الكلام على المقدمة
127 paragraphs · vol. 1, p. 139
Page 2 of 4
- vol. 1, p. 147
فعلى الأول: كل مركب لَا يعرف إِلَّا بِمَعْرِِفَة أَجْزَائِهِ، فأصول الْفِقْه، مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ، فالمضاف أصُول، وَهِي جمع أصل.
-
{وَهُوَ} أَي: الأَصْل، {لُغَة} : أَي: فِي اللُّغَة: {مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره} .
-
اخْتلفت عباراتهم فِي الأَصْل فِي اللُّغَة، فَقيل: هُوَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره، {قَالَه القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل} ، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ
vol. 1, p. 148فِي شرح الْعُمْدَة "، وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، {وَالْأَكْثَر} .
-
{وَقَالَ جمع: مَا مِنْهُ الشَّيْء} . مِنْهُم الأرموي فِي " الْحَاصِل ".
-
وَقَالَ فِي " الْمَحْصُول " و " الْمُنْتَخب " و " التَّحْصِيل ": (الْمُحْتَاج إِلَيْهِ) .
-
وَقيل: مَا يتَفَرَّع عَنهُ غَيره. وَقَالَ بَعضهم: (هَذِه الْعبارَة أحسن من قَول أبي الْحُسَيْن: " مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره "؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَال: إِن الْوَلَد / يَنْبَنِي على الْوَالِد، وَيُقَال: إِنَّه فَرعه، وَأحسن من قَول صَاحب " الْحَاصِل "
- vol. 1, p. 149
وَجَمَاعَة: " مَا مِنْهُ الشَّيْء " ؛ لاشتراك " من " بَين الِابْتِدَاء والتبعيض، وَأحسن من قَول الإِمَام: " الْمُحْتَاج إِلَيْهِ " ؛ لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بالاحتياج: مَا يعرف فِي علم الْكَلَام من احْتِيَاج الْأَثر إِلَى الْمُؤثر وَالْمَوْجُود إِلَى الموجد، لزم إِطْلَاق الأَصْل على الله تَعَالَى، وَإِن أُرِيد: مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّيْء، لزم إِطْلَاقه على الْجُزْء وَالشّرط وَانْتِفَاء الْمَانِع، وَإِن أُرِيد: مَا يفهمهُ أهل الْعرف من الِاحْتِيَاج، لزم إِطْلَاقه على الْأكل واللبس وَنَحْوهمَا، وكل هَذِه اللوازم مستنكرة) انْتهى.
قَالَ الطوفي فِي " شَرحه " : (و " من " فِي قَوْله: مَا مِنْهُ الشَّيْء للتَّبْعِيض، أَي: مَا بعضه الشَّيْء، وَالْفرع بعض أَصله، كَالْوَلَدِ من الْوَالِد، والغصن من الشَّجَرَة، لِأَن الْفِقْه مقتطع من أدلته اقتطاع الْوَلَد من الْوَالِد والغصن من الشَّجَرَة وَنَحْوه، وَيجوز أَن تكون " من " لابتداء الْغَايَة، على معنى: أَن أَدِلَّة الْفِقْه من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَنَحْوهَا [هِيَ] مبدأ ظُهُوره، وَمِنْهَا ابْتِدَاء بَيَانه، وَهُوَ أظهر الْمَعْنيين فِي " من " .) انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا: (وَزعم بَعضهم أَن تَعْرِيف الشَّيْء ب " مَا " كَانَ فِي التعريفين قَبِيح؛ لِأَن المُرَاد من التَّعْرِيف الْإِيضَاح والإفهام، وَلَفظ " مَا " شَدِيد الْإِبْهَام، فالتعريف بِهِ يُنَافِي الْمَقْصُود.
-
ورده بِأَن " مَا " وَإِن كَانَت شَدِيدَة الْإِبْهَام غير أَن التَّعْرِيف لَيْسَ بهَا وَحدهَا، بل بهَا وَبِمَا بعْدهَا، وبمجموعهما يحصل الْكَشْف عَن حَقِيقَة الْمَحْدُود.
- vol. 1, p. 150
- ثمَّ قَالَ -: نعم المناقشة على ذَلِك من وَجه آخر، وَهُوَ: أَن شَأْن الْحُدُود والتعريفات أَن يَأْتِي فِيهَا بِالْجِنْسِ الْقَرِيب ثمَّ يُمَيّز بِالْفَصْلِ، وَلَفظ " مَا " عَام فِي الْجِنْس الْقَرِيب والبعيد، فَلَا يعلم مَا المُرَاد.
قَالَ: وَالْجَوَاب: / أَن الحذاق لَا يطلقون لفظ " مَا " فِي التَّعْرِيف إِلَّا مَعَ قرينَة تدل على الْجِنْس الْقَرِيب، والقرائن فِي المخاطبات كالألفاظ بل أبلغ فِي الإفهام) انْتهى.
-
وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي " الإحكام " و " مُنْتَهى السول " : (هُوَ مَا يسْتَند تحقق الشَّيْء إِلَيْهِ) .
-
وَقيل: (منشأ الشَّيْء) ، وَلَا طائل تَحت هَذِه الْعبارَات، فَلذَلِك لم نذْكر فِي الْمَتْن مِنْهَا إِلَّا قَوْلَيْنِ، وَإِن كَانَ أهل اللُّغَة لم يذكرُوا هَذِه الْأَقْوَال فِي كتبهمْ، لِأَن الْأُصُولِيِّينَ يتعرضون لِأَشْيَاء لم يتَعَرَّض لَهَا أهل اللُّغَة، وَأما فِي الْعرف فَالْأَصْل مُسْتَعْمل فِي ذَلِك.
-
فَائِدَة: قَوْلنَا مثلا: الأَصْل لُغَة، أَو الْفِقْه لُغَة، أَو الدَّلِيل لُغَة، وَنَحْو ذَلِك، وَاصْطِلَاحا أَو شرعا وَنَحْوه.
- vol. 1, p. 151
اخْتلفُوا فِي الناصب لَهُ.
-
قيل: هُوَ مَنْصُوب بِنَزْع حرف الصّفة، وَتَقْدِيره: أَي: فِي اللُّغَة، وَهَكَذَا أعربه الطوفي فِي " شَرحه " وَغَيره.
وَقَالَ القطب الشِّيرَازِيّ فِي " شرح الْمُخْتَصر " : (وَقَوله: الدَّلِيل لُغَة: المرشد، وَالْإِجْمَاع لُغَة كَذَا، وَشبهه، مَنْصُوب على الْمصدر، من بَاب الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره، لِأَن مَعْنَاهُ: أَي: [مَدْلُول] الدَّلِيل لُغَة: المرشد.
-
لِأَن الدّلَالَة تَنْقَسِم إِلَى: دلَالَة شرع، وَإِلَى دلَالَة عرف، وَإِلَى دلَالَة لُغَة، فَلَمَّا كَانَت مُحْتَملَة وَذكر أحد المحتملات كَانَ من بَاب الْمصدر الْمُؤَكّد، وَكَانَ الْقيَاس أَن يذكر بعد [الْجُمْلَة] وَلكنهَا قدمت للقصد إِلَى أَنَّهَا لبَيَان دلَالَة الدَّلِيل، لِأَنَّهَا لَو أخرت لكَانَتْ صَالِحَة لكل وَاحِد مِنْهَا، وَلَيْسَت تمييزاً عَن النِّسْبَة، إِذْ لَا إِبْهَام فِي حمل المرشد على الدَّلِيل، وَلَا عَن [الْمُفْرد] وَهُوَ الدَّلِيل [إِذْ الْإِبْهَام فِي غير مستو] لكَونه مُشْتَركا) انْتهى.
- vol. 1, p. 152
وَقَوْلنَا مثلا: خلافًا لفُلَان، مَنْصُوب على الْمصدر أَو الْحَال، أَي: أَقُول ذَلِك وَأَنا أخالفهم مُخَالفَة وَخِلَافًا.
-
أَو أَقُول ذَلِك / فِي حَال كوني مُخَالفا لَهُم، وَهُوَ أحسن.
-
قَوْله: {وَاصْطِلَاحا} .
-
أَي: معنى الأَصْل فِي الِاصْطِلَاح. {مَا لَهُ فرع} .
-
قَالَه ابْن حمدَان فِي " مقنعه " وَغَيره، وَهُوَ كَذَلِك؛ لِأَن الْفَرْع إِنَّمَا ينشأ دَائِما عَن أصل، وَالْأَصْل لَا يُطلق غَالِبا إِلَّا على مَا لَهُ فرع.
-
قَوْله: {وَيُطلق على الدَّلِيل} .
-
اعْلَم أَن للْأَصْل أَرْبَعَة إطلاقات إطلاقاً متعارفاً.
-
أَحدهَا: الدَّلِيل، وَيُطلق عَلَيْهِ غَالِبا، صرح بِهِ جمع من الْعلمَاء، كَقَوْلِهِم: أصل هَذِه الْمَسْأَلَة الْكتاب وَالسّنة، أَي: دليلها.
-
فَإِذا وصلته بالفقه وَقلت: دَلِيل الْفِقْه، كَانَ تَفْسِيرا لأصل الْفِقْه من حَيْثُ الْإِضَافَة، وَهُوَ المُرَاد هُنَا.
- vol. 1, p. 153
وَالثَّانِي: يُطلق على الرجحان، أَي: على الرَّاجِح من الْأَمريْنِ، كَقَوْلِك: الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز، أَي: الرَّاجِح عِنْد السَّامع هُوَ الْحَقِيقَة، وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة، وَبَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ.
-
وَالثَّالِث: الْقَاعِدَة المستمرة، أَو الْأَمر المستمر، كَقَوْلِك: أكل الْميتَة على خلاف الأَصْل، أَي: على خلاف الْحَالة المستمرة فِي الحكم.
-
وَالرَّابِع: الْمَقِيس عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يُقَابل الْفَرْع فِي بَاب الْقيَاس على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
-
قَوْله: {الْفِقْه لُغَة: الْفَهم، عِنْد الْأَكْثَر} .
-
الْفِقْه: مصدر فقه، يُقَال: فقه بِكَسْر الْقَاف وَضمّهَا وَفتحهَا.
-
فَالْأول لمُطلق الْفَهم، وَالثَّانِي إِذا كَانَ لَهُ سجية، وَالثَّالِث إِذا ظهر على غَيره، قَالَه الْقَرَافِيّ وَجَمَاعَة. قَالَ فِي " الْقَامُوس " : (فقه ككرم وَفَرح فَهُوَ فَقِيه، وَفقه كندس) .
vol. 1, p. 154وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح الْمُنِير " : (الْفِقْه: فهم الشَّيْء) .
قَالَ ابْن فَارس: (وكل علم بِشَيْء فَهُوَ فقه) .
-
وَالْفِقْه على لِسَان حَملَة الشَّرْع: علم خَاص.
-
وَفقه فقهاً من بَاب تَعب: إِذا علم، وَفقه - بِالضَّمِّ - مثله، وَقيل: الضَّم: إِذا صَار الْفِقْه لَهُ سجية.
قَالَ أَبُو زيد: " رجل فقه - بِضَم الْقَاف وَكسرهَا -، وَامْرَأَة فقهة بِالضَّمِّ " .) انْتهى. /
إِذا علم ذَلِك؛ فَلهُ مَعْنيانِ: معنى فِي اللُّغَة، وَمعنى فِي الِاصْطِلَاح.
-
فَأَما مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة فَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيره على أَقْوَال.
-
أَحدهَا: أَنه الْفَهم، قَالَه الْأَكْثَر؛ لِأَن الْعلم يكون عَنهُ.
vol. 1, p. 155قَالَ الطوفي: (وَمِمَّا يدل على تغايرهما؛ أَن الْفِقْه يتَعَلَّق بالمعاني دون الْأَعْيَان، وَالْعلم يتَعَلَّق بهما، فَيصح أَن يُقَال: علمت معنى كلامك وفهمته) .
قَالَ الْجَوْهَرِي: (الْفِقْه لُغَة: الْفَهم) .
قَالَ أَبُو الْفرج فِي " الْإِيضَاح " : (يُقَال فِي اللُّغَة: فلَان فَقِيه، أَي: فهم، وَفُلَان يفقه عني مَا أَقُول، أَي: يفهم عني مَا أَقُول، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا} [النِّسَاء: ٧٨] ، {وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم} [الْإِسْرَاء: ٤٤] ، {مَا نفقه كثيرا مِمَّا تَقول} [هود: ٩١] ، أَي: لَا يكادون يفهمون، وَلَكِن لَا تفهمون، وَمَا نفهم كثيرا مِمَّا تَقول، وَنَحْوه
قَوْله: {وَهُوَ إِدْرَاك معنى الْكَلَام} .
-
يَعْنِي: معنى الْفَهم: إِدْرَاك معنى الْكَلَام، زَاد ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " : (بِسُرْعَة) ، وَلَا حَاجَة إِلَيْهَا؛ لِأَن من يفهم بعد حِين يُقَال: فهم.
قَالَ القطب الشِّيرَازِيّ - أَي: فِي " شرح الْمُخْتَصر " -: (المُرَاد بالفهم الدَّرك لَا جودة الذِّهْن من جِهَة تهيئه [لاقتناص] مَا يرد عَلَيْهِ من المطالب.
- vol. 1, p. 156
والذهن: قُوَّة النَّفس المستعدة لِاكْتِسَابِ الْحُدُود والآراء) .
-
وَالثَّانِي قَالَه القَاضِي فِي " الْعدة " ، وَابْن فَارس فِي " الْمُجْمل " ، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " التخليص " ، والكيا، والقشيري، وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهم، وَحكي عَن الْأَصْحَاب: الْعلم.
- vol. 1, p. 157
لم أعلم من أَيْن نقلت أَن هَذَا القَوْل حُكيَ عَن الْأَصْحَاب الْآن.
قَالَ ابْن فَارس فِي " الْمُجْمل " : (الْفِقْه الْعلم، وكل علم بِشَيْء فَهُوَ فقه) .
-
وَالثَّالِث قَالَه ابْن الصيقل، وَصَاحب " رَوْضَة فقهنا " ، وَالْغَزالِيّ، والآمدي: هما، أَي: الْفِقْه لُغَة: الْفَهم وَالْعلم.
قَالَ فِي " الْقَامُوس " : (الْفِقْه بِالْكَسْرِ الْعلم بالشَّيْء والفهم) ، وَلم يحك خلافًا.
-
يُقَال: فلَان يفقه الْخَيْر وَالشَّر، ويفقه كَلَام فلَان، أَي: يفهمهُ ويعلمه.