ترجمة العلامة صديق حسن خان
26 paragraphs · vol. 1, p. 19
- vol. 1, p. 19
جرى المصنف -رحمه الله- على أن يترجم لنفسه في خواتيم بعض كتبه الهامة، مثل: "أبجد العلوم" (٣/٢٧١) ، و "التاج المكلل" (٥٤١) ، و "إتحاف النبلاء" (٢٦٣) ، وفعل مثل ذلك في خاتمة كتابه "الحِطة في ذكر الصحاح الستة" المطبوع -بتحقيقي- (ص ٤٧١-٤٨٥) .
-
وهو إذ يترجم لنفسه يتوسع في ذلك ويُفيض؛ فيذكر مولده، ونشأته، وأخذه عن العلماء، ورحلاته، وأعماله، ومؤلفاته.
-
بيد أنه لا مناص في هذه المقدمة من إيراد ترجمة وجيزة مختصرةِ له، تضعُ بين يدي القارىء نبذة من حياتهِ -رحمه الله-، فأقول:
* هو أبو الطيب، صديق حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنوجي، نزيل بهوبال - الهند.
-
* كان مولده في التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومئتين وألف من الهجرة النبوية، ببلدة "بريلي" موطن جده لأمه، ثم انتقلت أسرته إلى بلدة "قِنوج" موطن آبائه، ولما بلغ السادسة من عمره انتقل والده إلى رحمة الله -تعالى-، وبقي في حِجر أمه يتيماً، ونشأ عفيفاً، طاهراً، محباً للعلم والعلماء.
-
* سافر إلى "دِهْلِي" ليتم تعليمه فيها، واجتهد في إتقان معارف القرآن
vol. 1, p. 20والسنة وتدوين علومِهما، وكانت له رغبة في اقتناء الكتب، وفهم زائد في قراءتها، وتحصيل فوائدها، وبخاصّةِ كتب التفسير والحديث والأصول، ثم سافر إلى "بهوبال" طلباً للمعيشة، فتزوج ملكتها، وفاز بثروة وافرة.
-
* شيوخه عدة: منهم الشيخ محمد يعقوب أخو الشيخ محمد إسحاق حفيد الشيخ عبد العزيز الدهلوي المحدث، ومنهم الشيخ القاضي حسين بن محسن السبيْعي الأنصاري، والشيخ عبد الحق بن فضل الهندي (١) .
- (١)وقد أكثر المصنفُ -رحمه الله- في كتبه من إطلاق كلمة "شيخنا" عند ذكر الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-، فهذا يشعر أنه قد تتلمذ له، أو أجيز منه! وقال الكتاني في "فهرس الفهارس" (٢/١٠٥٥) : "ما يوجد في كتبه -يعني القِنوجي- من قوله في القاضي الشوكاني: شيخنا؛ فتجوز أو تدليس، وكيف يمكنه الأخذ عن الشوكاني وهو في قطر، والآخر في غيره؟! إلا أن يكون أجاز لأهل عصره! ولا نتحققه ... ". قلت: هو تجوُّز يدللُ المصنف فيه على احترامه وإكباره للشوكاني، وليس بتدليس؛ بديل أنه -رحمه الله- يقول أحياناً عنه: شيخ شيوخنا، ولقد قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "أبجد العلوم" (٣/١٩٤) : "وقد أتحفني شيخي عبد الحق الهندي بكتاب شيخه الشوكاني "إتحاف الإكابر بإسناد الدفاتر"، ولي أسانيد أخرى إلى الشوكاني.. ولله الحمد والمنة". ومثل هذا -تماماً- ما هو مذكور في مقدمته على هذا الكتاب الذي بين أيدينا؛ فانظر (ص ٨٠) منه. قلت: وانظر كلمة الأستاذ إبراهيم إبراهيم هلال في كتاب "قطر الولي" (ص ٣٣) ، ومقدمة الأستاذ محمد إسماعيل السلفي لكتاب "شرف أصحاب الحديث" (ص ١٠) طبع جمعية أهل الحديث - باكستان.
-
* كان له في التأليف مَلكةٌ عجيبة، بحيث يكتب عدة كراريس في يوم واحد، ويصنف الكتب الفخمة في أيام قليلة، وقد شاعت كتبه وانتشرت في أقطار العالم الإسلامي، وكتب له كثير من العلماء رسائل فيها الثناء على كتبه والدعاء له، وعُد من رجال النهضة الإسلامية المجدّدين.
-
* ترجمه الجمُّ الغفير من المصنفين؛ فله ترجمة في: "طبقات الأصوليين" (٣/١٦٠) ، و "مشاهير علماء نجد" (٥٤١-٤٥٧) ، و "حلية البشر" (٢/
vol. 1, p. 21٧٤٦) ، و "أنموذج الأعمال الخيرية" (٣٨٨) ، و "الأعلام" (٦/١٦٧) ، و "نزهة الخواطر" ، (٨/١٨٧) و "جلاء العينين" (٣٠) ، و "معجم المؤلفين " (١٠/٩٠) ، و "هدية العارفين" (٢/٣٨٨) ، و "معجم المطبوعات" (١٢٠١) ، و "فهرس الفهارس" (٢/١٠٥٥) ، و "إيضاح المكنون" (١/١٠) ، و "تاريخ آداب اللغة العربية" (٢/٩٦) ، و "المنْجِد" (٤٢١) ، و "عثرات المنْجِد" (٣١٧) ، و "التعليقات الظراف على الإتحاف" (٣٤) ، و "حركة التأليف باللغة العربية ... " (٢٧٤) ، و "اكتفاء القنوع" (٤٩٧) و "تاريخ الأدب العربي" (٢/٨٥٩ - الملحق) ، و "الثقافة الإسلامية في الهند" (١٤١) ، و "كشف الظنون عن كشف الظنون" (ص ٣) ، و " مجلة الحج " (١١/٦٣٦) ، و "مجلة الجامعة الإسلامية" (١٢/٤٧) .
-
ولسليم فارس الشدْياق كتاب في ترجمته وذكر المثْنِين عليه، اسمه "قرة الأعيان ومسرة الأذهان" .
-
ولابنه علي حسن في سيرته كتاب سماه "مآثر صِديقي" ، وآخر سماه " الروض البسام " .
-
"وترجمه بعضُ العلماء بكتاب اسمه " قَطر الصَّيِّب في ترجمة الإمام أبي الطيب ".
-
وترجم هو لِنَفْسهِ بكتاب سماه "إبقاء المِنن ".
-
وللأستاذ أختر جمال لُقمان رسالة جامعية عن "عقيدة صديق حسن خان"، وهي مطبوعةٌ.
-
* توفي -رحمه الله تعالى- سنة ألف وثلاث مئة وسبع هجرية، الموافق لسنة ألف وثمان مئة وتسع وثمانين ميلادية، فتكون مدة حياته تسعاً وخمسين
vol. 1, p. 22سنة قمرية، وسبعاً وخمسين سنة شمسية -رحمه الله تعالى رحمة واسعة-.
- * بين المتَعاصِرَين:
-
في الفترة التي عاش فيها العلامةُ الشيخ صديق حسن خان؛ كان هناك عالم كبير لا يقل عنه علماً، ولا ينقص عنه قدراً، وهو العلامة الشيخ عبد الحي اللكنوي -رحمه الله تعالى-، وجرت -على عادة الأقران- بينهما مباحثات علمية، وردود فقهية، وألف كل واحد في الرد على صاحبه كتباً ورسائل، إما تلميحاً أو تصريحاً.
-
وكانت الحملة موجهة من قِبَل الشيخ اللكنوي أكثر منها من ناحية القِنوجي؛ فلقد أكثر الأول في مَثَاني تصانيفه، وتعليقاتهِ عليها من قوله: "وقال غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا" ! مشيراً بذلك إلى العلامة القِنوجي!!
وبلغت هذه الردود في لحظة من اللحظات أوْجَ الشدةِ، حتى قال الشيخ عبد الحي الحسني -رحمه الله- واصفاً تلك الردود والمباحثات -في كتابه المستطاب "نزهة الخواطر" (٨/٢٣٦) -: ".... وانجرَّ إلى ما تأباه الفطرة السليمة ... " !
-
وكان الشيخ اللكنوي حريصاً الحرص كله على متابعة هذه الردود، وَعَدم انقطاعها إلا لصالحه! بدليل ما قاله العلامة عبد الحي الحسني -رحمه الله- في كتابه "الثقافة الإسلامية في الهند" (ص ٨٦) أثناء تعداده أسماء مصنفات اللكنوي، فقال: " ... و" إبراز الغيّ الواقع في شفاء العي "، و" تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد " -كلها بالعربية- للشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي المذكور، أما " شفاء العي عمّا أورده الشيخ عبد الحي"؛ فهو لبعض العلماء، صنفه في الرد على تعقبات الشيخ عبد الحي المذكور في مصنفاته على السيد
vol. 1, p. 23صديق حسن خان القِنّوجي في الوفيات، فأجاب عنه الشيخ عبد الحي في "إبراز الغي" ، فرد عليه بعضهم في رسالة مستقلة سماها "تبصرة الناقد برد كيد الحاسد" ، فأجاب عنه الشيخ عبد الحي في "تذكرة الراشد ... " . (١)
قلت: ولعل مرجع هذا كله إلى سببين:
الأول: اعتداد اللكنوي بنفسه، واعتقاده أنه يختلف عن علماء عصره، كما قال هو نفسه في "ظَفَر الأماني" (٢) (ص ٢٤٥) : " ... وإني أحمد الله حمداً متوالياً، وأشكره شكراً متتالياً على أن وفقني للتوسط في جميع المباحث الفقهية والحديثية، ورزقني نظراً وسيعاً، وفهماً رفيعاً، أقتدر به على الترجيح فيما بين أقوالهم المتفرقة، ونجاني من بلية تقليد المتشددين المتساهلين تقليداً جامداً، واختيار قول إحدى الطائفتين من دون تبصر وتفكر اختياراً كاسداً، لا أقول هذا تكبراً وفخراً! بل متحدثاً بنعمة الرب وشكراً، ولربي عَلي مِنَنْ مختصة، لا أقدر على عدها، ونِعَمٌ مُتكَثرة لا يمكن مني حصرها، فشكري هو العجز عن أداء شكرها، وأرجو من ربي دوامها وذُخرَها" (٣) .
- (١)علق الكتاني على هذه الردود في "فهرس الفهارس" (٢/١٠٥٧) بقوله: "وكل منهما لا يخلو تصنيفه ورده وجوابه من فوائد، جزاهما الله خيراً".
- (٢)وقد طُبع حديثاً طبعتين!
- (٣)وانظر "نزهة الخواطر" (٨/٢٣٦) ، و"الفوائد البهية" (١١٦) .
-
الثاني: جِبِلة القنوجي وطبيعة خِلْقته؛ فقد كان -رحمه الله- كما وصفه معاصروه "حلو المنطق، مُقِلاً من الكلام، غير جاف ولا عبوس، كثير الحِلم، قليل الغضب، عفيف اللسان، لا يقترح لنفسه شيئاً، مشغول الفكر بالمطالعة
vol. 1, p. 24والتأليف ... منصفاً، يعرف لأقرانه ولكثير مِمن يخالفه فضلهم ... " (١) .
قلت: ودليل على هذا قول ولده الفاضل السيد علي حسن خان واصفاً حالة والده عند موت اللكنوي -رحمة الله عليه-: "إنه لما بلغه نَعِي العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي؛ وضع يده على جبهته، وأطرق رأسه برهة، ثم رفع رأسه، وعيناه تدمعان، وهو يدعو للشيخ ويترحم، وقال: اليوم غربت شمس العلم، وقال: إن اختلافنا كان مقصوراً على تحقيق بعض المسائل، ولم يأكل طعاماً في تلك الليلة ... " (٢) .
والخلاصة أنّ: "كلام النظير والأقران ينبغي أن يُتأمل، ويُتأنى فيه ... "، كما قال الحافظ الذهبي (٣) -رحمه الله-.
- (١)"نزهة الخواطر" (٨/١٩٣) . وانظر كلام ابنه في ذلك، كما أورده صاحب "فهرس الفهارس" (٢/١٠٥٨) .
- (٢)المصدر السابق.
- (٣)"ميزان الاعتدال" ترجمة رقم (٢٠٠٠) .
- * المنهج التأليفي عند المصنف:
-
اختلفت أنظار أهل العلم وطلبته في مصنفات العلامة القِنوجي؛ فمنهم مَن قال: إنه لخصها من بعض مصنفات السابقين ولم يزد عليها شيئاً يُذكر! ومنهم من قال: إن سائره من إبداعه، وتصنيفه، وتأليفه!!
-
ورحم الله العلامةَ الكتاني القائل في كتابهِ "فهرس الفهارس "
-
(٢/١٠٥٧) رداً على مثل ذلك الادّعاء: "وما لبعض المسيحيين (٤) في كتاب له اسمُهُ "اكتفاء القنوع بما هو مطبوع" من أن المترجم -وهو القِنوجي- كان عاميّاً
vol. 1, p. 25وتزوج بملكة بَهُوبال، فعندما اعتزّ بالمال جمع إليه العلماء! وأرسل يبتاع الكتب بخط اليد! وكلّف العلماء بوضع المؤلفات ثم نسبها لنفسه! بل كان يختار الكتب القديمة العديمة الوجود (!) وينسبها لنفسه ... إلخ!! فكلام أعدائه فيه، وإلا فالتآليف تآليفه، ونَفَسُهُ فيها مُتحِدٌ ... ".
قلت: فهذه الدعوى مجازفةٌ واضحةٌ، وفِرْيةٌ عريضةٌ من فنديك المذكور، والصواب ما قاله الكتّاني -رحمه الله تعالى-، وإن كانت السمةُ البارزةُ على مصنفاته -رحمه الله- التلخيص والتهذيب، والزيادة والترتيب، والجمع والتبويب، وهو بذلك مشابهٌ لإمام كبير من أئمة العلم، وهو الحافظ السيوطي (١) المتوفى سنة (٩١١ هـ) ؛ فقد عُرف عنه المنهج نفسه، وهو منهج يدل على استبحار في العلوم، ونظر في الكتب والفنون، وليس أمراً سهلاً هيناً كما يظنه بعض المنتسبين العلم!
- (٤)والأفضلُ لو قال: (النصارى) !! والمذكورُ اسمُهُ: إدوارد فنديك، وكتابه مطبوع في مصر سنة (١٨٩٦ م) ، وانظر (ص ٤٩٧) منه.
- (١)انظر ترجمته في مقدَمة تحقيقي لـ "المصابيح في صلاة التراويح"، وهي مطبوعة في دار عمار للنشر والتوزيع، الأردن - عمان.
-
ومِما يُنَبهُ عليه -في هذا المقام- أن الادعاءَ على أهل العلم -أو بعض منهم- بالانتحالِ! والسرقاتِ العلمية (!) شَأن قديمٌ لم يَنْجُ الأكابر -فيه- من كَيْد الأصاغر!! ثم (تجدد) هذا النمَطُ من التُّهَم -هذه الأيامَ- حتّى ألِّفت فيه مؤلفات! وَوُزعت مِن أجلهِ بيانات!! خِدْمة لأهداف مخالفة لمنهج الأسلاف!!!
-
وترى شيئاً من تفصيل القولِ في هذه المسألةِ (الخطيرة) في كتاب "الفارق بين المصنّف والسارق" للعلامة السيوطي -ومقدمتي عليه-؛ وهو مطبوع -منذ سنوات- بتحقيقي ...
-
وأخيراً؛ رحم اللهُ العلامة صِديق حَسَن خان، وجَمعنا -وإيّاه- في جنتهِ، إنّه -سبحانه- وليُّ ذلك والقادرُ عليه.