من الأنبياء المرسلين إنما كان مبعوثا لقومه خاصة فهو مبعوث بلسانهم ومحمد

132 paragraphs · vol. 1, p. 280

Page 1 of 4

  1. أَي: فِي اللُّغَة، قد سبق أَن أصُول الْفِقْه يستمد من اللُّغَة، وَذَلِكَ لما كَانَ الِاسْتِدْلَال من الْكتاب وَالسّنة اللَّذين هما أصل الْإِجْمَاع بل وأصل الْقيَاس مُحْتَاجا إِلَى معرفَة اللُّغَة - الَّتِي لَا تعرف دلالتهما إِلَّا بمعرفتها؛ لِأَنَّهُمَا عربيان، وَفهم معانيهما مُتَوَقف على معرفَة لُغَة الْعَرَب، بل هما أفْصح الْكَلَام الْعَرَبِيّ - احْتِيجَ إِلَى مَعْرفَتهَا.

    قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قرءاناً عَرَبيا} [يُوسُف: ٢] ، {وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين} [النَّحْل: ١٠٣] ، {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} [إِبْرَاهِيم: ٤] ، وَغير ذَلِك من الْآيَات.

    vol. 1, p. 280
  2. فَإِن قيل: من سبق نَبينَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين، / إِنَّمَا كَانَ مَبْعُوثًا لِقَوْمِهِ خَاصَّة، فَهُوَ مَبْعُوث بلسانهم، وَمُحَمّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَبْعُوث لجَمِيع الْخلق، فَلم لم يبْعَث بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَة، وَلم يبْعَث إِلَّا بِلِسَان بَعضهم وهم الْعَرَب؟

  3. فَالْجَوَاب: أَنه لَو بعث بِلِسَان جَمِيعهم كَانَ كَلَامه خَارِجا عَن الْمَعْهُود، وَيبعد بل يَسْتَحِيل أَن ترد كل كلمة من الْقُرْآن مكررة بِكُل الْأَلْسِنَة، فَتعين الْبَعْض، وَكَانَ لِسَان الْعَرَب أَحَق؛ لِأَنَّهُ أوسع وأفصح، وَلِأَنَّهُ لِسَان المخاطبين وَإِن كَانَ الحكم عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم، كَذَا قرر

    vol. 1, p. 281ابْن السَّمْعَانِيّ السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَهُوَ حسن.

  4. قَوْله: {سَبَب اللُّغَة حَاجَة النَّاس [إِلَيْهَا] ، ولخفتها، وَكَثْرَة فائدتها} .

  5. وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما خلق النَّوْع الإنساني وَجعله مُحْتَاجا لأمور لَا يسْتَقلّ بهَا، بل يحْتَاج فِيهَا إِلَى المعاونة، ولابد للمعاون من الإطلاع على مَا فِي [نفس] الْمُحْتَاج بِشَيْء يدل، وَذَلِكَ إِمَّا لفظ أَو إِشَارَة أَو كِتَابَة أَو مِثَال أَو نَحوه، وَكَانَ اللَّفْظ أَكثر إِفَادَة وأيسر.

  6. فَأَما كَونه أَكثر إِفَادَة؛ فَلِأَن اللَّفْظ يَقع على الْمَعْدُوم وَالْمَوْجُود وَالْغَائِب والحاضر الْحسي والمعنوي، وَلَا شَيْء من [الْبَاقِي] يستوعب ذَلِك.

  7. وَأما كَونه أيسر؛ فَلِأَنَّهُ مُوَافق لِلْأَمْرِ الطبيعي؛ لِأَن الْحُرُوف كيفيات تعرض للنَّفس الضَّرُورِيّ؟

    قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: (وَإِنَّمَا كَانَ نوع الْإِنْسَان أَكثر حَاجَة من جَمِيع الْحَيَوَانَات، لِأَن غَيره قد يسْتَقلّ بِنَفسِهِ عَن جنسه، وَأما الْإِنْسَان فمطبوع على الافتقار إِلَى جنسه فِي الِاسْتِعَانَة، فَهُوَ صفة لَازِمَة لطبعه، وخلقة قَائِمَة فِي جوهره) .

    قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: (سَبَب وجودهَا: حَاجَة الْإِنْسَان، ليعرف بَعضهم مُرَاد بعض، للتساعد والتعاضد بِمَا لَا مُؤنَة فِيهِ، لخفتها وَكَثْرَة فائدتها، وَلَا مَحْذُور) .

    vol. 1, p. 282
  8. وَهَذِه من نعم الله تَعَالَى / على عباده، فَمن تَمام نعمه علينا أَن جعل ذَلِك بالنطق دون غَيره.

  9. قَوْله: {وَهِي: أَلْفَاظ وضعت لمعان} .

  10. أَي: اللُّغَة أَلْفَاظ، وَقَوله: (أَلْفَاظ) يَشْمَل الْمَوْضُوع والمهمل.

  11. وَقَوله (وضعت لمعان) ليخرج المهمل؛ لِأَنَّهُ لم يوضع لِمَعْنى، وَيَأْتِي قَرِيبا أَنه مَوْجُود، وَلَكِن لم تضعه الْعَرَب قطعا.

  12. قَوْله: {فَمَا احتاجه [الْإِنْسَان] لم تخل من لفظ لَهُ} .

    vol. 1, p. 283
  13. قد تقرر الِاحْتِيَاج إِلَى الْوَضع، فَكلما اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ افْتقر إِلَى مَا يوضع لَهُ، فَلَا بُد لَهُم من وَضعه.

  14. قَوْله: {وَالظَّاهِر عدم خلوها مِمَّا كثرت حَاجته، وَعَكسه [فيهمَا] يجوز [خلوها] } .

  15. الظَّاهِر من اسْتِعْمَال الْعَرَب: عدم خلو اللُّغَة مِمَّا كثرت الْحَاجة إِلَيْهِ، قَالَه الْعلمَاء، وَهُوَ وَاضح، لَا سِيمَا وَهِي أوسع اللُّغَات وأفصحها.

  16. وَعَكسه فيهمَا، يجوز خلوها عَنهُ، يَعْنِي: أَن مَا لَا يحْتَاج أَلْبَتَّة، أَو يحْتَاج إِلَيْهِ فِي النَّادِر، يجوز خلوها مِنْهُ، وَلَيْسَ بممتنع.

    قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه " : (مَا احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ لم تخل اللُّغَة من لفظ يفِيدهُ، وَمَا لم يحتاجوا إِلَيْهِ يجوز خلوها عَمَّا يدل عَلَيْهِ، وَمَا دعت الْحَاجة إِلَيْهِ غَالِبا فَالظَّاهِر عدم خلوها عَنهُ، وَعَكسه بعكسه) انْتهى.

  17. وَحَاصِله: أَن مَعنا أَرْبَعَة أَقسَام:
  18. أَحدهَا: احتاجه النَّاس واضطروا إِلَيْهِ، فَلَا بُد لَهُم من وَضعه.

  19. الثَّانِي: عَكسه، مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ أَلْبَتَّة، يجوز خلوها، وخلوها - وَالله أعلم - أَكثر.

  20. الثَّالِث: مَا كثرت الْحَاجة إِلَيْهِ الظَّاهِر عدم خلوها، بل هُوَ كالمقطوع بِهِ.

    vol. 1, p. 284
  21. الرَّابِع: عَكسه، مَا قلت الْحَاجة [إِلَيْهِ] ، يجوز خلوها مِنْهُ، وَلَيْسَ بممتنع.

  22. قَوْله: {فالصوت: عرض مسموع} .

  23. شرعنا فِي تَبْيِين الملفوظ بِهِ، فَأول مَا يلفظ بِهِ الصَّوْت، ورسمه: عرض مسموع يحصل عِنْد اصطكاك الأجرام، وَسَببه: انضغاط / الْهَوَاء بَين الجرمين، فيتموج تموجاً شَدِيدا، فَيخرج، فيقرع صماخ الآذان، فَتُدْرِكهُ قُوَّة السّمع، وَلِهَذَا تخْتَلف الْأَصْوَات فِي الظُّهُور والخفاء؛ لاخْتِلَاف الْأَجْسَام المتصاككة فِي الصلابة والرخاوة، فصوت الْمُتَكَلّم: عرض حَاصِل عَن

    vol. 1, p. 285اصطكاك أجرام الْفَم - وَهِي مخارج الْحُرُوف - وَرفع النَّفس للهواء حَتَّى أذن السَّامع متكيفاً بِصُورَة كَلَام الْمُتَكَلّم.

  24. وَقَوْلنَا: (الصَّوْت عرض) ، هُوَ جنس يتَنَاوَل جَمِيع الْأَعْرَاض الحيوانية وَغَيرهَا، كالحركات، والألوان والطعوم.

  25. وَقَوْلنَا: (مسموع) ، خرج جَمِيعهَا إِلَّا الْعرض الَّذِي يدْرك بِالسَّمْعِ وَهُوَ الصَّوْت، وَإِنَّمَا بدأنا بالصوت؛ لِأَنَّهُ الْجِنْس الْأَعْلَى للْكَلَام الَّذِي نَحن بصدد الْكَلَام عَلَيْهِ.

  26. قَوْله: {وَاللَّفْظ: صَوت مُعْتَمد على بعض مخارج الْحُرُوف} .

  27. اللَّفْظ لُغَة: الرَّمْي، يُقَال: لفظت النواة: إِذا رميتها، ولفظت النخامة: إِذا نفثتها من فِيك، ثمَّ سمي بِهِ الصَّوْت الْمُعْتَمد على مخرج الْحُرُوف؛ لِأَن الصَّوْت لِخُرُوجِهِ من الْفَم صَار كالجوهر الملفوظ الْملقى، فَهُوَ ملفوظ حَقِيقَة أَو مجَازًا فإطلاق اللَّفْظ عَلَيْهِ من بَاب تَسْمِيَة الْمَفْعُول باسم الْمصدر، كَقَوْلِهِم: نسج الْيمن، وَهَذَا الدِّرْهَم ضرب الْأَمِير، أَي: منسوج الْيمن، ومضروب الْأَمِير.

  28. إِذا عرفت ذَلِك؛ فاللفظ الاصطلاحي نوع للصوت؛ لِأَنَّهُ صَوت مَخْصُوص؛ وَلِهَذَا أَخذ الصَّوْت فِي حد اللَّفْظ؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فِي الشَّيْء جنس ذَلِك الشَّيْء.

  29. وَالْمرَاد بالمخرج: الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْمخْرج الْوَاحِد وَجَمِيع المخارج، وَهُوَ بعض المخارج.

    vol. 1, p. 286
  30. فَلَو قيل: (اللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على بعض مخارج الْحُرُوف) كَانَ أَجود وَأبين، قَالَه الطوفي فِي " شَرحه " ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَتْن: (اللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على مخرج من مخارج الْحُرُوف) . /

    فَلهَذَا قُلْنَا ذَلِك فِي الْمَتْن.

  31. قَوْله: { [وَالْقَوْل: لفظ] وضع لِمَعْنى [ذهني، وَقَالَ الشِّيرَازِيّ، وَابْن مَالك: لخارجي] ، والسبكي: للمعنى من حَيْثُ هُوَ} .

  32. تقدم الْكَلَام على الصَّوْت، وَهُوَ أَعم من اللَّفْظ، وعَلى اللَّفْظ، وَهُوَ أَعم من القَوْل.

  33. وَالْقَوْل فِي اللُّغَة: مصدر قَالَ يَقُول قولا، إِذا نطق، ثمَّ نقل اصْطِلَاحا إِلَى الْمَقُول من اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل.

  34. فَالْقَوْل فِي الِاصْطِلَاح: هُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع لِمَعْنى.

  35. وَإِنَّمَا قُلْنَا: (لِمَعْنى) ليخرج اللَّفْظ المهمل، فاللفظ أَعم من القَوْل - كَمَا تقدم - مُطلقًا عِنْد الْأَكْثَر، وَقطع بِهِ أَكثر الْأُصُولِيِّينَ.

    vol. 1, p. 287
  36. وَذهب بعض النُّحَاة إِلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ، ذكره الْمرَادِي فِي " شرح ألفية ابْن مَالك " ، فيستعمل القَوْل فِي المهمل - أَيْضا - على هَذَا.

  37. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي القَوْل إِذا وضع لِمَعْنى، هَل هُوَ مَوْضُوع للمعنى الذهْنِي - وَهُوَ مَا يتصوره الْعقل - سَوَاء طابق فِي الْخَارِج أَو لَا، أَو للمعنى الْخَارِجِي، أَي: الْمَوْجُود فِي الْخَارِج، أَو للمعنى من حَيْثُ هُوَ من غير مُلَاحظَة كَونه فِي الذِّهْن أَو فِي الْخَارِج؟ على ثَلَاثَة أَقْوَال، أولاها القَوْل الأول، وَهُوَ: كَونه مَوْضُوعا للمعنى الذهْنِي، اخْتَارَهُ الرَّازِيّ،

    vol. 1, p. 288وَأَتْبَاعه، وَابْن حمدَان، وَابْن قَاضِي الْجَبَل من أَصْحَابنَا؛ لدوران الْأَلْفَاظ مَعَ الْمعَانِي الذهنية وجودا وعدماً، فَإِن الْإِنْسَان إِذا رأى شخصا من بعيد تخيله طللاً سَمَّاهُ بذلك، فَإِذا قرب مِنْهُ وظنه شَجرا سَمَّاهُ بِهِ، فَإِذا دنا مِنْهُ وَرَآهُ رجلا سَمَّاهُ بِهِ.

  38. ورد: بِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ لاعتقاد مُطَابقَة الذهْنِي للخارجي، فالمدار على الْخَارِجِي.

    قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (لَكِن الْأُمُور الذهنية إِن طابقت الخارجية دلّت الْأَلْفَاظ عَلَيْهَا بِوَاسِطَة تِلْكَ الْمُطَابقَة) .

  39. وَالْقَوْل الثَّانِي: كَونه مَوْضُوعا للمعنى الْخَارِجِي، وَبِه قطع أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي " شرح اللمع " ؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَسْتَقِر الْأَحْكَام، / وَنَصره ابْن مَالك فِي كتاب " الفيصل " ، وَاخْتَارَهُ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته " .

  40. وَالْقَوْل الثَّالِث: اخْتَارَهُ السُّبْكِيّ الْكَبِير، وأفرد الْمَسْأَلَة بالتصنيف، وَاخْتَارَهُ - أَيْضا - الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ " ، والجاربردي فِي " شَرحه " .

    vol. 1, p. 289