٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام

387 paragraphs · vol. 7, p. 580

Page 3 of 10

  1. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مُطَوَّلًا.

    vol. 7, p. 592
  2. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ،

    vol. 7, p. 593وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.

  3. قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَاهُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْبُيُوعِ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْوَصَايَا أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ، فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَالْهِبَةِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا جَابِرُ لَا عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ فِي قِطَارِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى تَعْلَمَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُنَا - فَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِ أَبِيهِ وَدَفْنِهِ قَالَ - وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ دَيْنًا مِنَ التَّمْرِ، فَاشْتَدَّ عَلَيَّ بَعْضُ غُرَمَائِهِ فِي التَّقَاضِي، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ وَقُلْتُ: فَأُحِبُّ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ لَعَلَّهُ أَنْ

    يُنْظِرَنِي طَائِفَةً مِنْ تَمْرِهِ إِلَى هَذَا الصِّرَامِ الْمُقْبِلِ، قَالَ: نَعَمْ آتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الضِّيَافَةِ وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ فُلَانًا - لِغَرِيمِي الَّذِي اشْتَدَّ فِي الطَّلَبِ - فَجَاءَ فَقَالَ: أَنْظِرْ جَابِرًا طَائِفَةً مِنْ دَيْنِكَ الَّذِي عَلَى أَبِيهِ إِلَى الصِّرَامِ الْمُقْبِلِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، وَاعْتَلَّ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَالُ يَتَامَى.

  4. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ) يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا إِلَّا الْبُسْتَانَ الْمَذْكُورَ.

  5. قَوْلُهُ: (وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ سِنِينَ) أَيْ فِي مُدَّةِ سِنِينَ (مَا عَلَيْهِ) أَيْ مِنَ الدَّيْنِ.

  6. قَوْلُهُ: (فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْلَا يَفْحُشَ عَلَيَّ الْغُرَمَاءُ فَمَشَى) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ فَوَصَلَ إِلَى الْحَائِطِ فَمَشَى. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى التَّصْرِيحُ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ فَقَالَ: اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ، فَفَعَلْتُ، فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ فِي الْبُيُوعِ اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا: الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ وَقَوْلُهُ: عَذْقَ زَيْدٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَزَيْدٌ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ اسْمٌ لِشَخْصٍ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ ابْتَدَأَ غِرَاسَهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ أَجْوَدِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ.

  7. قَوْلُهُ: (بَيْدِرْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ فِعْلُ أَمْرٍ، أَيِ اجْعَلِ التَّمْرَ فِي الْبَيَادِرِ كُلَّ صِنْفٍ فِي بَيْدَرٍ، وَالْبَيْدَرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ لِلتَّمْرِ كَالْجُرْنِ لِلْحَبِّ.

  8. قَوْلُهُ: (فَدَعَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَغَدَا عَلَيْنَا فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي تَمْرِهِ بِالْبَرَكَةِ وَفِي رِوَايَةِ الدِّيَالِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ جَابِرٍ فَجَاءَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَاسْتَقْرَأَ النَّخْلَ، يَقُومُ تَحْتَ كُلِّ نَخْلَةٍ لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ، حَتَّى مَرَّ عَلَى آخِرِهَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

  9. قَوْلُهُ: (ثُمَّ آخَرَ) أَيْ مَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ آخَرَ فَدَعَا، وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا فَقَالَ: أَفْرِغُوهُ أَيْ أَفْرِغُوهُ مِنَ الْبَيْدَرِ، وَفِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ ثُمَّ قَالَ: كِلْ لِلْقَوْمِ، فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: جُدَّ فَأَوْفِ الَّذِي لَهُ، فَجَدَّهُ بَعْدَمَا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ .

  10. قَوْلُهُ: (فَأَوْفَاهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ وَبَقِيَ تَمْرِي وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا بَقِيَّةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، وَيُجْمَعُ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْغُرَمَاءِ، فَكَانَ أَصْلُ الدَّيْنِ كَانَ مِنْهُ لِيَهُودِيٍّ ثَلَاثُونَ وَسْقًا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَأَوْفَاهُ وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْدَرِ سَبْعَةَ عَشْرَ وَسْقًا، وَكَانَ مِنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ أَشْيَاءُ أُخَرُ مِنْ أَصْنَافٍ أُخْرَى فَأَوْفَاهُمْ وَفَضَلَ مِنَ الْمَجْمُوعِ قَدْرَ الَّذِي أَوْفَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرٍ فَكِلْتُ لَهُ مِنَ الْعَجْوَةِ فَأَوْفَاهُ اللَّهُ وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، وَكِلْتُ لَهُ مِنْ أَصْنَافِ التَّمْرِ فَأَوْفَاهُ اللَّهُ وَفَضَلَ لَنَا

    vol. 7, p. 594مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا.

  11. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مَا قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ، فَعَنْهُ ثُمَّ دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ أَيْ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَيْهِ فِي الْمُطَالَبَةِ لِعَدَاوَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُهُمْ، فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَهَا اللَّهُ وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ.

  12. وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ فِيهِ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْكَيْلَ جَمِيعَهُ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّ التَّمْرَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَالَّذِي مَضَى ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَأَنَّ بَعْضَ التَّمْرِ نَقَصَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْكَيْلِ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَبَقِيَّتُهُ كَانَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْبَيَادِرِ الَّتِي أَوْفَى مِنْهَا بَعْضَ أَصْحَابِ الدَّيْنِ حَيْثُ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَلَمَّا انْصَرَفَ بَقِيَتْ آثَارُ بَرَكَتِهِ فَلِذَلِكَ أَوْفَى مِنْ أَحَدِ الْبَيَادِرِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَ سَبْعَةَ عَشَرَ.

  13. وَفِي رِوَايَةِ نُبَيْحٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: كِلْ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُوَفِّيَهُ وَفِي حَدِيثِهِ فَإِذَا الشَّمْسُ قَدْ دَلَكَتْ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَانْدَفَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ لَهُ - أَيْ لِلْغَرِيمِ - قَرِّبْ أَوْعِيَتَكَ وَفِيهِ فَجِئْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي شَرَارَةٌ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَلَّى، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَيْنَ عُمَرُ؟ فَجَاءَ يُهَرْوِلُ. فَقَالَ: سَلْ جَابِرًا عَنْ تَمْرِهِ وَغَرِيمِهِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ سَيُوَفِّيهِ الْحَدِيثَ.

  14. وَقِصَّةُ عُمَرَ قَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ فَفِيهَا: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِعُمَرَ: اسْمَعْ يَا عُمَرُ، قَالَ: أَلَّا نَكُونَ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُبَارِكَنَّ اللَّهُ فِيهَا وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ: أَلَّا نَكُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَأَصْلُهَا أَنِ الْخَفِيفَةُ ضُمَّتْ إِلَيْهَا لَا النَّافِيَةُ، أَيْ هَذَا السُّؤَالُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يَشُكُّ فِي الْخَبَرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.

  15. وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَأَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِالرِّسَالَةِ فَأَنْتَجَ إِنْكَارُهُ ثُبُوتَ عِلْمِهِ بِهَا، وَهُوَ كَلَامٌ مُوَجَّهٌ، إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ ضَبَطَهَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: النُّكْتَةُ فِي اخْتِصَاصِ عُمَرَ بِإعْلَامِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَنِيًا بِقِصَّةِ جَابِرٍ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مُسَاعِدًا لَهُ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا مَشَى فِي النَّخْلِ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ التَّمْرَ الَّذِي فِيهِ لَا يَفِي بِبَعْضِ الدَّيْنِ، فَأَرَادَ إِعْلَامَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَاهَدَ أَوَّلَ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُشَاهِدْ. ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا حَتَّى نَطُوفَ بِنَخْلِكَ هَذَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

  16. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَأَتَاهُ هُوَ وَعُمَرُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ خُذْ مِنْ جَابِرٍ وَأَخِّرْ عَنْهُ فَأَبَى، فَكَادَ عُمَرُ يَبْطِشُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْ يَا عُمَرُ، هُوَ حَقُّهُ. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى نَخْلِكَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ائْتِنِي بِعُمَرَ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: يَا عُمَرُ سَلْ جَابِرًا عَنْ نَخْلِهِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدِّيَالِ بْنِ حَرْمَلَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ جَمِيعًا كَانَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَخْبِرْ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَأَخْبَرْتُهُمَا الْحَدِيثَ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ.

  17. وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّ الْمَذْكُورَ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مِنْ تَمْرٍ، وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ دُيُونٌ أُخْرَى، فَلَمَّا حَضَرَ الْغُرَمَاءُ وَطَالَبُوا بِحُقُوقِهِمْ، وَكَالَ لَهُمْ جَابِرٌ التَّمْرَ فَفَضَلَ تَمْرُ الْحَائِطِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ شَيْءٌ، فَجَاءَ الْيَهُودِيُّ بَعْدَهُمْ

    vol. 7, p. 595فَطَالَبَ بِدَيْنِهِ فَجَدَّ لَهُ جَابِرٌ مَا بَقِيَ عَلَى النَّخَلَاتِ فَأَوْفَاه حَقَّهُ مِنْهُ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَسْقًا، وَفَضَلَتْ مِنْهُ سَبْعَةَ عَشَرَ، انْتَهَى.

  18. وَهَذَا الْجَمْعُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَفْضُلْ مِنَ الَّذِي فِي الْبَيَادِرِ شَيْءٌ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهَا فَضَلَتْ كُلُّهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي جَمَعْتُ بِهِ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  19. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ الِاسْتِنْظَارِ فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ الْغَرِيمِ لِمَصْلَحَةِ الْمَالِ الَّذِي يُوَفَّى مِنْهُ، وَفِيهِ مَشْيُ الْإِمَامِ فِي حَوَائِجِ رَعِيَّتِهِ، وَشَفَاعَتِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ. وَفِيهِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ إِلَى أَنْ حَصَلَ بِهِ وَفَاءُ الْكَثِيرِ وَفَضَلَ مِنْهُ.

    فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلَاثِ مِرَارٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ فَفُرِّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ قَالَ: أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: فَعَرَفْنَا مِنْ الْعِرَافَةِ.

  20. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ أَضْيَافِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ تَكْثِيرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ.

  21. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ أَحَدُ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ، عَنْ مُعْتَمِرٍ حَدَّثَنَا أَبِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ.

  22. قَوْلُهُ: (إنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ) سَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَأَنَّ الصُّفَّةَ مَكَانٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُظَلَّلٌ أُعِدَّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ فِيهِ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْلَ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ فِيهِ وَيَقِلُّونَ بِحَسَبِ مَنْ يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسَافِرُ، وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فَزَادُوا عَلَى الْمِائَةِ.

  23. قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةُ الْمَذْكُورِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ لِمُوَافَقَتِهَا لِسِيَاقِ بَاقِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَدَ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ إِذَا ذَهَبَ مَعَهُ بِثَلَاثَةٍ لَزِمَ أَنْ يَأْكُلَهُ فِي خَمْسَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا يَكْفِيهِمْ وَلَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَهَبَ بِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلُهُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَةً أَيِ الْقَدْرَ الَّذِي يُشْبِعُ الِاثْنَيْنِ يَسُدُّ رَمَقَ أَرْبَعَةٍ، وَوَجَّهَهَا النَّوَوِيُّ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَلْيَذْهَبْ بِمَنْ يُتِمُّ مَنْ عِنْدَهُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ فَلْيَذْهَبْ بِتَمَامِ ثَلَاثَةٍ.

  24. قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ، أَوْ كَمَا قَالَ) أَيْ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ مَعَ الْخَامِسِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ يَزِيدُ كُلَّ أَحَدٍ وَاحِدًا فَقَطْ أَنَّ عَيْشَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَثَلًا ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ الرَّابِعَ مِنْ قُوتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَةُ وَمَا فَوْقَهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ زِيدَتِ الْأَضْيَافُ بِعَدَدِ الْعِيَالِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْحَالِ.

  25. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ وَأَوْ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَوْ سَادِسٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ خَمْسٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ.

  26. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ، فَحَذَفَ عَامِلَ الْجَرِّ وَأَبْقَى عَمَلَهُ، كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ صَالِحٍ وَإِنْ لَا صَالِحٍ فَطَالِحٍ، أَيْ إِنْ لَا أَمُرَّ بِصَالِحٍ فَقَدْ مَرَرْتُ بِطَالِحٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَهُوَ أَوْجَهُ.

    قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ حَذْفَ فِعْلَيْنِ وَعَامِلَيْ جَرٍّ مَعَ بَقَاءِ عَمَلِهِمَا بَعْدَ إِنْ وَبَعْدَ الْفَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ قَامَ بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ اهـ. وَهَذَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ فَيَكُونُ حُذِفَ مِنْهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَالتَّقْدِيرُ أَوْ إِنْ قَامَ بِخَمْسَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ

    قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ الْمَجِيءِ لِبُعْدِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِانْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَةً بِالنَّصْبِ لِلْأَكْبَرِ أَيْ أَخَذَ ثَلَاثَةً فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ تَكْرَارًا لِأَنَّ هَذَا

    vol. 7, p. 596بَيَانٌ لِابْتِدَاءِ مَا جَاءَ فِي نَصِيبِهِ، وَالْأَوَّلُ لِبَيَانِ مَنْ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ ثَلَاثَةٌ بِالرَّفْعِ وَقَدَّرَهُ وَأَبُو بَكْرٍ أَهْلُهُ ثَلَاثَةٌ أَيْ عَدَدُ أَضْيَافِهِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَخَذَ خَامِسًا وَسَادِسًا وَسَابِعًا فَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَخْذِهِ وَاحِدًا زَائِدًا عَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْثِرَ السَّابِعَ بِنَصِيبِهِ إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ أَوَّلًا مَعَهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ أَيْ وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  27. قَوْلُهُ: (قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وقَوْلُهُ: فَهُوَ أَيِ الشَّأْنُ، وَقَوْلُهُ: أَنَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَتَقْدِيرُهُ فِي الدَّارِ.

  28. قَوْلُهُ: (وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ امْرَأَتِي وَخَادِمِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَخَادِمٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، وَالْقَائِلُ هَلْ قَالَ هُوَ أَبُو عُثْمَانَ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَأَنَّهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ بَيْتِنَا) أَيْ خِدْمَتِهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلْخَادِمِ، وَأُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ رُومَانَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، وَاسْمُهَا زَيْنَبُ وَقِيلَ: وَعْلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، قِيلَ: عُمَيْرَةُ، مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَارِثِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، كَانَتْ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيِّ فَقَدِمَ مَكَّةَ فَمَاتَ وَخَلَّفَ مِنْهَا ابْنَهُ الطُّفَيْلَ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ رُومَانَ قَدِيمًا وَهَاجَرَتْ وَمَعَهَا عَائِشَةُ، أَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ وَهِجْرَتُهُ إِلَى هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَدِمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ أَوْ أَوَّلَ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ - وَالِدَةُ أَكْبَرِ أَوْلَادِهِ أَبِي عَتِيقٍ مُحَمَّدٍ - أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّةُ، وَالْخَادِمُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهَا.

  29. قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ وَفِي رِوَايَةٍ حَيْثُ صَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعَ فَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ تَعَشِّيَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ بِعَكْسِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ حَالِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الطَّعَامِ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَالثَّانِي فِيهِ سِيَاقُ الْقِصَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ: الْأَوَّلُ تَعَشِّي الصِّدِّيقِ وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيِّ ﷺ .

  30. وَالْأَوَّلُ مِنَ الْعَشَاءِ بِفَتْحِهَا أَيِ الْأَكْلِ، وَالثَّانِي بِكَسْرِهَا أَيِ الصَّلَاةِ، فَأَحَدُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَاءَ بِالثَّلَاثَةِ إِلَى مَنْزِلِهِ لَبِثَ إِلَى وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَعَشَّى عِنْدَهُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ صَرِيحَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ إِنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ ثُمَّ رَجَعَ بِالْجِيمِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّوَاةِ لِمَا سَأَذْكُرُهُ، وَظَاهِرُهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: ثُمَّ رَجَعَ أَيْ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ: فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَكْرَارٌ وَفَائِدَتُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ تَأَخُّرَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِمِقْدَارِ أَنْ تَعَشَّى مَعَهُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ، وَمَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ قِطْعَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ.

  31. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ رَكَعَ بِالْكَافِ أَيْ صَلَّى النَّافِلَةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ: فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى فَقَطْ، وَفَائِدَتُهُ مَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ بِعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مِنَ النُّعَاسِ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: إِنَّهُ الصَّوَابُ، وَبِهِ يَنْتَفِي التَّكْرَارُ مِنَ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ: لَبِثَ وَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ تَعَلُّقِ اللُّبْثِ فَالْأَوَّلُ قَالَ: لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ قَالَ: فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَخَّرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَأَخَّرَ حَتَّى نَعَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ حِينَئِذٍ إِلَى بَيْتِهِ.

  32. وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الْأَذَانِ بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ وَأَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ أَبِي بَكْرٍ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ

    vol. 7, p. 597وَضِيفَانِهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَوْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: نَزَلَ بِنَا أَضْيَافٌ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ إِلَيْكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ ضِيَافَةِ هَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافُكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، وَرَجَعَ هُوَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ.

  33. قَوْلُهُ: (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ مِنْ أَضْيَافِكَ؟) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ أَضْيَافِكَ وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ.

  34. قَوْلُهُ: (أَوْ ضَيْفِكَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةٌ، وَاسْمُ الضَّيْفِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَمَا فَوْقَهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ هُوَ مَصْدَرٌ يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى وَالْجَمْعَ، كَذَا قَالَ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ.

  35. قَوْلُهُ: (أَوَعَشَّيْتَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَمَا عَشَّيْتَهُمْ بِزِيَادَةِ مَا النَّافِيَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَفِي بَعْضِهَا عَشَّيْتِيهِمْ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ.

  36. قَوْلُهُ: (وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْخَدَمُ أَوِ الْأَهْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، (فَغَلَبُوهُمْ) أَيْ إنَّ آلَ أَبِي بَكْرٍ عَرَضُوا عَلَى الْأَضْيَافِ الْعَشَاءَ فَأَبَوْا فَعَالَجُوهُمْ فَامْتَنَعُوا حَتَّى غَلَبُوهُمْ.

  37. وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ قَدْ عُرِّضُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ أُطْعِمُوا مِنَ الْعِرَاضَةِ وَهِيَ الْهَدِيَّةُ، قَالَهُ عِيَاضٌ، قَالَ: وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّ الْقِيَاسَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مُوَجِّهًا لِلتَّخْفِيفِ: أَيْ عُرِضَ الطَّعَامُ عَلَيْهِمْ، فَحَذَفَ الْجَارَّ وَوَصَلَ الْفِعْلَ فَهُوَ مِنَ الْقَلْبِ كَعَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ. وَوَقَعَ فِي الصَّلَاةِ قَدْ عَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَرَصُوا بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ، قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ لَهَا وَجْهًا، وَوَجَّهَهَا غَيْرُهُ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِمْ عَرَصَ إِذَا نَشِطَ، فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ نَشِطُوا فِي الْعَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

  38. وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ. قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ - أَيْ شَرًّا - فَأَبَوْا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ ضَبَطَهُ عِيَاضٌ عَنِ الْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى اسْتِفْتَاحِ الْكَلَامِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَثْبُتَ النُّونُ فِي تَقْبَلُونَ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِهَا، وَضَبَطَهَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ الْوَجْهُ.

  39. قَوْلُهُ: (قَالَ: فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ) أَيْ خَوْفًا مِنْ خِصَامِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ وَتَغَيُّظِهِ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ أَيْ يَغْضَبُ فَلَمَّا جَاءَ تَغَيَّبْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتَ.

  40. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ) فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَا جِئْتَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَالِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ. قَالُوا: صَدَقَكَ قَدْ أَتَانَا. وَقَوْلُهُ: فَجَدَّعَ وَسَبَّ أَيْ دَعَا عَلَيْهِ بِالْجَدَعِ وَهُوَ قَطْعُ الْأُذُنِ أَوِ الْأَنْفِ أَوِ الشَّفَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ السَّبُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَجَزَّعَ بِالزَّايِ بَدَلَ الدَّالِ أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْجَزَعِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْفُ، وَقِيلَ: الْمُجَازَعَةُ الْمُخَاصَمَةُ فَالْمَعْنَى خَاصَمَ، وقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَرَّطَ فِي حَقِّ الْأَضْيَافِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ أَدَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، وَسَبَّ أَيْ شَتَمَ. وَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ.