قضاء القاضي وهو غضبان
8 paragraphs · vol. 3, p. 231
- vol. 3, p. 231
(ولا يجوز له الحكم حال الغضب) : لحديث أبي بكرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ".
-
ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن الزبير، عن أبيه في " الصحيحين "، وغيرهما: أنه اختصم هو وأنصاري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير:
vol. 3, p. 232" اسق يا زبير {ثم أرسل الماء إلى أخيك " ، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله} أن كان ابن عمتك؟ {فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " اسق يا زبير} ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (١) " ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في غضبه ورضائه، بخلاف غيره؛ فإن الغضب يحول بينه وبين الحق، ويختلط حال الغضب، ويتشوش خاطره، ويتكدر ذهنه، ويذهل عن الصواب.
- (١)• هو الجدار؛ والمراد به أصل الحائط، وقيل: أصول الشجر، والصحيح الأول؛ كذا في " النيل ". (ن)
-
فلا يصلح الاستدلال بقضائه صلى الله عليه وسلم حال غضبه لهذا الفرق.
-
فالحق: أن حكم الحاكم حال الغضب حرام.
-
وأما كونه يصح أو لا يصح؛ فينبغي النظر في نفس الحكم، فإن كان واقعا على الصواب فالاعتبار بذلك، ومجرد صدوره حال الغضب لا يوجب بطلانه، وهو صواب، وإن كان واقعا على خلاف الصواب فهو باطل.
-
وإذا التبس الأمر: هل هو صواب أو خطأ؟ - كما يحصل الاشتباه في كثير من مسائل الخلاف - فالاعتبار بما رآه الحاكم صوابا؛ لأنه متعبد باجتهاده، فإن وجد حكمه الواقع حال الغضب بعد سكون غضبه صحيحا موافق لما يعتقده حقا؛ فهو صحيح لازم للمحكوم عليه، وإن كان آثما بإيقاع الحكم حال الغضب - كما تقدم - فلا ملازمة بين الإثم وبطلان الحكم، ثم ظاهر النهي التحريم.
-
وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح حكم الغضبان إن وافق الحق.
vol. 3, p. 233قال ابن القيم:
" ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل قلب مستول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه؛ أمسك عن الفتوى، فإن أفتى في هذه الحال بالصواب صحت فتياه، ولو حكم في هذه الحال؛ فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟
-
فيه ثلاثة أقوال: النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ؛ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ في مذهب الإمام أحمد ".