإنْسَان بِوَاسِطَة التَّعَجُّب.
-
وتفصيل ذَلِك أَن الْعَوَارِض سِتَّة: [لِأَن مَا يعرض] للشَّيْء إِمَّا أَن يكون عروضه لذاته، أَو لجزئه، أَو لأمر خَارج عَنهُ، وَالْأَمر الْخَارِج عَن المعروض: إِمَّا مسَاوٍ لَهُ، أَو أَعم مِنْهُ، أَو أخص مِنْهُ، أَو مباين.
- vol. 1, p. 141
فالثلاثة الأول وَهِي: الْعَارِض لذات المعروض، والعارض لجزئه، والعارض الْمسَاوِي، تسمى أعراضاً ذاتية لاستنادها إِلَى ذَات المعروض.
-
أما الْعَارِض / للذات فَظَاهر، وَأما الْعَارِض للجزء؛ فَلِأَن الْجُزْء دَاخل فِي الذَّات، والمستند إِلَى مَا فِي الذَّات مُسْتَند إِلَى الذَّات فِي الْجُمْلَة.
-
وَأما الْعَارِض لِلْأَمْرِ الْمسَاوِي؛ فَلِأَن الْمسَاوِي يكون مُسْتَندا إِلَى ذَات المعروض، والعارض مُسْتَند إِلَى الْمسَاوِي، والمستند إِلَى الْمُسْتَند إِلَى الشَّيْء مُسْتَند إِلَى ذَلِك الشَّيْء، فَيكون الْعَارِض - أَيْضا - مُسْتَندا إِلَى الذَّات.
- وَالثَّلَاثَة الْأَخِيرَة هِيَ:
-
الْعَارِض لأمر خَارج أَعم من المعروض، كالحركة اللاحقة للأبيض بِوَاسِطَة أَنه جسم، وَهُوَ أَعم من الْأَبْيَض وَغَيره.
-
والعارض للْخَارِج الْأَخَص، كالضحك الْعَارِض للحيوان بِوَاسِطَة أَنه إِنْسَان، وَهُوَ أخص من الْحَيَوَان.
-
والعارض لسَبَب المباين، كالحرارة الْعَارِضَة للْمَاء بِوَاسِطَة النَّار وَهِي مباينة للْمَاء، تسمى أعراضاً غَرِيبَة لما فِيهَا من الغرابة بِالْقِيَاسِ إِلَى ذَات المعروض، وَفِي الْعُلُوم إِنَّمَا يبْحَث عَن الْأَعْرَاض الذاتية لموضوعاتها، قَالَه القطب
vol. 1, p. 142فِي " شرح الشمسية " .
قَالَ التَّفْتَازَانِيّ فِي " شرح الشمسية " : (الثَّالِث: بَيَان مَوْضُوعه، أَعنِي: تعْيين مَا بِهِ يتَمَيَّز هَذَا الْعلم فِي نَفسه عَن الْعُلُوم الْأُخَر حَتَّى يحصل لَهُ اسْم [وَاحِد] على الِانْفِرَاد، فَإِن تمايز الْعُلُوم فِي [ذواتها] لَيْسَ إِلَّا بِحَسب تمايز الموضوعات، حَتَّى لَو لم يكن لهَذَا مَوْضُوع مُغَاير لموضوع ذَلِك بِالذَّاتِ أَو بِالِاعْتِبَارِ لم يَكُونَا علمين، وَلم يَصح تعريفهما بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين، لِأَن الْعلم عبارَة عَن جَمِيع مَا يبْحَث فِيهِ عَن الْأَعْرَاض الذاتية للموضوع بِاعْتِبَار وَاحِد) انْتهى.
-
قَوْله: {فموضوع أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة الموصلة إِلَى الْفِقْه} .
-
يحْتَمل أَن تكون الْفَاء هُنَا فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر، وَتَقْدِير الشَّرْط: إِذا علمت أَن مَوْضُوع كل علم مَا يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية، فموضوع أصُول الْفِقْه كَذَا، فَجَاءَت الْفَاء جَوَاب / هَذَا الشَّرْط الْمَحْذُوف.
-
وَيحْتَمل أَن تكون فَاء التَّفْرِيع.
- vol. 1, p. 143
إِذا علم بذلك؛ فموضوع أصُول الْفِقْه: أدلته من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا، من كَونهَا عَامَّة أَو خَاصَّة، أَو مُطلقَة أَو مُقَيّدَة، أَو مجملة أَو مبينَة، أَو ظَاهِرَة أَو نصا، أَو منطوقة أَو مفهومة، وَكَون اللَّفْظ أمرا أَو نهيا، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ مسَائِله.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (مَوْضُوع أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة الموصلة إِلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَاخْتِلَاف مراتبها، وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا) .
قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه " : (مَوْضُوعه: مَا يبْحَث فِي علم أصُول الْفِقْه عَن أَحْوَاله على وَجه كلي، وَهُوَ الْأَدِلَّة الْمَذْكُورَة) .
وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ: (مَوْضُوع علم الْأُصُول: أَدِلَّة الْفِقْه؛ لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا من كَونهَا، عَامَّة وخاصة، وأمراً ونهياً، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ الْمسَائِل) انْتهى.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ أَيْضا وَغَيره: (وَإِذا كَانَت الْأَدِلَّة هِيَ مَوْضُوع هَذَا الْعلم فَلَا تكون من ماهيته) كَمَا تقدم.
-
وموضوع الْفِقْه: أَفعَال الْعباد من حَيْثُ تعلق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بهَا، ومسائله مَا يذكر فِي كل بَاب.
- vol. 1, p. 144
قَوْله: {ولابد لكل من طلب علما أَن يتصوره بِوَجْه مَا، وَيعرف غَايَته، وَمَا يستمد مِنْهُ} .
-
قَوْله: لابد، أَي: لَا فِرَاق كل من حاول علما من الْعُلُوم وَطلب مَعْرفَته أَن يعرف ثَلَاثَة أُمُور:
أَحدهَا: معرفَة ذَلِك الْعلم، أَي: تصَوره بِوَجْه مَا، لِأَن طلب الْإِنْسَان مَا لَا يعرفهُ، محَال ببديهة الْعقل، وَذَلِكَ الْوَجْه الَّذِي يعرفهُ بِهِ هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يُحِيط بكثرته، ثمَّ يَطْلُبهُ فِي جِهَة تَفْصِيله؟
-
فَإِن عرفه من جِهَة التَّفْصِيل كَانَ طلبه لَهُ محالاً، لِأَنَّهُ تَحْصِيل / الْحَاصِل، ثمَّ الْجِهَة الَّتِي يعرفهُ بهَا إِن كَانَت ذاتية فالمنبئ عَنْهَا الْحَد، وَإِلَّا الرَّسْم، على مَا يَأْتِي.
-
الثَّانِي: معرفَة غَايَة ذَلِك الْعلم؛ لِئَلَّا يكون سَعْيه عَبَثا، لِأَنَّهُ تَضْييع للعمر فِيمَا لَا يعلم لَهُ فَائِدَة.
-
الثَّالِث: أَن يعرف مَا يستمد مِنْهُ؛ ليرْجع فِي تِلْكَ الْجُزْئِيَّة إِلَى محلهَا مِنْهُ.
-
وَاعْلَم أَن أصل هَذِه الْقَاعِدَة: أَن كل مَعْدُوم يُوجد، مُتَوَقف وجوده على أَربع علل:
صورية: وَهِي الَّتِي تقوم بهَا الصُّورَة وتتميز بهَا عَن غَيرهَا، فتصور الْمركب مُتَوَقف على تصور أَرْكَانه وانتظامها على الْوَجْه الْمَقْصُود.
- vol. 1, p. 145
وغائية: وَهِي الباعثة على إيجاده، وَهِي الأولى فِي الْفِكر، مُقَدّمَة على سَائِر الْعِلَل وَإِن كَانَت آخرا فِي الْوُجُود الْخَارِجِي، وَلِهَذَا يُقَال: مبدأ الْعلم مُنْتَهى الْعَمَل، وَيُقَال أَيْضا: هِيَ عِلّة فِي الذِّهْن معلولة فِي الْخَارِج.
-
ومادية: وَهِي الَّتِي مِنْهَا يستمد المركبات أَو مَا فِي حكمهَا.
-
وفاعلية: وَهِي المؤثرة فِي إِيجَاد ذَلِك وإخراجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود.
-
وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِهَذِهِ الْفَائِدَة فِي الْعلَّة الشَّرْعِيَّة فِي خطاب الْوَضع.
-
قَوْله: {فالأصول جمع أصل} .
-
الْفَاء هُنَا كالفاء فِي قَوْلنَا: (فموضوع) ، وَهَذَا بَيَان لَهَا من حَيْثُ جمعهَا وإفرادها، وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء على (فعل) سَاكن الْعين، فبابه فِي جمع الْقلَّة (أفعل) ، نَحْو: (أفلس) و (أكلب) ، وَفِي الْكَثْرَة على (فعال) نَحْو: (حَبل وحبال) و (كلب وكلاب) و (كَعْب وكعاب) ، وعَلى (فعول) نَحْو: فصل وفصول) و (أصل وأصول) و (فرع وفروع) .
-
وَلما قدمنَا: أَن كل طَالب علم لابد لَهُ من معرفَة ثَلَاثَة أُمُور، شرعنا فِي بَيَانهَا، فَفِيمَا نَحن بصدده علم أصُول الْفِقْه، فَلَا بُد من مَعْرفَته / من حَيْثُ الْمَعْنى الْجَامِع لجزئياته كلهَا، وَمَعْرِفَة غَايَته، ومعرة استمداده، فَيعرف حَقِيقَته من أَرَادَ الِاشْتِغَال بِهِ، فَإِن عرف مَا يطْلب هان عَلَيْهِ مَا يبْذل.
- vol. 1, p. 146
فأصول الْفِقْه: مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ، ثمَّ صَار بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِي عرف الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء لَهُ معنى آخر غير الأول وَهُوَ العلمية، فَصَارَ علما عَلَيْهِ بالغلبة، لقباً مشعراً برفعته، فَيَنْبَغِي أَن يعرف من حَيْثُ مَعْنَاهُ الإضافي، وَمن حَيْثُ مَعْنَاهُ اللقبي.
-
إِذا علم ذَلِك؛ فبعض المصنفين بَدَأَ بِمَعْرِِفَة كَونه مُضَافا، فَتكلم على الْمُضَاف أَولا، ثمَّ على الْمُضَاف إِلَيْهِ ثَانِيًا، ثمَّ على كَونه مركبا، وتابعناهم على ذَلِك فِي الْمَتْن، لِأَن معرفَة الْمُفْرد تكون قبل معرفَة الْمركب.
-
وَمن بَدَأَ بِكَوْنِهِ علما قَالَ: صَار ذَلِك كالمفرد، وَهُوَ أظهر وَأولى؛ لِأَن الأول فِيمَا تركيبه ملحوظ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك.