القاذف
8 paragraphs · vol. 3, p. 256
- vol. 3, p. 256
(والقاذف) : لقوله - تعالى -: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} ، بعد قوله: {والذين يرمون المحصنات} ، وقد وقع الخلاف في كتب التفسير والأصول في
- حكم التوبة المذكورة في آخر الآية:
-
قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن الذي يجلد الجلد ثم تاب وأصلح؛ تجوز شهادته، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك.
قلت: وعليه الشافعي.
-
وذهب أبو حنيفة إلى أن شهادة القاذف لا ترد بالقذف، فإذا حد فيه؛ ردت شهادته على التأبيد؛ وإن تاب.
-
وأصل المسألة: أن الاستثناء يعود إلى الفسق فقط في قول أهل العراق، وإلى الفسق وعدم قبول الشهادة جميعا في قول أهل الحجاز.
وقال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات، فكيف تردونها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه؟ {وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدا؛ كيف لا تقبلون توبة القاذف؛ وهو أيسر ذنبا؟}
-
قيل: معنى قول أبي حنيفة؛ أن القاذف ما لم يحد يحتمل أن يكون صادقا وأن يكون معه شهود تشهد بالزنا، فإذا لم يأت بالشهداء وأقيم عليه الحد؛ صار مكذبا بحكم الشرع؛ لقوله - تعالى -: {فأولئك عند الله هم الكاذبون} (١) ، فوجب رد شهادته.
- (١)• الآية بتمامها: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} . (ن)
-
ثم رد شهادة المحدود في القذف تأبيدي عنده؛ لقوله - تعالى -: {ولا
vol. 3, p. 258تقبلوا لهم شهادة أبدا} ، والتأبيد ينافي التعليق؛ فلا يجري فيه القياس.
وقال الواحدي: أبد كل إنسان؛ مقدار مدته فيما يتصل بقصته، يقال: الكافر لا يقبل منه شيء أبدا؛ معناه: ما دام كافرا.
-
كذلك القاذف لا تقبل شهادته أبدا ما دام قاذفا، فإذا زال عنه الكفر زال عنه أبده، وإذا زال عنه الفسق زال أبده؛ لا فرق بينهما في ذلك (١) .
- (١)• وقد مال إلى هذا ابن القيم - رحمه الله -؛ حيث عقد فصلا خاصا لهذه المسألة في " الإعلام " (١ / ١٤٥ - ١٥٢) ؛ أورد فيه حجج الفريقين وما لها وما عليها، ثم استقر بحثه على ما ذكرنا؛ وهو الأقرب إلى الحق، وظاهر النص القرآني: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} . (ن)