مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 9 of 79
- vol. 8, p. 423
وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ، أنَّ الطَّعامَ المنصوصَ عليه، أصلُهُ الكيلُ والوزنُ، فكلُّ مكيلٍ أو موزُونٍ، فذلك حُكمُهُ، قياسًا عندَهُم ونظرًا.
vol. 8, p. 424وقال آخرُونَ: كلُّ ما مُلِكَ بالشِّراءِ، فلا يجُوزُ بيعُهُ قبلَ القَبْضِ، إلّا العقارَ وحدهُ. وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ، وإليه رجعَ أبوُ يُوسُف (١) .
-
وجُملةُ قولِ أصْحابِ أبي حَنِيفةَ: أنَّ المهرَ والجُعْل، وما يُؤخَذُ في الخُلْع، جائزٌ أن يُباعَ ما مُلِكَ من هذه الوُجُوهِ قبلَ القبضِ، والذي لا يُباعُ قبلَ القَبْضِ ما اشْتُري، أوِ استُؤجِرَ به (٢) .
وقال آخرُونَ: كلُّ ما مُلِكَ بالشِّراءِ أو بعِوَضٍ، من جميع الأشْياءِ كلِّها، عَقارًا كان أو غيرهُ، مأكُولًا كان أو مشرُوبًا، مَكِيلًا كان أو موزُونًا، أو غيرَ مَكِيلٍ ولا موزُونٍ، ولا مأكُولٍ ولا مشرُوبٍ، من كلِّ ما يجري عليه البيعُ، لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ منهُ قبلَ القَبْضِ.
-
ومِمَّن قال بهذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، والشّافِعيُّ. وبه قال محمدُ بن الحسنِ. وهُو قولُ عَبدِ الله بن عبّاس، وجابرِ بن عبدِ الله رضي الله عنهُما (٣) .
-
ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: أنَّ عبد الله بن عبّاس (٤) ، وجابر بن عبدِ الله (٥) رَوَيا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنهُ قال: "منِ اشْتَرى طعامًا، فلا يبِعهُ حتَّى يَقْبِضهُ" . وأفْتَيا جميعًا بأن لا يُباعَ بيعٌ حتَّى يُقبضَ. وقال ابنُ عبّاس: كلُّ شيءٍ عِندي مِثلُ الطَّعام.
-
فدلَّ على أنَّهُما فَهِما عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المُرادَ والمعنى.
- vol. 8, p. 425
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرٌو، قال أخبرني طاوُوسٌ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: أمّا الذي نَهَى عنهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فهُو الطَّعامُ أن يُباع حتَّى (٢) يُستوفَى. ورُبَّما قال سفيانُ: حتَّى يُكالَ. وقال ابنُ عبّاسٍ برأيه: ولا أحْسَبُ كلَّ شيءٍ إلّا مِثلَهُ.
-
وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن (٣) محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال أخبرنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ (٤) بن يحيى البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيَينةَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: أمّا الذي نَهَى عنهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُباعَ حتَّى يُقبضَ، فهُو الطَّعامُ. قال ابنُ عبّاسٍ برأيه: وأحْسَبُ كلَّ شيءٍ مِثلَهُ (٥) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا هشام الدَّستُوائيُّ، عن يحيى بن
vol. 8, p. 426أبي كثيرٍ، عن يُوسُف بن ماهكَ، أنَّ عبدَ الله بن عِصْمةَ حدَّثهُ، أنَّ حكيم بن حِزام حدَّثهُ، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أشْتَري بُيُوعًا، فما يحِلُّ لي منها، وما يحرُمُ؟ فقال: "يا ابن أخي، إذا اشْتَريتَ بيعًا، فلا تَبِعهُ حتَّى تَقْبِضهُ" (١) .
-
وهذا الإسنادُ، وإن كان فيه مقالٌ (٢) ، ففيه لهذا المذهبِ اسْتِظهارٌ.
-
ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب الشّافِعيِّ والثَّوريِّ في هذا الباب (٣) ، نهيُهُ - صلى الله عليه وسلم - عن رِبح ما لم يُضمَنْ، وبَيعْ ما لم يُضمَنْ (٤) . وما لم يَقْبِضهُ المُشتري عندَهُم من جميع الأشياءِ كلِّها، وضاعَ وهلكَ، فمُصيبتُهُ عندَهُم من البائع وضَمانُهُ منهُ.
-
وما كان ضمانُه من البائع، فلا يجُوزُ لمُشتريهِ عندَهُم بيعُهُ قبلَ قَبْضِهِ، بدليل نَهْيهِ - صلى الله عليه وسلم - عن رِبح ما لم يُضمَنْ.
- vol. 8, p. 427
وبنصِّ قوله: "منِ ابتاعَ طعامًا (١) ، فلا يبِعهُ حتَّى يَقْبِضهُ" ، واستِدلالًا بالسُّنَّةِ الثّابِتةِ في الطَّعام، بألّا (٢) يُباعُ حتَّى يُقبضَ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا زُهيرُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، قال: حدَّثني عَمرُو بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيهِ، حتَّى ذكَرَ عبدَ الله بن عَمرٍو، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ بيعٌ وسَلَفٌ، ولا بيعُ ما لم يُضمَنْ، ولا بيعُ ما ليسَ عِندكَ" .
-
واحتجُّوا أيضًا بعُمُوم بيع ما ليسَ عِندكَ على ظاهِرهِ.
-
واحتجُّوا أيضًا بحديثِ سَعْد (٤) الطّائيِّ، عن عطيَّةَ العَوْفيِّ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أسلَفَ في شيءٍ، فلا يصرِفهُ (٥) في غيره، أو إلى غيره" (٦) . وقالوا: هذا كلُّهُ على العُمُوم في الطَّعام وغيره.
-
وذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، ومن تابَعهُ في هذا الباب، إلى أنَّ نَهْيهُ عليه السَّلامُ عن رِبح ما لم يُضمَنْ، إنَّما هُو في الطَّعام وحدَهُ، لأنهُ خُصَّ بالذِّكرِ في هذا (٧)
- vol. 8, p. 428
الحديثِ وغيره من الأحاديثِ (١) . ولا بأسَ عندَهم برِبح ما لم يُضمَنْ، فيما عدا الطَّعام من البُيُوع، والكِراءِ، وغيره. وكذلك حملُوا النَّهي عن بَيعْ ما ليسَ عِندكَ، على الطَّعام وحدَهُ، إلّا ما كان من العِينة (٢) . وأصحابُنا على (٣) أُصُولهِم في الذَّرائع، ولتفسيرِ العِينةِ على مذهبِهِم في ذلك (٤) موضِعٌ غيرُ هذا.
قالوا: وكلُّ حديثٍ ذُكِر فيه النَّهيُ عن بيع ما ابْتَعتهُ حتَّى تَقبِضهُ، فالمُرادُ به الطَّعامُ، لأنهُ الثّابِتُ في الأحاديثِ الصِّحاح من جِهةِ النَّقل، وتخصيصهُ الطَّعامَ بالذِّكرِ دليلٌ على أنَّ ما عَداهُ وخالَفهُ، فحُكمُهُ بخِلافِ حُكمِهِ، كما أنَّ قولهُ عندَ الجميع: "منِ ابتاعَ طعامًا" تخصيصٌ منهُ للابتياع، دُونَ ما عداهُ من العَرْضِ (٥) وغير.
-
ولكلِّ طائفةٍ في هذا البابِ حُججٌ من جِهةِ النَّظرِ، تركتُ ذِكرها، لأنَّ أكثرها تَشغيبٌ، ومدارُ البابِ على ما ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا (٦) .
وقال عُثمانُ البتِّيُّ: لا بأسَ أن تبيع كلَّ شيءٍ قبلَ أن تقبِضهُ، كان مكيلًا أو مأكُولًا، أو غير ذلك من جميع الأشياء (٧) .
قال أبو عُمر: هذا قولٌ مردُودٌ بالسُّنَّةِ، والحُجَّةِ المُجمَعة (٨) على الطَّعام فقط، وأظُنُّهُ لم يبلُغهُ هذا (٩) الحديثُ، ومِثلُ هذا لا يُلتفتُ إليه، وباللّه التَّوفيقُ.
- vol. 8, p. 429
حديثٌ حادي عشر لنافِع، عن ابن عُمَرَ
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنهُ قال: كنّا نبتاعُ الطَّعامَ في زَمَنِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيبَعْثُ علينا من يأمُرُنا بانتِقالهِ من المكانِ الذي ابْتَعناهُ فيه، إلى مكانٍ سِواهُ قبلَ أن نَبِيعَهُ.
-
هكذا رَوَى مالك هذا الحديثَ لم يُختَلَف عليه فيه (٢) ، ولم يَقُل: جُزافًا. وروى غيرُهُ عن نافِع، عن ابن عُمرَ، فقال فيه: "كُنّا نبتاعُ الطَّعام جُزافًا" (٣) .
-
وقد ذكَرْنا مذهبَ مالكٍ في الفَرْقِ بين الطَّعام المَبيع على الكيل، والطَّعام المَبيع على الجُزافِ، وأنَّ ما بِيعَ عِندهُ وعندَ أكثرِ أصحابِهِ من الطَّعام جُزافًا، فلا بأسَ أن يَبيعهُ مُشْتريهِ قبلَ أن يَقْبِضهُ، وقبلَ أن ينقُلهُ.
-
ومعنى نَقْلهِ في هذا الحديثِ: قَبْضُهُ، ومعنى قبضِهِ عندَ مالكٍ: استيفاؤُهُ، وذلكَ عندَهُ في المَكيلِ والموزُونِ، دُونَ الجُزافِ.
-
وجعلَ مالكٌ رحِمهُ الله قولهُ: "حتَّى يَسْتوفيهُ" . تفسيرًا لقَوله: "حتَّى يقبِضهُ" .
-
والاستيفاءُ عندَهُ وعندَ أصحابِهِ، لا يكونُ إلّا بالكيل أوِ الوزنِ، وذلك عندَهُم فيما يحتاجُ إلى الكَيْل أوِ الوزنِ، مِمّا بيعَ على ذلك.
vol. 8, p. 430قالوا: وهُو المعرُوفُ من كلام العربِ في معنى الاسْتِيفاءِ، بدليلِ قول الله عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} [المطففين:٢ - ٣] . وقوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف:٨٨] . و {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ} [الإسراء: ٣٥] .
قالوا: فما بِيعَ من الطَّعام جُزافًا، لا يُحتاجُ إلى كَيْلهِ، فلم يبقَ فيه إلّا التَّسليمُ، وبالتَّسليم يُسْتوفَى، فأشْبَه العَقارَ والعُرُوض، فلم يَكُن ببيعِهِ بأسٌ قبلَ القَبْضِ، بعُمُوم قول الله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] .
-
هذا جُملةُ ما احتجَّ به أصحابُ مالكٍ، لقولهِ في ذلكَ.
-
وجعل بعضُهُم هذا الحديث من بابِ تلقِّي السِّلع، وقال: إنَّما جاءَ النَّهيُ في ذلكَ، لئَلّا يترابَحُوا فيه بينهُم، فيُغلُو السِّعرُ على أهل السُّوقِ، فلذلكَ قِيلَ لهم: حوِّلُوهُ (١) عن مكانِهِ، وانقُلُوهُ، يعني إلى أهلِ السُّوقِ.
-
وهذا تأويلٌ بعيدٌ فاسِدٌ، لا يَعْضدُهُ أصل، ولا يقومُ عليه دليل، ولا أعلمُ أحدًا تابَعَ مالكًا من جَماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ على تَفرِقتِهِ بين ما اشْتُري جُزافًا من الطَّعام، وبين ما اشْتُري منهُ كيلًا، إلّا الأوزاعيَّ، فإنَّهُ قال: منِ اشْتَرى طعامًا جُزافًا فهلكَ قبل القَبْضِ، فهُو من مالِ المُشْتري، وإنِ اشْتراهُ مُكايَلةً، فهُو من مال البائع. وهُو نصُّ قول مالكٍ. وقد قال الأوزاعيُّ: منِ اشْتَرى ثَمَرةً، لم يَجُز لهُ بيعُها قبلَ القبضِ. وهذا تناقُضٌ.
-
وأحسنُ ما يُحتجُّ به لمالكٍ في قولهِ هذا، ما حدَّثناهُ (٢) عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا تميمُ (٣) بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ. وحدَّثنا
vol. 8, p. 431عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح. قالا جميعًا: حدَّثنا سُحنُونٌ، عن ابن وَهْب، قال: أخبرنا عَمرُو بن الحارِثِ، وغيرُهُ، عن المُنذِرِ بن عُبَيدٍ المدنيِّ (١) عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يبيعَ أحدٌ طعامًا اشْتَراهُ بكَيْل، حتَّى يَسْتوفيهُ (٢) .
قال أبو عُمر: فقولُهُ: "بكَيْلٍ" دليلٌ على أنَّ ما خالَفهُ بخِلافِهِ، واللّه أعلمُ.
-
ولم يُفرِّق سائرُ الفُقهاءِ بين الطَّعام المبيع جُزافًا، والطَّعام المبيع كيلًا، أنَّهُ لا يجُوزُ لمُبتاعِهِ أن يبيعَ شيئًا منهُ قبلَ القبضِ، فقبضُ ما بيعَ كيلًا أو وزنًا، أن يُكالَ على مُبتاعِهِ أو يُوزنَ عليه، وقبضُ ما اشْتُرِيَ جُزافًا، أن ينقُلهُ مُبتاعُهُ، ويُحوِّلهُ من مَوْضِعِهِ، ويَبِينَ به إلى نفسِهِ، فيكونُ ذلك قبضًا لهُ، كسائرِ العُرُوضِ.
-
والمُصيبةُ عندَ جميعِهِم فيه إن هلك قبلَ القَبْضِ من بائعِهِ، ولا يجُوزُ بيعُهُ قبلَ قَبْضِهِ (٣) .
-
ومِمَّن قال بهذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والشّافِعيُّ ومَنِ اتَّبعهُ، وأحمدُ بنُ حَنْبل، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبريُّ، وأبو عُبيدٍ. ورُوي ذلكَ عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، والحَكَم، وحمّادٍ، والحَسنِ البَصْريِّ.
-
وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ، عُمُومُ نَهْي رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم
vol. 8, p. 432يُضمَنْ (١) . وقولُهُ لحكيم بن حِزام: "إذا ابتَعْتَ بيعًا، فلا تَبِعهُ حتَّى تَقْبِضهُ" (٢) . ولما قدَّمنا ذِكْرهُ في البابِ قبلَ هذا عن ابن عبّاسٍ وجابرٍ، وغيرِهِما، ولأنَّ الصَّحابةَ كانوا يُؤمَرُونَ إذا ابتاعُوا الطَّعام جُزافًا، أن لا يبيعُوهُ حتَّى يَقْبِضُوهُ وينقُلُوهُ من مَوْضِعِهِ.
-
وقد ذكَرَ أمر الجُزافِ في هذا الحديثِ عن نافِع حُفّاظٌ مُتقِنُونَ، ورواهُ أيضًا سالمٌ، عن ابن عُمرَ.
قالوا: فلا وجهَ للفَرقِ بين شيءٍ من ذلك.
-
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ القاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: رأيتُ الذينَ يَشْترُونَ الطَّعام مُجازفةً، يُضرَبُونَ على عَهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَبِيعُوهُ، حتَّى يُؤَوو (٣) إلى رِحالهِم (٤) .
قال أبو عُمر: أخطأ محمدُ بن كثيرٍ في هذا الحديثِ، فرواهُ عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن حمزةَ، عن ابن عُمرَ (٥) . والحديثُ محفُوظٌ لسالم، عن ابن عُمرَ، ليسَ لحَمْزةَ فيه طريقٌ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ،
vol. 8, p. 433قال: أخبرنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٢) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، قال: رأيتُ النّاسَ يُضرَبُونَ على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشْتَروُا الطَّعامَ جُزافًا، أن يَبِيعَهُ المُشترِي، حتَّى يَنْقُلهُ إلى رَحْلهِ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا مُطَّلبٌ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يونُسُ، عن ابن شِهابٍ قال: أخبرني سالمٌ، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: رَأيتُ النّاسَ في عَهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ابْتاعُوا طَعامًا جُزافًا، يُضرَبُونَ في أن يَبِيعُوهُ مكانهُم، حتَّى يُؤوُوهُ إلى رِحالِهِم (٣) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافِع، عن ابن عُمرَ قال: كانوا يَتَبايعُونَ الطَّعام جُزافًا في السُّوقِ، فيَبيعُونهُ في مكانِهِم، فنَهاهُم رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَبِيعُوهُ في مكانِهِ، حتَّى ينقُلُوهُ (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا
vol. 8, p. 434عُبيدُ الله، قال: أخبرني نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: كانوا يَتَبايعُونَ الطَّعام جُزافًا في أعْلَى السُّوقِ، فنَهاهُمُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعُوهُ حتَّى ينقُلُوهُ (١) .
قال أبو عُمر: إذا آواهُ إلى رَحْلهِ، ونَقلهُ، فقد قَبضهُ، وإنَّما كانوا يُضرَبُونَ على ذلكَ، لئَلّا يبيعُوهُ قبلَ قبضِهِ.
-
وبيعُ الطَّعام جُزافًا في الصُّبرة، ونحوِها، أمر مُجتمَع على إجازتهِ، وفي السُّنَّةِ الثّابِتةِ في هذا الحديثِ دليل على إجازَةِ ذلك، ولا أعلمُ فيه اختِلافًا، فسقَطَ القولُ فيه، إلّا أنَّ مالكًا لم يُجِز لمَنْ علِمَ مِقدار صُبْرتهِ وكُدْسِهِ كَيْلًا، أن يبيعهُ جُزافًا، حتَّى يُعَرّفَ المُشتري بمَبْلَغِهِ، فإن فعلَ فهُو غاشٌّ، ومُبتاعُ ذلكَ منهُ بالخيارِ إذا علِمَ، كالعيبِ سواء.
-
وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه، فقال منهُم قائلُونَ: لا يضُر عِلمُهُ بكَيْلهِ، وجائز لهُ بيعُهُ جُزافًا، وإن عَلِمَ كيلَهُ، وكتمَ ذلكَ، على عُمُوم قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] فكلُّ بَيْع حلالٌ على ظاهِرِ هذه الآية، إلّا أن تمنعَ منه سُنَّةٌ، ولم ترِدْ سُنَّةٌ في المنع من هذا، بل قد وَرَدتِ السُّنَّةُ في إجازةِ بيع الطَّعام جُزافًا، ولم يختلفِ العُلماءُ في ذلك، ولم يُفرِّق أكثرُهُم بين العالم بذلكَ والجاهِل.
قالوا: فلا وجهَ للفَرقِ (٢) بين من (٣) عَلِمَ كيل طعامِهِ، وبينَ من جَهِلهُ في ذلك.
vol. 8, p. 435قالوا: وإنَّما (١) الغِشُّ في بيع الطَّعام جُزافًا، ألّا يكونَ الموضِعُ الذي هُو عليه مُستويًا، ونحوُ ذلكَ من الغِشِّ المعرُوفِ، فأمّا عِلمُ البائع بمِقدارِ كَيْلهِ، فليسَ بغِشٍّ.