المبحث الثالث: تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته

167 paragraphs · vol. 1, p. 88

Page 3 of 5

  1. (عامر بن شراحيل الشعبي) اختلفوا في عمره، فمنهم من قال: (٧٧) سنة، ومنهم من قال: (٧٩) سنة، ومنهم من قال: (٨٢) سنة، ومات سنة (١٠٤) أو بعدها بقليل، فلو نظرت مولده بهذا الاعتبار وجدته سنة (٢٧) أو (٥٢) أو (٢٢) .

    vol. 1, p. 100
  2. وهذا يعني أنه ولد قبيل مقتل عمر رضي الله عنه، أو بعيده في خلافة عثمان رضي الله عنه.

  3. وروى عن جماعة من الصحابة قيل في روايته عنهم: (مرسلة لم يسمع منهم) ، هم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وطلحة ين عبيد الله، وأسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وعوف بن مالك الأشجعي، وعائشة أم المؤمنين، وأم هانىء بنت أبي طالب، وعبد الله بن عمر.

  4. ويمكنك أن تحقق إمكان السماع من عدمه في حق الشعبي من هؤلاء الصحابة، وذلك بالنظر في وفاة كل منهم وكم أدرك الشعبي من زمانه.

  5. ٢ - أن يقارن بآخر قد عرف مولده أو سنه.

    vol. 1, p. 101
  6. مثاله:
  7. قال الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي: " أبو إسحاق أكبر من عبد الملك بن عمير بسنتين " (١) .

    1. (١)معرفة الثقات، للعجلي (الترجمة: ١٣٩٤).
  8. أبو إسحاق هذا هو عمرو بن عبد الله السبيعي، مولده سنة (٣٢) أو نحوها، فيكون عبد الملك قد ولد سنة (٣٤) أو نحوها، وحيث إنه مات سنة (١٣٦) فهو قد زاد على المئة سنتين، وقد قال ذلك خليفة بن خياط (٢) .

    1. (٢)الطبقات، لخليفة بن خيَّاط (ص: ١٦٣).
  9. ٣ - أن يكون مقبول الرواية ويحفظ عنه السماع الصريح في روايته من شيخ قد علمت سنة وفاته، فيستدل بوفاة ذلك الشيخ على وقوع مولد التلميذ قبلها بزمن تمكن فيه من السماع منه.

  10. مثاله: (أبو البختري سعيد بن فيروز الطائي) رجل من ثقات التابعين، تكلموا في إدراكه لجماعة من الصحابة وسماعة منهم: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين، ورافع بن خديجة، وأبي سعيد الخدري.

  11. لكن قد ثبت عن أبي البختري قال:
  12. أتينا علياً فسألناه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: عن أيهم؟ قال: قلنا: حدثنا عن عبد الله بن مسعود، قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً، قال: حدثنا عن أبي موسى، قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه، قال: قلنا: حدثنا عن عمار بن ياسر، فقال: مؤمن

    vol. 1, p. 102نسي، وإذا ذكر، قال: قلنا: حدثنا عن حذيفة، فقال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين، قال: قلنا: حدثنا عن أبي ذر، قال: وعى علماً ثم عجز فيه، قال: قلنا: أخبرنا عن سلمان، قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحر لا ينزح قعره، منا أهل البيت، قال: قلنا: فأخبرنا عن نفسك يا أمير المؤمنين، قال: إياها أردتم؟ كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت (١) .

    1. (١)أخرجه ابن سعد (٢/ ٣٤٦) من طريق الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّة، عن أبي البختَري، به. وإسناده صحيح.
  13. فهذا الخبر صريح في لقائه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسماعه منه ضمن من أتاه فسأله عن هؤلاء الصحابة.

  14. وإذا كان في موضع من يأتي علياً ليسأله مثل هذه المسائل، أو يسأل علي بحضرته وهو يدرك تلك المسائل، فهو في سن تؤهله لذلك، وإذا لم نصحح سماعه ممن تقدم علياً في الوفاة من الصحابة، فإنه قد أدرك علياً فمن بعده من الصحابة المذكورين آنفاً: زيد وعائشة ورافع وأبي سعيد، فإنهم جميعاً ماتوا بعد علي.

  15. تنبيه:
  16. قد يرد ذكر سماع الراوي من شيخ علمت سنة وفاته، لكن يكون السماع غير محفوظ، ويرجع إلى وهم من ثقة أو ادعاء من مجروح، أو سقط وتحريف في نسخة، فلاحظ ذلك وتحقق من ثبوت السماع.

  17. وهاك أمثلة:
  18. المثال الأول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام صغير (٢) .

    1. (٢)أخرجه الترمذي في " الشمائل " (بعد الحديث رقم: ٣٩١).
  19. وفي رواية: وأنا يومئذ ابن ست سنين (١) .

    1. (١)أخرجها عبد الله بن أحمد في " العلل ومعرفة الرجال " (رقم: ٥٦٥١).
    vol. 1, p. 103
  20. هكذا زعم خليفة، وهو رجل كان ثقة فتغير في آخر عمره، وهذه الدعوى عدت وهماً منه عند بعض أهل التحقيق، ولم يتجاسر آخرون على إنكارها من أجل ما ثبت لهم من وصف خليفة بالصدق.

  21. وسبيل من أنكرها أصح في النقد، وذلك أن عمرة بن حريث رضي الله عنه توفي سنة (٨٥) وخليفة توفي سنة (١٨١) أو بعيدها، وجزم ابن سعد بأنه حين مات كان ابن (٩٠) سنة أو نحوها (٢) ، وقال غيره: له (١٠١) سنة، فعلى عمره الأول يكون مولده سنة (٨٠) فيكون أدرك من حياة عمرو خمس سنين.

    1. (٢)الطبقات الكبرى (٧/ ٣١٣).
  22. والذي يفصل في بيان الصواب في عمر خليفة ما ورد عنه من قوله: " قرض لي عمر بن عبد العزيز وأنا ابن ثماني سنين، وفرض لأخ في وهو ابن ست سنين وألحقنا بموالينا " (٣) .

    1. (٣)أخرجه ابن عديٍّ في " الكامل " (٣/ ٥١٣) بإسناد صحيح إليه.
  23. وعمر إنما ولي الخلافة سنة (٩٩) بلا خلاف، فلو كان فرض لخليفة في أول ولايته، فاطرح ثمانية وهي عمر خليفة يومئذ من (٩٩) فيكون مولده سنة (٩١) وهذا المتفق مع ما قال ابن سعد.

  24. فيتحصل من ذلك أن خليفة ولد بعد موت عمرو بن حريث بست سنين، فأنى له أن يراه؟

  25. إذا ليس هو بتابعي، بل كأقرانه من طبقة أتباع التابعين، ودعواه تلك وهم منه.

  26. ولذا ذكر الإمام أحمد بن حنبل خلفاً وقوله رأيت عمرو بن حريث، فقال أحمد: قال ابن عيينة: " كذب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث " (١) .

    وقال أبو الحسن الميموني: سمعت أبا عبد الله _ يعني أحمد بن حنبل _ يسأل: رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ " قال أبو عبد الله: " هذا ابن عيينة وشعبة والحجاج لم يروا عمرو بن حريث، يراه خلف؟ ‍‍‍‍! ما هو عندي إلا شُبَّه عليه " (٢) .

    1. (١)العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله بن أحمد (رقم: ٤٤٥٨، ٥٦٥٢، ٥٦٥٣، ٦٠٣٢).
    2. (٢)تهذيب الكمال (٨/ ٢٨٧). والحجاج هو ابنُ أرطأة.
    vol. 1, p. 104
  27. المثال الثاني: قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف ولكن (ألف) حرف، و (لام) حرف، و (ميم) حرف " (٣) .

    1. (٣)الجامع، للترمذي (رقم: ٢٩١٢). والحديث مُخرَّجٌ بشرحِ علته في ذيل تحقيقي لكتاب " الرد على من يقول (الم) حرف " لأبي القاسم بن مَنده.
  28. فقول القرظي: (سمعت عبد الله بن مسعود) يثبت أنه تابعي قديم يلحق بطبقة علقمة والأسود من أصحاب ابن مسعود، وحيث أن ابن مسعود مات سنة (٣٢) أو (٣٣) ، فهذا يعني إدراك القرظي لعثمان بن عفان رضي الله عنه وجميع من مات بعد ابن مسعود من الصحابة.

  29. والإسناد بهذا إليه صحيح، ولذا قال الترمذي في الحديث: " حديث حسن صحيح " .

    vol. 1, p. 105
  30. وازدادت الشبهة بقول قتيبة بن سعيد: " بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم " ، فاعتمد ذلك أبو داود السجستاني فقال: " سمع من علي ومعاوية وعبد الله بن مسعود " (١) .

    1. (١)تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٤٣).
  31. والتحقيق أن ذلك وهم، فأما قول قتيبة الذي اعتمده أبو داود والترمذي فإنما حكاه عمن لا يعرف.

  32. ورده البخاري بقوله: " لا أدري حفظه أم لا " (٢) .

    1. (٢)التاريخ الكبير (١/ ١ / ٢١٦).
  33. وسبب ذلك أن المعروف عند أهل السير أن أباه كعباً ممن نجا من القتل بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة؛ لأنه لم ينبت بعد.

  34. ولهذا عد كعباً في الصحابة من توسع فذكر من ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يذكر برؤية أو رواية، كالحافظ ابن عبد البر، وهذا على شرط آخرين كابن حبان معدود في التابعين، وقد ذكره فيهم " (٣) .

    1. (٣)الثقات (٥/ ٣٣٤).
  35. فمن كان أبوه محل تردد هل يعد في الصحابة أو لا يعد فيهم لصغره في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكيف لابنه أن يصح له السماع من الأقدمين؟

  36. وقد ذكروا أن محمد مات سنة (١١٨) أو (١١٧) وهو ابن ثمانين سنة.

  37. وهذا يعني أنه ولد سنة (٣٨) أو (٣٧) ، فكيف يصح أن يثبت له سماع من ابن مسعود على ما تقدم في وفاته؟ وكيف يصح له من علي وقد استشهد سنة (٤٠) ؟

  38. وأشبه الأقاويل في مولده والمتفق مع هذا التحقيق قول الحافظ يعقوب بن شيبة: " ولد في آخر خلافة علي سنة أربعين " (١) .

    1. (١)تهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ٦٨٥).
    vol. 1, p. 106
  39. وكأن من ذكر مولده في حياة النبي كلى الله عليه وسلم قصد أباه، ولأبيه رواية عن علي بن أبي طالب من رواية محمد عنه، فيما ذكر ابن حبان.

  40. والوهم في ذكر السماع في حديث ابن مسعود يشبه أن يكون من قبل الضحاك بن عثمان، فقد كان يخطئ.