تنبيه
24 paragraphs · vol. 2, p. 2181
- vol. 2, p. 2181
قال الخطابي (٦) : المتكيء، هو الجالس معتمدًا على وِطَاء.
وقال ابن الجوزي: المراد بالاتكاء على أحد الجانبين.
-
١٨٨٩ - قوله: ومما عدّ من المحرَّمات: الخطّ والشِّعْر.
-
وإنما يتجه القول بتحريمها ممن يقول: إنّه كان يحسنهما.
-
ثمّ استدل لذلك بقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} (٧) وبقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} (٨) .
- vol. 2, p. 2182
وفي الاستدلال بالآية الأولى على ذلك نظر.
- واستدل غيره بـ:
-
[٤٦٣٠] - حديث ابن عمر المخرّج في "الصحيح" (١) بلفظ: "إنّا أمّة أمِيّة لا نَكْتب وَلا نَحْسِب ... " الحديث.
وقال البغوي في "التهذيب" : [قيل] (٢) : كان يحسن الخط ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله. والأصح: أنه كان لا يحسنهما, ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه. انتهى.
-
وادعى بعضهم: أنه صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وأن [عدم] (٣) معرفته كان بسبب المعجزة، لقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (٤) ، فلما نزل القرآن، واشتهر الإِسلام وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة، وأمن الارتياب في ذلك، عَرَف حينئذ الكتابة. وقد روى ابن أبي شيبة وغيره من طريق (٥) مجالد، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، قال: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كتب وقرأ. قال مجالد: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: صدق، قد سمعت أقواما يذكرون ذلك (٦) .
-
انتهى. قال: وليس في الآية ما ينافي ذلك.
- vol. 2, p. 2183
[٤٦٣١] - وروى ابن ماجه (١) وغيره عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رأيت ليلةَ أُسِريَ بِي عَلى بَابِ الْجَنَّة مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْض بثمانيةَ عَشَر .. " .
قال: والقدرة على قراءة المكتوب فرع معرفة الكتابة.
-
وأجيب: باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تقدّم معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة. وباحتمال أن يكون حذف منه شيء، والتقدير: فسألت عن المكتوب، فقيل لي: هو كذا.
-
[٤٦٣٢] - ومن حديث محمَّد بن المهاجر، عن يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السّلولي، عن سهل بن الحنظلية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر معاوية أن يكتب للأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الملتمس؟ فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيفة، فنظر فيها فقال: "قَدْ كَتَب لَكَ بِهَ أَمَرنَا فِيها" (٢) . قال يونس بن ميسرة أحد رواته: وَيُروى (٣) أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَتب بعدما أُنزل عليه.
-
ومن الحجة في ذلك ظاهرا:
[٤٦٣٣] - ما أخرجه البخاري (٤) في قصة صلح الحديبية، من حديث البراء: فأخذ الكتاب فكتب: "هَذا مَا قَاضَى علَيه محمد بن عَبد الله .... " الحديث.
- vol. 2, p. 2184
وكذا أخرجه الإسماعيلي في "مستخرجه" .
وقال أبو الخطاب ابن دحية: صار بعض الناس إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كَتَب، منهم أبو ذرّ الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو الوليد الباجي، وصنَّفَ فيه كتابًا.
قلت: وسبق إلى ذلك عمر بن شَبّة في "كتاب الكُتّاب" له؛ فإنه قال فيه: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده يوم الحديبية.
وقال أبو بكر بن العربي في "سراجه" : لما قال أبو الوليد ذلك طعنوا عليه، ورموه بالزندقة، وكان الأمير مُتَثَبِّتًا، فأحضرهم للمناظرة، فاستظهر الباجي ببعض الحجة، وطعن على من خالفه، ونسبهم إلى عدم معرفة الأصول، وقال: اكتب إلى العلماء بالآفاق، فكتب إلى إفريقية، وصقلية، وغيرهما، فجاءت الأجوبة بموافقة الباجي. ومحصَّل ما تواردوا عليه: أنّ معرفته الكتابة بعد أميَّته لا ينافي المعجزة، بل تكون معجزة أخرى؛ لأنهم بعد أن تحققوا أميّته، وعرفوا معجزته بذلك -وعليه تُنزل الآية السابقة- صار بعد ذلك يَعلم الكتابة بغير تقدم تعليم، فكانت معجزة أخرى، وعليه يُنزّل حديث البراء. انتهى.
-
وقد ردّ أبو محمّد بن مفوِّز على أبي الوليد الباجي، وبَيَّن خطأه في هذه المسألة في تصنيف مفرد.
-
ووقع لأبي محمد الهواري معه قصّة في منام رآه، ملَخّصه: أنّه كان يرى بما قاله الباجي، فرأى في النوم قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ينشق ويميد، ولا يستقر، فاندهش لذلك، وقال في نفسه: لعل هذا بسبب اعتقادي (١) ، قال ثمّ: عقدتُ التّوبة مع نفسي، فسكن واستقر، فلما استيقظ قصّ الرؤيا علي بن مفوّز فعبَّرها له
vol. 2, p. 2185كذلك، واستظهر بقوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} الآيات.
-
ومحصّل ما أُجيبَ به الباجي عن ظاهر حديث البراء: أنّ القصة واحدة، والكاتب فيها كان عليّ بن أبي طالب، وقد وقع في رواية أخرى للبخاري (١) من حديث البراء أيضا بلفظ: لما صالح النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَ الحديبية، كتب عليّ بينهم كتابًا، فكتب: "محمّد رسول الله ... " . فتحمَل الروايةُ الأولى على أن معنى قولِه: (فكتب) أي فأمر الكاتبَ، ويدل عليه رواية المسور في "الصحيح" (٢) أيضًا في هذه القصة ففيها: "والله إنِّي لرسول الله، وإن كَذَّبْتمُونِي، اكْتُبْ: مُحمّد بن عبد الله" .
-
وقد ورد في كثير من الأحاديث في "الصحيح" وغيره إطلاقُ لفظ: (كتب) بمعنى (أمر) ، منها:
[٤٦٣٤] - حديث ابن عباس: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر (٣) .
-
[٤٦٣٥] - وحديث: كتب إلى النجاشي (٤) .
-
[٤٦٣٦] - وحديث: كتب إلى كسرى (٥) .
-
[٤٦٣٧] - وحديث عبد الله بن عكيم: كتب إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ...
- vol. 2, p. 2186
وغير هذه الأحاديث، كلّها محمولة على أنّه أمر الكاتب، ويشعر بذلك هنا: قوله في بعض طرقه. لما أمتنع الكاتب أن يمحو لفظ "محمَّد رسول الله" قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرِني" فمحاه. فإن ظاهره: أنَّه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: "أَرِني" ، فكأنه أراه الموضع الّذي أبى أن يمحوه، فمحاه هو - صلى الله عليه وسلم - بيده، ثُمّ ناوله لعلي فكتب بأمره: (ابن عبد الله) بدل (رسول الله) .
-
وأجاب بعضهم -على تقدير حمله على ظاهره-: أنه كتب ذلك اليومَ غيرَ عالِمٍ بالكتابة، ولا بتمييز حروفها، لكنه أخذ القلم بيده فخطّ به فإذا هو كتابة ظاهرة، على حسب المراد. وذهب إلى هذا القاضي أبو جعفر السّمناني (١) .
-
وأجاب بعضهم بأنه ليس في ظاهر الحديث إلا أنه كتب محمَّد بن عبد الله، وهذا لا يمتنع أن يكتبه الأمي، كما يكتب الملوك علامتهم وهم أميون.