ترجمة المصنف
130 paragraphs · vol. 1, p. 9
Page 2 of 4
- vol. 1, p. 16
تزوج الحافظ -رحمه الله تعالى- سنة ٧٩٨ هـ أولى زوجاته أُنس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز النستراوي الأصل المصري، تزوجها بإشارة وصيِّه العلامة ابن القطّان، فحصل لها بواسطة ذلك خير كثير.
-
واستولدها صاحب الترجمة عدّة أولاد، زين خاتون، وفرحة، وغالية، ورابعة، وفاطمة، ولم يأت منها بذكر قط، نعم كانت تجيء بين كل بطنين بسقط ذكر.
-
فالأولى اعتنى بها أبوها فاستجاز لها، وأسمعها على شيخه العراقي والهيثمي، وأحضرها على ابن خطيب في الثالثة الجزء الثالث من أول «حديث المخلص» وتزوجها الأمير شاهين العلائي الكركي، فولدت له أحمد وعزيزة وأبا المحاسن يوسف، كلهم ماتوا في حياة أمهم إلا يوسف المعروف بسبط ابن حجر فنشأ عزيزاً مكرماً في حجر جدَّيه، واستجيز له غير واحد من المسندين، وقرأ عليه «البخاري» و «التقريب» و «النخبة» داخل البيت وغيرها كثير.
-
والثانية (فرحة) تزوجها شيخ الشيوخ محب الدين ابن الأشقر الذي ولي نظر الجيش وكتابة السر، وكان أحد أعيان الديار المصرية، ولدت له ولداً مات صغيراً في حياة أمه.
-
والثالثة (غالية) ، والخامسة (فاطمة) : ماتتا بالطاعون في ربيع الأول سنة ٨١٩ هـ مع بعض عيال أبيهما.
- vol. 1, p. 17
والرابعة (رابعة) : ولدت سنة ٨١١ هـ أسمعها والدها على المراغي بمكة سنة ٨١٥ هـ وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين، وتزوجها الشهاب أحمد بن محمد بن مكنون، ودخل بها بكراً، فولدت منه بنتاً أسماها غالية، ماتت في حياتهما، ثم مات زوجها سنة ٨٢٩ هـ فتزوجها المحب بن الأشقر المذكور أيضاً، واستمرت حتى ماتت عنده في سنة ٨٣٢ هـ.
-
إنَّ صاحب الترجمة لما رأى كثرة ما تلده أمُّ أولاده من الإناث وأحبَّ أن يكون له ولد ذكر، ولم يمكنه التزويج مراعاة لخاطرها، اختار التسري، وكانت لزوجته جارية جميلة، يقال: إنها ططرية، اسمها خاص تُرك، فوقع في خاطره الميل إليها، فاقتضى رأيه الشريف أن أظهر تغيظاً منها بسبب تقصيرها وحلف أنَّها لا تقيم في منزله فبادرت زوجته في بيعها بأي ثمن كان، فأرسل الحافظ ابن ضياء الحنبلي فاشتراها له بطريق الوكالة، وأقامت في بعض الأماكن، حتى استبرأها ثم وطئها فحملت بولده القاضي بدر الدين أبي المعالي محمد.
-
كان مولده سنة ٨١٥ هـ، فأشغله والده بحفظ القرآن فختمه، وصلى بالناس على جاري العادة سنة ٨٢٦ هـ بالخانقاه الركنية البيبرسية، وهو الذي صنَّف له الحافظ «بلوغ المرام» لكنَّه ما تيسر له حفظه (١) ، بل حفظ يسيراً منه ومن غيره، وكتب عن والده كثيراً من مجالس العلم، واشتغل بالقيام بأمر القضاة والأوقاف ونحوها حتى فاق.
-
ومن زوجات الحافظ عتيقة العلامة نظام الدين يحيى بن سيف الدين الصِّيرامي
vol. 1, p. 18شيخ الظاهرية، تزوجها في مجاورة أم أولاده في سنة أربع وثلاثين، ورُزق منها ابنةً في سنة خمس وثلاثين، وهي بقاعة المشيخة بالبيبرسية، سمَّاها آمنة.
-
ومن زوجاته كذلك ليلى ابنة محمود بن طوغان الحلبية، تزوجها حيث سافر مع الأشرف إلى آمد في سنة ست وثلاثين، وكانت ذات ولدين بالغين، واستمرت معه إلى أنْ سافر من حلب، ففارقها، لكنَّه لم يُعلمها بالطلاق، وإنَّما أسرَّه لبعض خواصه والتمس منه أنْ لا يعلمها بذلك إلا بعد مُضيِّ المدة التي كان عجَّل لها النفقة عنها عند سفره.
-
وأعلمها بأنَّ الحامل له على الطلاق الرِّفق بها لئلا تختار الإقامة بوطنها أو يحصل لها نصيبها، فلا تتضرر بشبكته (١) .
- تلاميذه:
-
أما تلامذته، فقد توافدوا على مجالسه من كل حدب وصوب حتى ضاقت مجالسه، وامتلأت بجموعهم مدارسه، وقد أخذوا عنه من أقطار شتى وأماكن
- مختلفة (٢) ، ومن أبرزهم وأشهرهم:
-
١ - ابن فهد المكي، تقي الدين محمد بن محمد ت (٨٧١) هـ (٣) .
-
٢ - محمد بن سليمان الكافيجي ت (٨٧٩) هـ (٤) .
-
٣ - برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي ت (٨٨٥) هـ (٥) .
- vol. 1, p. 19
٤ - محمد بن محمد الخيضري ت (٩٠٢) هـ (١) .
-
٥ - محمد بن عبد الرحمان السخاوي ت (٩٠٢) هـ (٢) .
-
٦ - زكريا بن محمد الأنصاري ت (٩٢٦) هـ (٣) .
- مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
-
الداخل في كتب العلم تجاه هذه الفقرة يجد العجب العجاب، فهذا الذي لا يمكن تعداده ولا يُستطاع حصره، لكني ذكرت من ذلك حسب الإيجاز خشية الإطالة، فمنها:
١ - كتب الحافظ العراقي على «لسان الميزان» ما صورته: كتاب «لسان الميزان» تأليف الحافظ المتقن، الناقد، الحجة، شهاب الدين أحمد بن علي الشافعي، الشهير بابن حجر، نفع الله بفوائده وأمتع الله بعوائده (٤) .
-
٢ - كتب العلامة تقي الدين أبو بكر الدجوي على بعض تخاريج الحافظ ما صورته: لقد بهر ابن حجر بفضله العقول والأفكار، كما فاق حَجَرُهُ الياقوت بل غيره من الحجّار «وإنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار» فإنَّه جمع فأوعى، وأوعب جمعاً وأبدع لفظاً ومعنىً، وجمع إحساناً وحسناً، فلو شاهد حسنه الجمالُ المزيُّ لأطنب في الثناء وأسهب، أو الذهبيُّ لذهب في الإعجاب كل مذهب، أو ابنُ عبد الهادي لاهتدى به واقتفى أثره، أو ابن كثير لكاثر ببعضه واستكثره،
vol. 1, p. 20فشكراً لهذا الإمام شكراً، فلقد جمَّل مصره، وجدد لها في الحفاظ ذكراً، أوزعه الله شكر ما حمله، كما زيَّن به عصره ومصره وجمَّله (١) .
-
٣ - كتب العلامة كمال الدين الشُمُنّي في خطبة (شرحه للنخبة) ما نصه: فإنَّ الكتاب المسمى بـ «نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر» من مصنفات الشيخ الإمام مفتي الأنام، مالك ناصية العلوم وفارس ميدانها، وحائز قصب السبق في حَلبة رهانها، الوارد من فنون المعارف أنهاراً صافية، اللابس من محاسن الأعمال ثياباً ضافية، حافظ السنة من التحريف والتبديل، المرجوع إليه في علمي التجريح والتعديل، وحيد دهره في الحفظ والاتقان، فريد عصره في النباهة والعرفان، فيلسوف علل الأخبار وطبيبها، إمام طائفة الحديث وخطيبها (٢) .
-
٤ - قال ابن تغري بردي في بيان صفاته: «شيخ الإسلام، حافظ المشرق والمغرب أمير المؤمنين في الحديث، علّامة الدهر، شيخ مشايخ الإسلام، حامل لواء سنة سيد الأنام، قاضي القضاة (٣) أوحد الحفاظ والرواة، شهاب الدين أبو الفَضْل أحمد بن الشيخ علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، العسقلاني الأصل، الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها وحافظها وشاعرها ... لم يخلف بعده مثله شرقاً ولا غرباً، ولا نظر هو في مثل نفسه في علم الحديث.
- vol. 1, p. 21
وكان -رحمه الله تعالى- إماماً عالماً حافظاً شاعراً أدبياً مصنّفاً مليح الشكل منور الشيبة، حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية عذب المذاكرة، مع وقار وأبهة وعقل وسكون وحلم وسياسة ودرية بالأحكام ومداراة الناس، قلَّ أنْ كان يخاطب الرجل بما يكره، بل كان يحسن إلى من يسيء إليه (١) ، ويتجاوز عمن قدر عليه هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة والبر والصدقات، وبالجملة فإنَّه أحد من أدركنا من الأفراد» (٢) .
وقال ابن فهد: «لم ترَ العيون مثله، ولا رأى مثل نفسه» (٣) .
- أوصافه الخُلُقية:
-
قد عُرِف -رحمه الله تعالى- بتحريه في مأكله ومشربه وملبسه وأموره كلها، وعُرف في ضبط لسانه مما يشهد لورعه، حتى في الدعاء على من ظلمه (٤) ، وعرف بسعة حلمه وصدره وحسن سياسته والإعفاء عن من يؤذيه، لاسيما مع القدرة على الانتقام، بل
vol. 1, p. 22يحسن لمن أساء إليه، ويتجاوز عن من قدر عليه، وعدم سرعة غضبه ما لم يكن في حق الله تعالى وحق رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعُرف كذلك بصبره على المحن والحوادث البدنية والمالية، وأنَّه غاية في السماحة والسخاء والبذل مع قصد خفاء ذلك، وشفقته على خلق الله تعالى وإحسانه للغرباء، ولا سيما أهل الحرمين، وابتكاره لهم في أوقافهم المستجد والقدوم، مما كثر الترحم عليه بسببه، وتميز ببره لشيوخه وأبناءهم، بل بطلبته وأصحابه وخدمه، وتميز كذلك عن كافة أهل عصره لمزيد التبسط في عارية الكتب، وحسن عشرته وتواضعه وحلو محاضرته وشدة خوفه من الله تعالى، وجمع العمل مع العلم (١) ، وغيرها من الأوصاف الحميدة، فلله دره.
- وفاته:
-
وبعد حياة حافلة في التعلم والتعليم فاضت الروح الطاهرة إلى بارئها وانتقلت إلى جوار ربها الكريم، ففي ليلة السبت الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة فارقت الروح هذا الجسد الذي طالما أضناه التعب في سبيل خدمة هذا الدين.
-
وحضر تشييعه جمع كبير من أهل القاهرة، ودُفن في القرافة الصغرى (٢) .
-
وقبره الآن يقع على مسافةٍ تقدر بحوالي (١٥٠٠ م) من مقام الإمام الشافعي، ذكر ذلك الدكتور شاكر محمود عند زيارته له (٣) .
-
ولفقد هذا العَلَم الكبير أنَّتِ الأقلامُ والكتبُ، ورثاه المحبون، وممن رثاه
- تلميذه البقاعي (١) بقصيدة مطلعها:
-
رزء ألَمَّ فقلتُ الدهر في وهج ... وأعقل الناس منسوباً إلى الهرجِ (٢)
-
مؤلفاته
يعد الحافظ ابن حجر من المكثرين في التصنيف، إذ له من المؤلفات والتحقيقات ما يزيد على مئتين وسبعين مؤلفاً، وهي متفاوتة في أحجامها فمنها الكبير، ومنها المتوسط، ومنها الصغير، ويغلب عليها التصنيف في الحديث والجرح والتعديل. وقد استقصاها تلميذه السخاوي (٣) ، وعدد من الباحثين المعاصرين (٤) ، وفصّلوا القول فيها، فبينوا مطبوعها من مخطوطها من مفقودها، ولا داعي لتكرار ما ذكره الباحثون من سرد مؤلفاته، ولكنني سأكتفي ببعض ذلك:
١ - إتحاف المهرة (٥) .
-
٢ - الإصابة في تمييز الصحابة (مطبوع في أربع مجلدات) .
-
٣ - إنباء الغمر بأبناء العمر (مطبوع) .
-
٤ - بلوغ المرام (طبع عدة طبعات) ، وهذه طبعتنا نسأل الله القبول.
-
٥ - تبصير المنتبه في تحرير المشتبه (مطبوع في أربع مجلدات) .