الإنصات حال الخطبتين واجب
16 paragraphs · vol. 1, p. 371
- vol. 1, p. 371
(وأن ينصت حال الخطبتين) : لحديث أبي هريرة، أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت؛ والإمام يخطب؛ فقد لغوت " ؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
-
وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث علي، قال: من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت؛ كان عليه كفل (١) من الوزر، ومن قال: صه؛ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم [صلى الله عليه وسلم] .
- (١)يعني: ضعفا؛ أي: يضاعف عليه الإثم. (ش)
-
وفي إسناده مجهول.
-
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة.
-
أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة: أن الكلام منهي عنه حال الخطبة نهيا عاما، وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام في صلاة التحية؛ من قراءة وتسبيح وتشهد ودعاء، والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر صحيحة (٢) ،
vol. 1, p. 372فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية، إن أراد القيام بهذه السنة المؤكدة، والوفاء بما دلت عليه الأدلة؛ فإنه [صلى الله عليه وسلم] أمر سُليكا الغطفاني - لما وصل إلى المسجد حال الخطبة، فقعد ولم يصل التحية - بأن يقوم فيصلي، فدل هذا على كون ذلك من المشروعات المؤكدة، بل من الواجبات، كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني في رسالة مستقلة، وبينت أنا في " دليل الطالب إلى أرجح المطالب " وجوب صلاة التحية.
- (٢)ليس هذا تخصيصا؛ بل هذا باب، وذاك باب؛ فإن النهي عن الكلام إنما هو نهي عن محادثة غيره، لئلا يلغو، وأما الذكر الذي في الصلاة؛ فهو شيء آخر. (ش)
-
ومن جملة مخصصات صلاة التحية حديث: " إذا جاء أحدكم والإمام يخطب؛ فليصل ركعتين " ، وهو حديث صحيح متضمن للنص في محل النزاع.
-
وأما ما عدا صلاة التحية؛ من الأذكار، والأدعية، والمتابعة للخطيب في الصلاة على النبي [صلى الله عليه وسلم] : فلم يأت ما يدل على تخصيصها من ذلك العموم (١) .
- (١)أي: هي داخلة في النهي عن أن تقال أو تذكر.
-
والمتابعة في الصلاة عليه [صلى الله عليه وسلم] - وإن وردت بها أدلة قاضية بمشروعيتها -: فهي أعم من أحاديث منع الكلام حال الخطبة من وجه، وأخص منها من وجه؛ فيتعارض العمومان، وينظر في الراجح منهما، وهذا إذا كان اللغو المذكور في حديث: " ومن لغا فلا جمعة له " يشمل جميع أنواع الكلام (٢) .
- (٢)هذا هو الصواب - إن شاء الله -، فقول المسلم لأخيه: صه؛ هو أمر بمعروف ونهي عن منكر، ومع ذلك سماه [صلى الله عليه وسلم] : (لغواً) ؛ فكيف بغيره مما هو مثله أو دونه؟ !
-
وأما إذا كان مختصا بنوع منه (٣) - وهو ما لا فائدة فيه -: فليس فيه ما يدل على منع الذكر والدعاء والمتابعة في الصلاة عليه [صلى الله عليه وسلم] .
- (٣)ولا دليل على التخصيص.
- vol. 1, p. 373
وأما حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب؛ فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام " : فقد أخرجه الطبراني في " الكبير " عن ابن عمر، وفي سنده ضعف، كما قاله صاحب " مجمع الزوائد " ، فلا تقوم به الحجة.
- ولكنه قد روي ما يقويه:
-
فأخرج أبو يعلى، والبزار عن جابر (١) ، قال: قال سعد بن أبي وقاص لرجل: لا جمعة لك، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " لم يا سعد؟ ! " ، فقال: لأنه تكلم وأنت تخطب، فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " صدق سعد " ؛ وفي إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف عند الجمهور.
- (١)وقد حسنه - لشواهده - شيخنا في " الصحيحة " (تحت حديث ٢٢٥١) .
-
وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة.
-
وقد ذكر العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " أحاديث تفيد معنى هذا الحديث؛ فليراجع.
-
ويقويها ما يقال: إن المراد باللغو المذكور في الحديث التلفظ، وإن كان أصله ما لا فائدة فيه؛ بقرينة أن قول من قال لصاحبه: أنصت؛ لا يعد من اللغو؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سماه النبي [صلى الله عليه وسلم] لغوا.
-
ويمكن أن يقال: إن ذلك الذي قال: أنصت؛ لم يؤمر في ذلك الوقت بأن يقول هذه المقالة؛ فكان كلامه لغوا حقيقة من هذه الحيثية.