المبحث الثالث: تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته

167 paragraphs · vol. 1, p. 88

Page 4 of 5

  1. المثال الثالث: وقع من جماعة رووا عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وزعموا أنهم سمعوا منه وكانوا أحياء بعد سنة (٢٠٠) ، فهذا بقاء للتابعين إلى ما بعد المئتين لو صدق هؤلاء، ولكنهم كانوا يكذبون.

    vol. 1, p. 106
  2. منهم: " إبراهيم بن هدبة أبو هدبة البصري، فهذا رجل كان يقول في أحاديثه: " حدثنا أنس بن مالك "، وكان أبو هدبة كذاباً، دخل بغداد وحدث عن أنس، فسألوه أن يخرج رجله، خافوا أن يكون شيطاناً قد تمثل لهم فأرادوا أن يعرفوه بذلك (٢) .

    قال ابن حبان: " دجال من الدجاجلة، وكان رقاصاً بالبصرة يدعى إلى الأعراس فيرقص فيها، فلما كبر جعل يروي عن أنس ويضع عليه " (٣) .

    1. (٢)التاريخ، ليحيى بن معين، رواية الدُّوري (النص: ٤٦٦١)، تاريخ بغداد (٦/ ٢٠١).
    2. (٣)المجروحين (١/ ١١٤ _ ١١٥).
  3. وقد رأوا أن أنساً رضي الله عنه مات سنة (٩٣) أو قبيلها، فيحتاج ابن هدبة هذا ليعمر (١٢٠) سنة أو أكثر ليتسنى له السماع من أنس، والناس الذين اتهموه لم يروا سنه مؤهلاً لذلك، زيادة على ما عملوا من سوء حاله ومن روايته ما لا يرويه الناس.

  4. الخلاصة:
  5. إذاً، استعمال المواليد والوفيات من أهم الطرق لـ:
  6. ١ _ تمييز طبقات الرواة من جهة ابتدائها.

  7. ٢ _ تمييز إدراك الراوي لمن حدث عنه من الشيوخ (١) .

    1. (١)علماً بأنه لا تلازم بين الإدراك وثبوت السماع، فقد يثبت الإدراك ولا يصح السماع، وذلك لسببٍ آخر تعلمه فيما يأتي من مباحث هذا الكتاب.
  8. ٣ _ كشف الوهم والغلط في ذكر السماع.

  9. ٤ _ كشف زيف الكذابين في ادعاء السماع وقدم الطبقة.

    قال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: لما حدث عبد الله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب أتيته، فسألته عن مولده؟ فذكر أنه ولد سنة إحدى وخمسين ومئتين، فقلت له: مات محمد بن أبي يعقوب الكرماني قبل أن تولد بسبع سنين، فاعلمه (٢) .

    1. (٢)المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٦١) عنه. ووقع فيه: (بتسْعِ سنين)، وكذا في " الجامع " للخطيب (رقم: ١٤٦) حيث رواه من طريق الحاكم، والصواب ما أثبتُّ، فكذلك جاءَ في " الميزان " للذهبي (٢/ ٣٩٢) وغيره، واعتضد بأنَّ وفاة ابن أبي يعقوب كانت سنة (٢٤٤).
  10. [الطرف الثاني: تمييز وفيات الرواة]

  11. الكلام في الوفيات من نفس باب الكلام في المواليد من جهة ما بين الأمرين من العلاقة، كما تراه واضحاً مما تقدم في المواليد، بل إن الوفيات مقاييس لتمييز المواليد، والعناية بها وقعت أكثر، وحفظها في تراجم الرواة كثير شائع، ولعلك لا تجد راوياً عرفت سنة ولادته وجهلت سنة وفاته، لكنك تجد رواة كثيرين علمت وفياتهم ولم تعلم مواليدهم.

  12. ومن خلال الأمثلة المتقدمة تلاحظ أن وفيات الشيوخ قاعدة لمعرفة أعمار الرواة تحديداً أو تقديراً، فيتبين لك من خلالها: طبقة الراوي، ومن

    vol. 1, p. 108أدرك من الشيوخ، ومن أدركه من التلاميذ ومن طابقه وقارنه من أمثاله وأقرانه، كما تميزه بها عمن رافقه في الاسم وخالفه في زمنه.

  13. وهذا الطريق والذي قبله من أقوى ما يميز به الكذابون، فإن طائفة كثيرة منهم لم يكن لهم حظ من نور حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سمعوه، فعمدوا إلى وضع المتون وركَّبوا لها الأسانيد، وأرادوا لبضاعتهم أن تروج، فألصقوها بالمعروفين من الثقات الذين كتب الله لهم القبول عند الناس، ولم يكن أولئك الكذابون أدركوا أولئك الثقات.

  14. وطائفة ادعت السماع من بعض الكبار أرادت أن تتشرف بالأخذ عنهم، فقصدت إلى تزوير علو الطبقة وإيهام القدم، إلى غير ذلك من دواعي الكذب.

  15. عن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سني ن، قال إسماعيل: مات خالد سنة ست ومئة (١) .

    وقال الحافظ أبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي: سمعت [حماد] بن زيد يقول لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه "، قال أبو حسان: فأخذت في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة (٢) .

    1. (١)أخرجه ابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٧١) والحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٦٠ _ ٦١) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٤٥)، بإسناد جيّد. والتحقيق في سنة وفاة خالد أنها كانت سنة (١٠٣) في أظهر الأقوال، وعليه فيكون هذا الرجل قد ادّعى أنه سمع من خالدٍ بعدَ موته بعشْر سنين.
    2. (٢)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٧/ ٣٥٧) و " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٤٣) ومن طريقه: ابن عساكر في " تاريخه " (١/ ٥٤ _ ٥٥) بإسناد صحيح. ووقع فيهما: (حسان بن زيد) بدل (حماد)، وأظنه قد انتقل البَصر إلى (أبي حسان) فأخذت منها، ولم أجد لها وجْهاً غير ذلك، فأبو حسان يروي عن حماد بن زيد، كما وجدته في غير موضع، كما أن مثل هذه المقالة أليق بأن تكون من إمام مثل حماد بن زيد، أما (حسان بن زيد) فمن يكون؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ثم وجدت ابنَ عساكر قال عقبَ تخريج هذا الأثر: " كذا من تاريخ بغداد: حسّان بن زيد وأظنه: حماد بن زيد ".
  16. أين جحد المواليد والوفيات؟

    vol. 1, p. 109
  17. مرجعك لمعرفة مواليد الرواة ووفياتهم كتب التراجم الجوامع، كـ " تهذيب الكمال " ، وفروعه، وكتب الذهبي كـ " سير أعلام النبلاء: و " تاريخ الإسلام " و " العبر "، ومن قبلها كتب التاريخ على السنين، كـ " المنتظم " لابن الجوزي وشبهه، كما تجد في كتب الأقدمين أصول المصنفات المفيدة في هذا الباب، مثل " التاريخ " و " الطبقات " لخليفة بن خياط المعروف بـ (شباب) ، و" التاريخ الأوسط " للبخاري، و " الطبقات الكبرى " لابن سعد، و " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان، و " الثقات " لابن حبان، وكتب منثورة كثيرة ألفت في هذا المعنى، ومن الكتب الخاصة " تاريخ مولد العلماء ووفياتهم " لأبي سليمان محمد بن عبد الله بن زبر الربعي (المتوفى سنة: ٣٧٩) ،

    ومنها كتب عرفت بـ (الوفيات) ، ومنها كتب التراجم على البلدان، كـ" تاريخ بغداد ".

  18. وليس " التاريخ الكبير " للبخاري، ولا " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، ولا كتب الضعفاء والمجروحين، مظنة لمعرفة ذلك.

  19. [فوائد معرفة الطبقات]

  20. ١ _ تمييز ثبوت السماع بين راويين أو غلبة ثبوته.

  21. فمعرفة الإدراك من التلميذ للشيخ علامة على اتصال الإسناد غالباً، ما لم يكن التلميذ مدلساً، وبتفصيل ستعلمه في الفصل التالي.

  22. وإنما قلت: (غالباً) مع انتفاء التدليس عنه؛ استثناء للراوي الذي تيقنا إدراكه، لكنه ثبت عدم اللقاء بينه وبين الشيخ الذي روى عنه.

  23. كما ترى مثلاً في قول الدارقطني في (زر بن حبيش) : " لم يلق أنس بن مالك، ولا يصح له عنه رواية " (١) ، مع أن أنساً من صغار الصحابة وآخرهم موتاً، وزر تابعي قديم، أدرك الجاهلية، وسمع من عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود والكبار من الصحابة، بل إنه مات قبل أنس بنحو عشر سنين، فالإدراك متيقن، ولكن قام البرهان على عدم اللقاء والسماع، فسقط اعتبار مجرد الإدراك.

    1. (١)جامع التحصيل، للحافظ العلائي (ص: ٢١٣).
    vol. 1, p. 110
  24. ٢ _ تمييز الانقطاع في الإسناد.

  25. وهذه الفائدة ظاهرة من التي قبلها، فإن وقوع الراوي في طبقة لم تدرك طبقة الشيخ دليل على الانقطاع، ولا أظهر في إفادة ذلك من وقوع مولد الراوي بعد وفاة الشيخ، أو وفاة الشيخ والراوي عنه له من العمر ما لا يتهيأ في مثله التحمل والسماع، كأربع سنين أو دونها.

  26. ٣ _ تزييف دعوى السماع وكشف الغلط أو الكذب.

  27. وذلك في حال قول الراوي: (حدثنا) وشبهها من صيغ السماع، وقامت الحجة على عدم إدراكه لمن روى عنه بتلك الصيغة.

  28. وهذا كما تقدم يقع غلطاً من الراوي أو بعض من روى عنه، أو كذباً.

  29. ٤ _ جرح الرواة أو تعديلهم.

  30. وذلك أن الراوي إذا ادعى السماع، وطبقته تمنع إمكان ذلك، فإما أن تكون تلك الدعوى وهماً، أو كذباً، وذلك إما منه أو ممن هو في سياق الإسناد إليه، وإذا تعين الواهم أو الكاذب كان ذلك جرحاً فيه بحسبه، فإن كان قد استقر صدقه حكمنا بوهمه، وإذا تكرر ذلك منه فربما صيرنا للحكم بسوء حفظه، وإن لم يستقر صدقه كان ذلك سبباً لجرحه بالكذب.

  31. [تقسيم الطبقات]

    vol. 1, p. 111
  32. علمت من المبحث السابق أن تمييز الطبقة يكون بتمييز إدراك اللاحق للسابق وأن معرفة المواليد والوفيات أحسن الطرق لإثبات الإدراك، ومن تعسر علينا معرفة ذلك من أمره اعتبرنا القرائن في إمكان الإدراك، وهذا من حيث التأصيل لموضوع (الطبقات) .

  33. أما توزيع الرواة على الطبقات فقد قدمت في أول هذا المبحث أن تقدير الطبقة يعود إلى اصطلاح المصنفين، وفي مجهود أئمتنا السابقين ما يساعد الباحث لاستفادة هذا المعنى، وحيث إن الحاجة إلى تمييز الطبقات تشتد في رواة القرون الأولى، فإن أحسن ما يتفق مع ما شرحت في هذا المبحث هو تقسيم الطبقات الذي جرى عليه الحافظ المحقق ابن حجر العسقلاني في كتابه " تقريب التهذيب " ، فإنه قال:

    الأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.

  34. الثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضراً صرحت بذلك (١) .

    1. (١)والمُخضرم: من أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يَثْبت لهم شرف الصحْبة، مثلي: سُويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي مسلم الخولاني.
  35. الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.

  36. الرابعة: طبقة تليها جل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.

  37. الخامسة: الطبقة الصغرى منهم الذين رأوا الواحد والاثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش.

  38. السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.

  39. السابعة: كبار التابعين، كمالك والثوري.

    vol. 1, p. 112
  40. الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.