مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 10 of 79

  1. وممَّن قال: لا بأسَ أن يبيعَ الإنسانُ طعامًا قد عَلِمَ مِقدارُهُ مُجازفةً، مِمَّن لم يعلم مِقدارُهُ: الشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهُما (٢) ، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وداودُ، وأحمدُ بن حَنْبل، والطَّبريُّ. ورُوِيَ ذلك عن الحَسنِ البصريِّ، على اختِلافٍ عنهُ.

    vol. 8, p. 435
  2. ولم يختَلِفْ قولُ مالكٍ في هذه المسألة: أنَّ البائعَ إذا عَلِمَ بكيلِ طعامِهِ، وكتَمَ المُشْتري، كان ذلك عيبًا، وكان المُشتري بالخيارِ، بين التَّمسُّكِ والرَّدِّ (٣) . وجميعُ الطَّعام، والإدامُ، في ذلك سواءٌ، وعِلمُ الكَيْل والوزنِ في ذلك سواءٌ، لم يختلف قولُ مالكٍ في شيءٍ من ذلك.

  3. واختَلَفَ قولُ مالكٍ في المسألةِ الأُولى من هذا البابِ، فالمشهُورُ عنهُ ما قَدَّمنا ذِكْرهُ، وقد حَكَى أبو بكر بن أبي يحيى الوَقَارُ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: لا بَيْعَ ما اشْتُري من الطَّعام والإدام جُزافًا قبلَ قبضِهِ ونقلهِ، واختارهُ الوَقَارُ، وهُو الصَّحيحُ عِندي في هذه المسألةِ، لثُبُوتِ الخَبرِ بذلك عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعَمَلِ أصحابِهِ، وعليه جُمهُورُ أهل العِلم.

  4. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو

    vol. 8, p. 436داود، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن عَوْفٍ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أبي الزِّنادِ، عن عُبَيدِ بن حُنَينٍ، عن ابن عُمرَ، قال: ابْتَعتُ زيتًا في السُّوقِ، فلمّا اسْتَوفيتُهُ، لَقِيني رجُل فأعْطاني به رِبحًا حَسَنًا، فأردتُ أن أضرِبَ على يده، فأخَذَ رجُلٌ من خَلْفي بذِراعي، فالتفتُّ، فإذا أنا بزَيْدِ بن ثابتٍ، فقال: لا تَبِعهُ حيثُ ابْتَعتهُ حتَّى تحُوزهُ إلى رَحْلِكَ، فإنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن تُباع السِّلَعُ حيثُما تُبْتاعُ، حتَّى يحُوزها التُّجّارُ إلى رِحالِهِم.

  5. عمَّ في هذا الحديثِ السِّلع، فظاهِره حُجَّةٌ لمن جعلَ الطَّعامَ وغيرَهُ سواءً، على ما ذكَرْنا عنهُم في البابِ قبل هذا، ولكنَّهُ يَحْتمِلُ أن يكونَ أراد السِّلِعَ المأكُولةَ والمُؤتدَم بها، لأنَّ على الزَّيتِ خرجَ الخبرُ، وجاءَ في هذا الحديث: فلمّا اشْتريتُهُ، لَقِيني رجُلٌ فأعْطاني به رِبحًا ... الحديثَ. وهذا يحتمِلُ أن يكونَ اشتراهُ جُزافًا بظرفِهِ، فحازَهُ إلى نفسِهِ، كما كان في ذلك الظَّرفِ قبلَ أن يَكِيلهُ أو ينقلهُ.

  6. والدَّليلُ على ذلكَ، إجماعُ العُلماءِ على أنَّهُ لوِ اسْتَوفاهُ بالكَيْلِ أوِ الوزنِ، إلى آخِرِهِ، لجازَ لهُ بيعُهُ في مَوْضِعِهِ، وفي إجماعِهِم على ذلكَ ما يُوضِّحُ (٢) ، أنَّ قولهُ: فلمّا استوفيتُهُ. على ما ذكَرْنا، أو يكونُ لفظًا غير محفُوظٍ في هذا الحديثِ، واللّه أعلمُ، أو يكونُ زيدُ بن ثابتٍ رآه قد باعَهُ في المَوْضِع (٣) الذي ابْتاعهُ فيه، ولم يَعْلم باسْتِيفائهِ لهُ، فنُقِلَ الحديث من أجلِ ما ذكَرَهُ زيدٌ فيه، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  7. ولمّا أجمعُوا على أنَّهُ لو قَبَضهُ، وقدِ ابْتاعهُ جُزافًا، وحازَهُ إلى رَحْلهِ، وبانَ به، وهُما جميعًا في مكانٍ واحِدٍ، أنَّهُ جائزٌ لهُ حِينَئذٍ بيعُهُ، عُلمَ أنَّ العِلَّةَ في انْتِقالهِ من مكانٍ إلى مكانٍ سِواهُ: قَبْضهُ، على ما يعرِفُ النّاسُ من ذلك، وأنَّ الغرضَ منهُ القبضُ، وقلَّما يُمكِنُ قبضُهُ إلّا بانتِقالهِ، والأمرُ في ذلكَ بيِّنٌ لمن فهِمَ ولم يُعانِد.

    vol. 8, p. 437
  8. وأمّا مسألةُ المُجازَفةِ، فقد تابَع مالكًا على القولِ بكَراهةِ ما كرِه من ذلك: اللَّيثُ بن سعدٍ. وقد رُوي ذلك عن جماعةٍ من التّابِعين.

  9. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: قرأتُ على محمُود (١) بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني ابنُ أبي جَميل (٢) ، قال: سألتُ مُجاهِدًا، وطاوُوسًا، وعَطاءَ بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحَسن (٣) عن الرَّجُل يأتي الطَّعام فيَشْتريهِ في البيتِ من صاحِبِهِ مُجازفةً، لا يَعْلمُ كَيْلَهُ، وربُّ الطَّعام يعلمُ كَيْلهُ. فكَرِهُوهُ كلُّهُم.

    وقال مالكٌ في الجَوْز: إذا علم صاحِبُهُ عدَدهُ، ولم يعلمهُ المُشْتري، لم يبِعهُ مُجازَفةً.

    قال: وأمّا القِثّاءُ ونحوه، فلَهُ أن يبيعهُ مُجازَفةً، وإن علمَ البائعُ عدَدهُ، ولم يعلَمهُ المُشْتري، لأنَّ ذلك يَخْتلفُ. وتابَعهُ على ذلكَ اللَّيثُ.

    vol. 8, p. 438وقال الأوزاعيُّ: إذا اشْتَرى شيئًا مِمّا يُكالُ ثمَّ حملَهُ إلى بَلدٍ يُوزَنُ فيه، لم يبِعهُ جُزافًا، وإن كان حيثُ حملهُ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ، فلا بأسَ (١) بذلك.

  10. ولا يجُوزُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ، بيعُ شيءٍ لهُ بالُ جُزافًا، نحو الرَّقيقِ، والدَّوابِّ، والثِّياب (٢) والمَواشي، والبزِّ، وغيرِ ذلك، مِمّا (٣) لهُ قدر وبالٌ، لأنَّ ذلكَ يدخُلُهُ الخَطَرُ والقِمارُ.

  11. وهذا عندَهُم خِلافُ ما يُعدُّ ويُكالُ ويُوزَنُ من الطَّعام والإدام، وغير، لأنَّ ذلكَ تَحْويهِ العينُ، وَيتَقاربُ فيه النَّظرُ بالزِّيادةِ اليَسِيرة، والنُّقصانِ اليسيرِ.

  12. وكان إسماعيلُ بن إسحاقَ يحتجُّ لمالكٍ في كَراهيتِهِ لمن عَلِمَ كَيْل طَعامِهِ، أو وَزْنهُ ومِقْدارهُ، أن يبيعهُ مجُازَفةً، مِمَّن لا يعلمُ ذلك، ويكتُمُ عليه فيه، بأن قال: المُجازَفةُ مُفاعلة، وهي مِنِ اثْنينِ، ولا تكونُ من واحِدٍ، فلا يصِحُّ حتَّى يَسْتوي عِلمُ البائع والمُبْتاع فيما يبتاعاهُ (٤) مُجازَفةً.

  13. وهذا قولٌ لا يلزمُ، وحجَّةٌ تحتاجُ إلى حُجَّةٍ تَعْضدُها، وليس هذا سبيلُ الاحتِجاج، والذي كرِههُ لهُ مالكٌ، لأنَّهُ داخِلٌ عندَه في بابِ القِمارِ والمُخاطَرةِ والغِشِّ واللّه أعلمُ.

  14. ورَوَى العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من غشَّنا فليسَ مِنّا" .

  15. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر (٥) ، قال: حدَّثنا أبو

    vol. 8, p. 439داود، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ برَجُلٍ يَبِيعُ طعامًا، فسَألهُ: "كيفَ تبيعُ؟ " ، فأُوحِيَ إلَيه (٣) : أن أدْخِل يدَكَ فيه، فأدخَلَ يَدَهُ فيه، فإذا هُو مبلُولٌ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من غشَّ، فليسَ مِنّا" .

  16. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٤) : حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بِلال، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من غشَّنا فليسَ مِنّا" .

  17. حديثٌ ثاني عَشَر لنافِع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن النَّجْش (٢) .

    vol. 8, p. 440
  18. هكذا روى هذا الحديث جَماعةُ أصحابِ مالكٍ، عن مالكٍ (٣) ، وزادَ فيه القَعْنبيُّ: قال: وأحسبُهُ. قال: وأن تُتَلَقَّى السِّلعُ حتَّى يُهبطَ بها إلى الأسْواقِ. ولم يذكُر غيرُهُ هذه الزِّيادةَ.

  19. ورواهُ أبو يعقُوب إسماعيلُ بن محمدٍ قاضي المدائنِ، قال: أخبرنا يحيى بن موسى البَلْخيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن نافِع، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن التَّحبيرِ. قال: والتَّحبيرُ: أن يمدحَ الرَّجُلُ سِلْعتهُ بما ليس فيها. هكذا قال: التَّحبيرِ، وفسَّرهُ. ولم يُتابَع على هذا اللَّفظِ، وإنَّما المعرُوفُ: النَّجْشُ.

  20. وقد مَضَى القولُ فيها، بما للعُلماءِ في ذلك، فيما تقدَّم من كِتابِنا هذا.

  21. وأمّا النَّجْشُ، فلا أعلمُ بين أهل العِلم اختِلافًا، في أنَّ مَعْناهُ أن يُعطِيَ الرَّجُلُ الذي قد دسَّهُ البائعُ وأمَرهُ، في السِّلعةِ عَطاءً لا يُريدُ شراءَها به، فوقَ ثَمنِها ليَغْتَرَّ

    vol. 8, p. 441المُشْتري، فيَرْغَبَ فيها، أو يَمْدحُها بما ليسَ فيها، فيَغْترَّ المُشتري، حتَّى يزيدَ فيها، أو يفعل ذلك البائعُ (١) بنفسِهِ، ليغُرَّ النّاس في سِلْعتِهِ، وهُو لا يعرِفُ أنهُ ربُّها.

  22. هذا معنى النَّجْشِ عندَ أهل العِلم، وإن كان لفظي رُبَّما خالَفَ شيئًا من ألفاظِهِم، فإن كان ذلك، فإنَّهُ غيرُ مُخالفٍ لشيءٍ من مَعانيهِم (٢) .

  23. وهذا من فِعلِ فاعِلهِ، مَكْرٌ وخِداعٌ، لا يجُوزُ عندَ أحَدٍ من أهل العِلم، لنَهْي رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن النَّجشِ، وقوله: "لا تَناجَشُوا" (٣) . وأجمَعُوا أنَّ فاعِلهُ عاصٍ للّه، إذا كان بالنَّهي عالمًا.

  24. واختلَفَ الفُقهاءُ في البَيْع على هذا إذا صحَّ، وعُلِمَ به.

    فقال مالكٌ: لا يجُوزُ النَّجشُ في البيع، فمَنِ اشْتَرى سِلْعةً منجُوشَةً، فهُو بالخيارِ إذا علِمَ، وهُو عيبٌ من العُيُوبِ.

    قال أبو عُمر: الحُجَّةُ لمالكٍ في قولهِ هذا عِندِي: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَعلَ لمُشْتري المُصرّاةِ الخيارَ (٤) . إذا علِمَ بعيبِ التَّصريةِ، ولم يَقْضِ بفسادِ البيع، ومعلُومٌ أنَّ التَّصريةَ غشٌّ (٥) ، ومكرٌ وخديعةٌ.

  25. فكذلك النَّجشُ يصِحُّ فيه البيعُ، ويكونُ المُبتاعُ بالخيارِ من أجلِ ذلكَ قياسًا ونظرًا، واللّه أعلمُ.

    vol. 8, p. 442وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ: ذلك مكرُوهٌ، والبيعُ لازِمٌ، ولا خيارَ للمُبتاع في ذلك (١) .

    قال أبو عُمر: لأنَّ هذا ليسَ بعَيْبٍ في نفسِ المبيع، كالمُصرّاةِ المُدلَّسِ بها، وإنَّما هُو كالمَدْح وشِبْهِهِ، وقد كان يجِبُ على المُشْتري التَّحفُّظُ، وأن يَسْتعينَ بمن يُميِّزُ، ونحوُ هذا.

    وقالت طائفةٌ من أهل الحديثِ وأهل الظّاهِر: البَيْعُ في هذا باطِلٌ مَرْدُودٌ على بائعِه، إذا ثبتَ ذلك عليه (٢) .

  26. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا أبو يعقُوبَ الحُنينيُّ، عن مالكٍ والعُمَريُّ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن النَّجشِ.

  27. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح (٤) ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تناجَشُوا" (٥)

  28. حديثٌ ثالِثَ عَشَر لنافِع، عن ابنِ عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المُتبايِعانِ

    كلُّ واحدٍ منهُما بالخيار (٢) ، ما لم يَفْتَرِقا، إلّا بيعَ الخيارِ".

    vol. 8, p. 443
  29. لا خِلافَ عن مالكٍ في لفظِ هذا الحديثِ بهذا الإسناد (٣) ، ورواهُ أيوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَبي - صلى الله عليه وسلم -: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا، أو يقولُ أحدُهُما لصاحبِهِ: اخْتَر" . هكذا قال حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ (٤) .

  30. ورواهُ شُعبةُ وسَعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن أيوبَ، بإسناده، بلفظِ حديثِ مالكٍ ومعناهُ (٥) .

  31. ورواهُ ابنُ عُليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، مِثلهُ: "البيِّعانِ بالخيارِ حتَّى يَفْتَرِقا، أو يكونَ بيعَ خيارٍ" . قال: ورُبَّما قال نافِعٌ: "أو يقولَ أحدُهُما لصاحِبِه: اخْتَر" (١) .

    vol. 8, p. 444
  32. ورواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال فيه: "ما لم يتفرَّقا. أو يكونُ خيارٌ" (٢) .

  33. ولفظُ عبدِ الله بن دينارٍ عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ بيِّعينِ فلا بَيْعَ بينهُما حتَّى يَفْتَرِقا" . قال: "إلّا بيعَ الخيارِ" .

  34. ورُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "المُتبايِعانِ بالخيارِ ما لم يَفْتَرِقا" . من وُجُوهٍ كثيرةٍ: من حديثِ سَمُرةَ بن جُندُبٍ، وأبي بَرْزةَ الأسْلَميِّ، وعبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، وأبي هُريرةَ (٣) ، وحكيم بن حِزام، وغيرِهِم.

  35. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ هذا الحديث ثابِتٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّهُ من أثْبَتِ ما نقَلَ الآحادُ العُدُولُ (٤) .

  36. واختلفُوا في القولِ به، والعملِ بما دلَّ عليه، فطائفةٌ اسْتَعملتهُ وجَعلتهُ أصلًا من أُصُولِ الدِّينِ في البُيُوع، وطائفةٌ ردَّتهُ، واختلَفَ الذين ردُّوهُ في تأويلِ ما رَدُّوهُ به، وفي الوُجُوهِ التي (٥) بها دَفعُوا (٦) العملَ به.

  37. فأمّا الذين ردُّوهُ: فمالكٌ (١) ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما (٢) . لا أعلمُ أحَدًا ردَّهُ غير هؤُلاءِ، إلّا شيءٌ رُوِيَ عن إبراهيم النَّخعيِّ (٣) .

    vol. 8, p. 445
  38. فأمّا مالكٌ، رحِمهُ الله، فإنَّهُ (٤) قال في "مُوطَّئهِ (٥) " لمّا ذكر هذا الحديث: وليسَ لهذا عندَنا حَدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به.

  39. واختلَفَ المُتأخِّرُون من المالكيِّين في تخريج وُجُوهِ قولِ مالكٍ هذا، فقال بعضُهُم: دَفَعهُ مالكٌ رحِمهُ الله، بإجماع أهلِ المدينةِ على تَركِ العَملِ به، وإجماعُهُم حُجَّةٌ فيما أجْمَعُوا عليه، ومثلُ هذا يصِحُّ فيه العَملُ، لأنَّهُ مِمّا يَقعُ مُتواتِرًا ولا يقعُ نادِرًا فيُجهَل، وإذا (٦) أجمعَ (٧) أهلُ المدينةِ على تَرْكِ العَملِ به، وِراثةً بعضُهُم عن بَعضٍ، فمعلُوم أنَّ هذا تَوْقِيفٌ أقْوَى من خَبرِ الواحدِ، والأقْوَى أوْلَى أن يُتَّبعَ.

    وقال بعضُهُم: لايصحُّ دعوَى إجماع أهلِ المدينةِ في هَذه المسألةِ، لأنَّ سعيدَ بن المُسيِّبِ وابن شِهاب، وهُما أجلُّ فُقهاءِ أهلِ (٨) المدينةِ، رُوِيَ عنهُما منصُوصًا العَملُ به (٩) (١٠) ، ولم يُرو عن أحَدٍ من أهلِ المدينةِ نصًّا تَرْكُ العَملِ به، إلّا عن مالكٍ، ورَبِيعةَ، وقدِ اختُلِف فيه عن ربيعةَ.

  40. وقد كان ابنُ أبي ذِئبِ، وهُو من فُقهاءِ أهلِ المدينةِ في عَصْرِ مالكٍ، يُنكِرُ على مالكٍ اختيارهُ تركَ العَملِ به، حتَّى جَرَى منهُ لذلكَ في مالكٍ قولٌ خَشِنٌ، حَملهُ عليه الغَضبُ، لم يُسْتَحسَن مِثلُهُ منهُ، فكيفَ يصِحُّ لأحدٍ أنَّ يدَّعي إجماعَ أهلِ المدينةِ في هذه المسألةِ؟ هذا ما لا يصِحُّ القولُ به.

    وقال هذا القائلُ في معنى قولِ مالكٍ: وليسَ لهذا عندَنا حدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به: إنَّما أرادَ الخيار، لأنَّهُ قال ذلك بإثرِ قولِهِ: "إلّا بيع الخيارِ" . وأرادَ مالكٌ بقولِهِ هذا: أي ليسَ عندَنا بالمدينةِ في الخيارِ حدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ معمُولٌ به فيه. إنكارًا لقولِ أهلِ العِراقِ وغيرِهِمُ، القائلينَ بأنَّ الخيارَ لا يكونُ في جميع السِّلع إلّا ثلاثةَ أيام، والخيارُ عندَ مالكٍ وأهلِ المدينةِ، يكونُ ثلاثًا وأكثر وأقلَّ، على حَسَبِ اختِلافِ حالِ المبيع، وليسَ الخيارُ عِندهُ في الحَيَوانِ كهُو في الثِّيابِ، ولا هُو في الثِّيابِ كهُو في العَقارِ، وليسَ لشيءٍ من ذلك حدٌّ بالمدينةِ لا يُتجاوزُ، كما زعَمَ المُخالِفُ.

    قال: فهذا معنى ما أرادَ مالكٌ رحِمهُ الله، بقولِهِ: وليسَ لهذا عندَنا حدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به. أي: ليسَ للخيارِ واشْتِراطِهِ عندَنا حدٌّ لا يُتجاوَزُ في العَملِ سُنَّةٌّ، كما زعَمَ من خالفنا.

    قال وأمّا حديثُ: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتَفرَّقا" . فإنَّما ردَّهُ اعتِبارًا ونظرًا واختيارًا، مالَ فيه إلى بعضِ أهلِ بَلدِهِ، كما صنعَ في سائرِ مَذْهبِهِ.

    قال أبو عُمرَ: قد أكثَرَ المُتأخِّرُون من المالكيِّين والحَنفيِّينَ من الاحتِجاج لمذهبِهِما في ردِّ هذا الحديثِ، بما يَطُولُ ذِكرُهُ، وأكثرُهُ تَشْغيبٌ لا يُحصَلُ منهُ على شيءٍ لازِم لا مدفَعَ لهُ.

    vol. 8, p. 446