مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 53 of 79

  1. وليسَ في حديثِ ابن عُمرَ عندَ أحدٍ من الرُّواةِ ذِكرُ الحيَّةِ، وهُو محفُوظٌ من حديثِ عائشَةَ (١) ، وحديثِ أبي سعيدٍ، وابن مسعُودٍ.

    vol. 9, p. 421
  2. قرأتُ على سَعيدِ بن نَصْرٍ وعبدِ الوارثِ بن سُفيان، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا -والله- الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "خَمْسٌ من الدَّوابِّ لا جُناحَ في قَتْلِهِنَّ على من قَتَلهُنَّ في الحِلِّ والحُرْم: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْربُ، والفأرةُ، والكلبُ العقُورُ" . قال الحُميديُّ: قيل لسُفيانَ: إنَّ معمرًا يرويهِ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ؟ فقال: حدَّثنا -والله- الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيهِ، ما ذكَرَ عُروةُ، عن عائشَةَ.

    قال أبو عُمر: اتَّفقَ جُمهُورُ العُلماءِ وجَماعةُ الفُقهاءِ على القولِ بجُملةِ هذا الحديثِ، واختلَفُوا في تفسيرِ تلكَ الجُملةِ وتخصيصِها بمعانٍ، نذكُرُها إن شاءَ الله.

  3. فأمّا ابنُ عُيينةَ، فقال: معنَى قولِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "الكلبُ العقُورُ" : كلُّ سَبُع يَعْقِرُ. قال: ولم يخُصَّ به الكلبَ.

    قال سُفيانُ: وفسَّرهُ لنا زيدُ بن أسلمَ (٣) . وكذلكَ قال أبو عُبيد (٤) .

  4. ورَوَى زُهَيرُ بن محمدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَبدِ ربِّهِ بن سِيْلانَ، عن أبي هُريرةَ، قال: الكَلْبُ العَقُورُ: الأسَدُ (١) .

    vol. 9, p. 422
  5. وأمّا مالكٌ، فذكَرَ رُواةُ "المُوطَّأ" عنهُ في "المُوطَّأ" (٢) أنَّهُ قال: الكلبُ العقُورُ الذي أُمِرَ المُحرِمُ بقتلِهِ: هُو كلّ ما عقَرَ النّاسَ، وعَدا عليهم وأخافَهُم، مِثلَ الأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئبِ، فهُو الكلبُ العقُورُ. قال: فأمّا ما كان من السِّباع لا تَعْدُوا مِثلَ الضَّبُع والثَّعلبِ وما أشبههُنَّ من السِّباع، فلا يَقْتُلُهُ المُحرِمُ، وإن قَتَلهُ فداهُ. قال مالكٌ: وأمّا ما ضرَّ من الطَّيرِ، فإنَّهُ لا يَقْتُلُهُ المُحرِمُ، إلّا ما سمَّى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الغُرابُ، والحِدَأةُ" ، وإن قتلَ شيئًا من الطَّيرِ سِواهُما وهُو مُحرِمٌ، فعليه جزاؤُهُ.

    قال أبو عُمر: ليسَ هذا البابُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ من بابِ ما يُؤكَلُ عندَهُ من السِّباع، وما لا يُؤكلُ في شيءٍ، وقد ذكَرْنا مذهبَ مالكٍ وغير فيما يُكرَهُ أكلُهُ من السِّباع وما لا يُكرَهُ منها مُستوعبًا في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكيم، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

    وقال ابنُ القاسم: قال مالكٌ (٣) : لا بأسَ أن يقتُلَ المُحرِمُ السِّباعَ التي تَعدُو على النّاسِ وتفترِسُ، ابتدأتْهُ، أوِ ابْتَدأها، جائزٌ لهُ قَتْلُها على كلِّ حالٍ، فأمّا صِغارُ أولادِها التي لا تَفْترِسُ، ولا تعدُو على النّاسِ، فلا يَنْبغي للمُحرِم قَتْلُها. قيل لابن القاسم: فهل يَكْرهُ مالكٌ للمُحرِم قتلَ الهِرِّ الوَحْشيِّ، والثَّعلبِ، والضَّبُع؟

    vol. 9, p. 423قال: نعم. قيل لهُ: فإن ابتدأني الضَّبُعُ، أوِ الهِرُّ، أوِ الثَّعلبُ، وأنا مُحرِم، فقَتَلتُها، أعليَّ في قولِ مالكٍ شيءٌ؟ قال: لا. وهُو رأيي، ألا تَرَى أنَّ رجُلًا لو عَدا على رجُل، فأرادَ قَتْلهُ، فدفَعَهُ عن نفسِهِ، لم يَكُن عليه شيءٌ؟

    وقال أشهبُ (١) : سألتُ مالكًا: أيقتُلُ المُحرِمُ الغُرابَ والحِدَأةَ من غيرِ أن يضُّرّا به؟ فقال: لا، إلّا أن يضُّرّا به، إنَّما أُذِنَ في قَتلِهِما إذا أضرّا، في رأيي، فأمّا أن يُصيبَهُما بَدْءًا، فلا أرى ذلك، وهُما صيدٌ، وليسَ للمُحرِم أن يصيدَ، وليسا مِثلَ العَقْربِ والفأر، والغُرابُ (٢) والحِدَأةُ صَيْدٌ، فلا يجبُ (٣) أن يُقتُلا في الحُرْم، خوفَ الذَّريعةِ إلى الاصطيادِ، فإن أضرّا بالمُحرِم، فلا بأسَ أن يقتُلَهما. قال: فقلتُ لهُ: أيصيدُ المُحرِمُ الثَّعلبَ والذِّئبَ؟ قال: لا. ثُمَّ قال: والله، ما أدري أعلى هذا أصلُ رأيِكَ، أم تتجاهلُ؟ قلتُ: ما أتجاهلُ، ولكِن ظَننتُ أن تراهُ من السِّباع.

    قال مالكٌ: وكلُّ شيءٍ لا يعدُو من السِّباع، مِثلَ الهِرِّ والثَّعلبِ والضَّبُع وما أشبهَها، فلا يَقتُلُهُ المُحرِمُ، وإن قتَلهُ وداهُ؟ لأنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- لم يأذَنْ في قتلِ السِّباع، وإنَّما أذِنَ في قتلِ الكلبِ العقُورِ.

    قال: وصِغارُ الذِّئابِ لا أرى أن يقتُلَها المُحرِمُ، فإن قَتَلَها فداها، وهي مِثلُ فِراخ الغِرْبان أيَذْهبُ يصيدُها!

    وقال إسماعيلُ بن إسحاق: إنَّما قال ذلك مالكٌ في أولادِ السِّباع التي لا تَعْدُو على النّاسِ، لأنَّ الإباحَةَ إنَّما جاءَت في الكَلْبِ العقُورِ، وأولادُهُ ليست تَعقِرُ، فلا تدخُلُ في هذا النَّعتِ.

    vol. 9, p. 424قال: وقد جاءَ في حديثِ عائشةَ: "خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحُرْم" (١) . فسمّاهُنَّ فُسّاقًا، ووصَفَهُنَّ بأفعالِهِنَّ؛ لأنَّ الفاسِقَ فاعِلٌ، والصِّغارُ لا فِعلَ لهنَّ.

    قال: والكلبُ العَقُورُ يعظُمُ ضررُهُ على النّاسِ.

    قال: ومن ذلك الحيّةُ والعقربُ؛ لأنَّهُما يُخافُ منهُما.

    قال: وكذلك الغُرابُ والحِدَأةُ؛ لأنَّهُما يَخْتطِفان اللَّحمَ من أيدي النّاسِ.

    قال: وقدِ اختُلِف في الزُّنبُورِ (٢) فشبَّههُ بعضُهُم بالحيَّةِ والعَقْربِ.

    قال: ولولا أنَّ الزُّنبُورَ لا يَبْتدِئُ، لكان أغلظَ على النّاسِ من الحيَّةِ والعَقْربِ، ولكِنَّهُ ليسَ في طبعِهِ من العَداءِ، ما في الحيَّةِ والعقربِ.

    قال: وإنَّما يَحْمَى (٣) الزُّنبُورُ إذا أُوذيَ. قال: فإن عرضَ الزُّنبُورُ لإنسانٍ، فدَفعهُ عن نفسِهِ، لم يكُن عليه في قتلِهِ شيءٌ.

    قال: وقد جاءَ في الفأر: أنَّها تحرِقُ على النّاسِ بُيُوتَهُم (٤) . قال: وقد رآها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- تصعَدُ بالفَتِيلةِ إلى السَّقف (٥) . فجاءَ فيها النَّصُّ، كما جاءَ في الكلبِ العقُورِ.

    قال: ولم يَعْنِ بالكلبِ العقُورِ: هذه الكِلابَ الإنسيَّةَ.

    قال: وإنَّما رَخَّصَ (٦) للمُحرِم في قَتْلِ هذه الدَّوابِّ الوَحْشيَّةِ.

    قال: وإنَّما عُنِيَ بالكَلْبِ العَقُور (٧) ، واللهُ أعلمُ، ما عَدا على النّاسِ وعَقَرهُم.

    vol. 9, p. 425قال: وقد رُوي عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- أنَّهُ قال في عُتْبةَ بن أبي لهب: "سَيُسلِّطُ اللّهُ عليه" ، أوِ: "اللَّهُمَّ سلِّطْ عليه كلبًا من كِلابِكَ" ، فعَدا عليه الأسدُ فقَتَلهُ (١) .

    قال (٢) : وحدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: أخبرنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبَرنا الحجّاجُ، عن وَبَرةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: أمَرَ رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بقَتْلِ الذِّئبِ، والغُرابِ، والفأر. قلتُ: فالحيَّةُ والعَقْربُ؟ قال: قد كان يُقالُ ذلك (٣) .

  6. قال إسماعيلُ: فإن كان هذا الحديثُ محفُوظًا (٤) ، فإنَّ ابنَ عُمرَ جعَلَ الذِّئبَ في هذا الموضِع كلبًا عقُورًا.

    قال: وهذا غيرُ مُمتنع في اللُّغةِ والمعنى.

    قال: وأمّا الحيَّةُ، فلو لم يأتِ فيها نصٌّ، لدَخَلت في معنَى العَقْربِ، وفي معنَى الكلبِ العَقُورِ، فكيفَ وقد جاءَ فيها النَّصُّ؟

  7. [قال] (١) : حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا حفصٌ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عبدِ الله، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم- بمِنًى ليلةَ عَرَفةَ، فخَرَجت حيَّة، فقال: "اقتُلُوا، اقتُلُوا" فسَبَقتنا (٢) .

    قال: وحدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا جريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "يَقْتُلُ المُحرِمُ الأفْعَى، والأسودَ، والعَقْربَ، والحِدَأةَ، والكلبَ العَقُورَ، والفُوَيسِقةَ" (٣) .

    قال أبو عُمر: الأسودُ المذكُورُ هاهُنا -الحيَّةَ- هُو اسم من أسمائها.

    vol. 9, p. 426
  8. وفي هذا الحديث: ذُكِر قتل المحرِم الأفْعَى والحيَّةَ، وليسَ ذلك (٤) في حديثِ

    vol. 9, p. 427ابن عُمر، وإذا أضفْتَهُما إلى الخَمْسِ الفواسقِ المذكُورةِ في حديثِ ابن عُمرَ، صِرنَ سبعًا.

  9. وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الخمسَ لسنَ مخصُوصاتٍ، وأنَّ ما كان في معناها، فلهُ حُكمُها، وسيأتي بيانُ هذا البابِ في هذا كلِّهِ ومَعناهُ، واختِلافُ العُلماءِ فيه إن شاءَ الله.

  10. وذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ كلَّ ما ذكَرْنا عنهُ من رِوايةِ أشهَبَ وابن القاسم، وزادَ: ولا يقتُلُ المُحرِمُ الوَزَغَ، ولا قِردًا، ولا خِنْزيرًا، ولا يَقتُلُ الحيَّةَ الصَّغيرةَ ولا صِغارَ الدَّوابِّ، ولا فِراخَ الغِرْبان في وكُورِها (١) ، فإن قتلَ ثعلبًا، أو صَقْرًا، أو بازيًّا (٢) ، فداهُ.

  11. وروَى ابنُ وَهْب وأشهبُ، عن مالك (٣) ، قال: أمّا ما ضرَّ من الطَّيرِ، فلا يَقتُلُ منهُ المُحرِمُ إلّا الذي سَمَّى النَّبيُّ -صلي الله عليه وسلم-: "الغُرابُ، والحِدَأةُ" . قال: ولا أرى أن يَقتُلَ المُحرِمُ غُرابًا ولا حِدَأةً، إلّا أن يضُرّاهُ. قال: ولا بأسَ بقتلِ الفأر، والحيَّةِ، والعَقْربِ، وإن لم تَضُرَّهُ. قال: ولا أرَى أن يَقتُلَ المُحرِمُ الوَزَغَ؛ لانهُ ليسَ من الخمسِ التي أمرَ النَّبيُّ -صلي الله عليه وسلم- بقَتلِهِنَّ. قيل لمالكٍ: فإن قتلَ المُحرِمُ الوَزَغَ؟ فقال: لا يَنْبغي لهُ أن يَقْتُلَهُ، وأرى أن يتصدَّقَ إن قتَلَهُ، وهُو مِثلُ شَحْمةِ الأرض (٤) ، وقد قال رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "خمسٌ من الدَّوابِّ" . فليسَ لأحدٍ أن يجعلَها سِتًّا ولا سبعًا.

    قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ وجُمهُورِ العُلماءِ في قَتْلِ الحيَّةِ في الحِلِّ

    vol. 9, p. 428والحُرْم، وكذلكَ الأفْعَى، وذلكَ مُستَعملٌ بالنَّصِّ، وبِمعنَى النَّصِّ عندَ جَميعِهِم في هذا البابِ، فافهَمْهُ.

    قال ابنُ القاسم، عن مالك (١) : إن طرحَ المُحرِمُ الحَلَمةَ (٢) ، أوِ القُراد (٣) ، أوِ الحَمْنانَ (٤) ، أوِ البُرغُوثَ، عن نفسِهِ، لم يكُن عليه شيءٌ. قال: وقال مالكٌ: في القَمْلةِ حَفْنةٌ من طعام. قال: وفي قَمْلاتٍ أيضًا حَفْنةٌ من طعام (٥) . قال: ولم أسمَعهُ يحُدُّ أقلَّ من حَفْنةِ مِن طعام في شيءٍ من الأشياءِ.

    قال: وقال مالكٌ: قولُ ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يكرَهُ أن بنزعَ المُحرِمُ حَلَمةً أو قُرادًا من بَعيرِهِ (٦) أعجبُ إليَّ من قولِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُقرِّدُ بعيرَهُ (٧) .

    وقال ابنُ أبي أُوَيسٍ: قال مالكٌ: إنَّما يَطْرحُ المُحرِمُ عن نَفسِهِ القُرادَ، والنَّملةَ، والذَّرَّةَ (٨) ، وما ليسَ من دوابِّ جَسَدِهِ، إذا كان ذلكَ يُؤذيهِ. قال: وأمّا دوابُّ جَسدِهِ، فلا يُلقِي منها شيئًا عن نَفسِهِ إلّا أن يُؤذيَهُ شيءٌ من ذلكَ، فيَطْرحُهُ من مَوْضِع من جَسدِهِ، إلى موضِع غيرِهِ، وينقُلُ القَمْلةَ من مَوْضِع من جسدِهِ، إلى مَوْضِع منهُ إن شاءَ.

  12. وسُئل مالكٌ عن الرَّجُلِ يُؤذيهِ القَملُ في إزارِهِ وهُو مُحرِمٌ: أيَضَعُهُ وَيلْبسُ غيرَهُ؟ قال: نعم.

    vol. 9, p. 429وقال ابنُ وَهْب: سُئلَ مالكٌ عن البَعُوضِ والبَراغيثِ يَقْتُلُها المُحرِمُ: أعليه كفّارةٌ؟ فقال: إنِّي أُحِبُّ ذلك.

    قال: وقال مالكٌ: لا يَصْلُحُ للمُحرِم أن يَقتُلَ قَمْلةً، ولا يَطْرحَها من رأسِهِ إلى الأرْضِ، ولا من جِلْلِإِ، ولا من بَدَنِهِ، فإن قتَلَها، أو ألقاها، أطعمَ قَبْضةً من طعام.

    قال: وقال لي مالكٌ: يُلقِي المُحرِمُ القُرادَ عن نفسِهِ.

    قال: وقال لي في مُحرِم لَدَغتهُ دَبْرةٌ (١) فقتَلها وهُو لا يشعُرُ، قال: أرى أن يُطعِمَ شيئًا، فقلتُ لمالكٍ: أفرأيتَ النَّملةَ؟ قال: كذلك أيضًا.

  13. فهذه جُملةُ قولِ مالكٍ في هذا البابِ، فتدبَّرْها.

  14. وجُملةُ مذهَبِهِ عندَ أصحابِهِ في هذا البابِ: أنَّ المُحرِمَ لا يُقرِّدُ بَعِيرَهُ، ولا يطرَحُ عنهُ شيئَّاَ من دوابِّهِ، فإن طرحَ عن البعيرِ قُرادًا: أطعمَ، ولا بأسَ عليه أن يرميَ عن نَفسِهِ القُراد؛ لأنَّها ليسَت من دوابِّ بَني آدمَ، ولا يَطْرحُ عن نَفسِهِ قَمْلةً؛ لأنَّها منهُ، وجائزٌ أن يطرحَ عن نَفسِهِ جميعَ دوابِّ الأرضِ، مِثلَ: الحَلَمةِ، والحَمْنانِ، والنَّملةِ، والذَّرَّةِ، والبُرغُوثِ، ولا يقتُلُ شيئًا من ذلكَ، فإن قتلَ منهُ شيئًا أطعمَ، وجائزٌ أن يطرحَ المُحرِمُ عن دابَّتِهِ العَلَقةَ (٢) ؛ لأنَّها لَيْسَت من دوابِّها المُتَخلِّقةِ منها (٣) ، فهذا أصلُ مَذْهبِهِ.

    وقال أبو حَنِيفةَ: لا يقتُلُ المُحرِمُ من السِّباع إلّا الكَلْبَ والذِّئبَ خاصَّةً، ويقتُلُهُما ابتدآهُ أوِ ابتدأهُما، لا شيءَ عليه في قَتْلِهِما، وإن قتَلَ غيرَهُما من السِّباع

    vol. 9, p. 430فداهُ. قال: وإن ابتدَأهُ غيرُهُما من السِّباع فقَتَلهُ، فلا شيءَ عليه، وإن لم يَبْتدِئهُ، فداهُ إن قتلهُ. قال: ولا شيء عليه في قتلِ الحيَّة والعَقْربِ والحِدَأة (١) .

  15. هذه جُملةُ قول (٢) أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ إلّا زُفَر.

    وقال زُفَرُ: لا يَقتُلُ إلّا الذِّئبَ وحدَهُ، ومن قتَلَ غيرَهُ وهُو مُحرِمٌ، فعليه الفِديةُ، ابتدأهُ أو لم يبتدِئْهُ.

  16. وقولُ الأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والحسن بن حيٍّ، نحوُ قولِ أبي حنيفةَ.

    قال الثَّوريُّ: المُحرِمُ يقتُلُ الكَلْبَ العَقُور. قال: وما عَدا عليكَ من السِّباع فاقتُلْهُ، وليسَ عليكَ كفّارةٌ. قال: ويقتُلُ المُحرِمُ الحِدَأةَ والعَقْربَ.

  17. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، في كلِّ ذي مخِلبٍ من الطَّيرِ: إن قتَلَهُ المُحرِمُ من غيرِ أن يَبْتدِئَهُ، فعليه جَزاؤُهُ، وإن ابتدَأهُ الطَّيرُ، فلا شيءَ عليه. وقالوا: وإن قتلَ المُحرِمُ الذُّبابَ، والنَّملةَ (٣) ، والبقَّةَ، والحَلَمةَ، والقُرادَ، فليسَ عليه شيءٌ. قالوا: ويُكرَهُ قَتْلُ القَمْل، فإن قتَلَها، فكلُّ شيءٍ تصدَّق به، فهُو خيرٌ منها.

    قال أبو عُمر: قدِ احتجَّ مالكٌ رحِمهُ الله لنَفسِهِ في هذا البابِ في بعضِ مسائلِهِ، واحتجَّ لهُ إسماعيلُ أيضًا بما ذكَرْنا، وجُملةُ الحُجَّةِ لمذهبِهِ ومذهبِ العِراقيِّين أيضًا في ذلك، عُمُومُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] ، فكلُّ وَحْشيٍّ من الطَّيرِ أوِ الدَّوابِّ عندهُم صيدٌ، وقد خَصَّ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- دوابَّ بأعيانِها وأرخصَ للمُحرِم في قَتْلِها من أجلِ ضَررِها، فلا وجهَ أن يُزادَ عليها، إلّا أن يُجمِعُوا على شيءٍ، فيدخُلَ في معناها.

  18. واستدلُّوا على أنَّهُ لم يُرِدْ بقولِه: "والكلبُ العَقُورُ" جُملةَ السِّباع؟ لأنَّهُ أباحَ أكلَ الضَّبُع، وجَعلَها من الصَّيدِ، وجعلَ فيها على المُحرِم إن قَتَلها كبشًا (١) ، وهي سَبُع.

    vol. 9, p. 431
  19. وأمّا القَمْلةُ، وما كان مِثلَها مِمّا يخرُجُ من الجَسَدِ، فليسَ من بابِ الصَّيدِ، وإنَّما ذلكَ من بابِ التَّفَثِ وحِلاقِ الشَّعرِ.

  20. وأمّا الشّافِعيُّ رحِمهُ الله، فقال: كلُّ ما لا يُؤكَلُ لحمُهُ، فللمُحرِم أن يقتُلَهُ. قال: وللمُحرِم أن يقتُلَ الحيَّةَ، والعقربَ، والفأرةَ، والحِدَأةَ، والغُرابَ، والكلبَ العقُورَ، وما أشبَهَ الكلبَ العقُورَ، مِثلَ السَّبُع، والنَّمِرِ، والفهدِ، والذِّئبِ. قال: وصِغارُ ذلكَ كلِّهِ (٢) وكِبارُهُ سَواءٌ.

    قال: وليسَ في الرَّخَمَة (٣) ، والخَنافِسِ، والقِرْدانِ، والحَلَم، وما لا (٤) يُؤكَلُ لحمُهُ جَزاءٌ؛ لأنَّ هذا ليس من الصَّيدِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: م {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] فدلَّ على (٥) أنَّ الصَّيدَ الذي حُرِّمَ عليهم، ما كان لهم قبلَ الإحرام حلالًا، لأنَّهُ لا يُشبِهُ أن يُحرَّمَ في الإحرام خاصَّةً، إلّا ما كان مُباحًا قبلَه (٦) . قال: وما أمَرَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بقَتلِهِ، فلا يجُوزُ أكلُهُ، لأنَّ ما عَمِلَتْ فيه (٧) الذَّكاةُ بالاصْطِيادِ، أوِ الذَّبح، لم يُؤمَر بقتلِهِ.

  21. حكى هذه الجُملةَ عنه (١) المُزنيُّ والرَّبيعُ.

    vol. 9, p. 432
  22. وحكى الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ عنهُ (٢) ، قال: وما لا يُؤكَلُ لحمُهُ على وَجْهينِ، أحدُهُما: عدُوٌّ، فليقتُلْهُ المُحرِمُ وغيرُ المُحرِم، وهُو مأجُورٌ عليه إن شاءَ الله، وذلكَ مِثلُ الأسدِ، والنَّمِرِ، والحيَّةِ، والعَقْربِ، وكلِّ ما يَعْدُو على النّاسِ، وعلـ دوابِّهِم وطائرِهِم مُكابَرَةً، فيَقتُلُ ذلك المُحرِمُ وغيرُهُ، وإن لم يتَعرَّضْهُ، وهُو مأجُورٌ على قتلِهِ. ومنها: ما يضُرُّ من الطّائرِ، مِثلَ العُقابِ، والصَّقرِ، والبازي، فهُو يَعدُو على طائرِ النّاسِ فيضُرُّ، فلهُ أن يقتُلَهُ أيضًا، ولهُ أن يترُكَهُ، لأنَّ فيه مَنْفعةً، وقد يُؤَلَّفُ ويُتأنَّسُ فيصطادُ، ويَسَعُ المُحرِمَ وغيرَهُ تركُهُ، لأنَّهُ لا يُؤكَلُ، ولم يُرغَبْ في قتلِهِ لمنفَعتِهِ. ومنها: ما لا (٣) يُؤذي، ولا مَنْفعةَ فيه بأكلِ لحمِهِ، ولا غير ذلك، فيُقتلُ أيضًا، مِثل الزُّنبُورِ، وما أشبَهَهُ، ألا ترى أنَّهُ إذا قتلَ الفأرةَ، والغُرابَ، والحِدَأةَ، لمعنَى الضَّررِ، كان ما هُو أعظمُ ضررًا منها أولى أن يُقتَلَ؟

    قال (٤) : فإن قال قائل: فلِمَ تُفدَى القملةُ، وهي تُؤذي، وهي لا تُؤكلُ؟ قيل: ليس تُفدَى إلّا على ما يُفدَى الشَّعرُ والظُّفرُ، ولُبسُ ما ليس لهُ لُبسُهُ؛ لأنَّ في طرح القملةِ إماطَةَ أذًى عن نَفسِهِ، إذا كانت في رأسِهِ ولحِيتِهِ، وكأنَّهُ أماطَ بعضَ (٥) شعرِهِ، فأمّا إذا كانت ظاهِرةً فقُتِلت، فإنَّها لا تُودَى.

    وقال الرَّبيعُ عنهُ: لا شيءَ على المُحرِم في قَتلِهِ من الطَّيرِ كلَّ ما لايحِلُّ أكلُهُ. قال: ولهُ أن يَقتُلَ من دوابِّ الأرضِ وهوامِّها كلَّ ما لا يحِلُّ أكلُهُ. قال:

    vol. 9, p. 433والقَمْلةُ ليست صيدًا، ولا مأكُولةً، فلا تُفدَى بشيءٍ، إلّا أن يطرحَها المُحرِمُ عن نفسِهِ، فتكونَ كإماطَةِ الأذى من الشَّعرِ والظُّفرِ.

  23. وقولُ أبي ثورٍ في هذا البابِ كلِّهِ، مِثلُ قولِ الشّافِعيِّ سواءً.

    وقال عطاءٌ في الجُرذِ الوَحْشيِّ: ليسَ بصيدٍ فأقتُلَهُ (١) .

  24. فهذه أقاويلُ أئمَّةِ الفتوَى في أمصارِ المُسلِمين.

  25. وقد جاءَ عن التّابِعينَ في هذا البابِ أقاويلُ شاذَّةٌ تُخالِفُها السُّنّة، أو يُخالِفُ بعضُها دليلًا أو نصًّا.

  26. فمن ذلك: أنَّ إبراهيمَ النَّخَعيَّ كرِهَ للمُحرِم قتلَ الفأرة (٢) . وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَها، وعليه جماعةُ الفقهاء (٣) .

    وقال الحَكَمُ بن عُتَيبةَ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ: لا يَقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ، ولا العقربَ. رواهُ شُعبةُ عنْهُما (٤) .

  27. ومن حُجَّتِهِما: أنَّ هذينِ (٥) من هوامِّ الأرضِ، فمن قال: بقَتْلِهِما، لزِمهُ مِثلُ ذلك، في سائرِ هوامِّ الأرضِ.

  28. وهذا أيضًا لا وجهَ لهُ، ولا معنى؛ لأنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قد أباحَ للمُحرِم قتلَهما.

  29. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عليُّ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَجْلانَ، عن القَعْقاع بن حَكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "خمسٌ قَتْلُهُنَّ حلالٌ في الحَرَم: الحيّةُ، والعَقْربُ، والحِدَأةُ، والفأرةُ، والكلبُ العَقُورُ" .

    vol. 9, p. 434
  30. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن غِياثٍ، عن الأعْمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله بن مسعُودٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قتَلَ حيَّةً بمِنًى (٢) .

  31. ورَوَى مجُاهِدٌ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن أبيهِ، نحوَهُ مرفُوعًا (١) .

    vol. 9, p. 435
  32. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن عليِّ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: سمِعتُ الزُّهريَّ يقولُ: حدَّثني سالمٌ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ سُئلَ عن الحيَّةِ يَقْتُلُها المُحرِمُ، فقال: هي عَدُوّ فاقتُلُوها حَيْثُ وجَدْتُمُوها (٢) .

  33. ورَوَى شُعبةُ، عن مُخارِقِ بن عبدِ الله، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: اعتمرتُ فمَرَرتُ بالرِّمالِ، فرأيتُ حيّاتٍ، فجعلتُ أقتُلُهُنَّ، فسألتُ عُمرَ، فقال: هُنَّ عدُوٌّ، فاقتُلُوهُنَّ (٣) .

    قال سُفيانُ: وقال لنا زيدُ بن أسلمَ: ويحَكَ، أيُّ كَلْبٍ أعْقَرُ من الحيَّة (٤) ؟

    وقال عبدُ الرَّحمن بن حَرْملةَ: رأيتُ سالمَ بن عبدِ الله وهُو مُحرِمٌ ضربَ حيَّةً بسوطِهِ حتّى قتَلَها (٥) .

    vol. 9, p. 436وقال السَّريُّ بن يحيى: سألتُ الحسنَ: أيقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ؟ قال: نعم.

    وقالت طائفة: لا يُقتَلُ من الغِرْبانِ إلّا الغُرابُ الأبقعُ خاصَّةً. واحتجُّوا بما حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "خمسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحرِمُ: الحيَّةُ، والفأرَةُ، والحِدَأةُ، والغُرابُ الأبقَعُ، والكلبُ العَقُورُ" .

    قال أبو عُمر: الأبْقَعُ من الغِرْبانِ: الذي في ظَهرِهِ وبطنِه بياضٌ، وكذلكَ الكَلْبُ الأبقعُ أيضًا، والغُرابُ الأدْرَعُ والدِّرعيُّ، هُو: الأسودُ، والغُرابُ الأعصمُ هُو: الأبيضُ الرِّجلينِ، وكذلكَ الوَعْلُ الأعصمُ، عُصمتُهُ بياض في رِجْليْهِ.

    وقال مُجاهِدٌ: تَرْمِي الغُرابَ، ولا تقتُلُهُ (٢) .

    وقال به قومٌ، واحتجُّوا بما أخبَرناهُ: عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل (٤) . وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ،

    vol. 9, p. 437قال: حدثنا أحمدُ (١) بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثني يَعقُوبُ بن إبراهيمَ. قالا جميعًا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- سُئلَ عمّا يَقتُلُ المُحرِمُ؟ فقال: "الحيَّةُ، والعَقْربُ، والفُوَيسِقةُ، ويرمي الغُرابَ، ولا يَقتُلُهُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحِدَأةُ، والسَّبُعُ العادِيُّ" .

    قال ابنُ جَريرٍ: وحدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ (٢) بن المُغير، عن عليِّ بن عبدِ الأعلى، عن أبيهِ، عن عامرِ بن هُنَيٍّ، عن محمدِ بن الحَنفيَّةِ، عن عليٍّ، أنَّهُ قال: يَقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ والعَقْربَ والغُرابَ الأبْقَعَ، ويَرْمِي الغُرابَ تخويفًا، والفُوَيسِقةَ، والكلبَ العَقُورَ.

    قال أبو عُمر: قد ثَبَتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- من حَديثِ ابن عُمرَ وغير: أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَ الغُرابِ، ولم يخُصَّ أبقعَ من غيرِهِ، فلا وجهَ (٣) لِما خالَفهُ؛ لأنَّهُ لا يثبُتُ، وجُمهُورُ العُلماءِ على القولِ بحديثِ ابن عُمرَ وما كان مِثلَهُ في معناهُ، من حديثِ أبي هُريرةَ وغيره.

  34. وأمّا حديثُ عبدِ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال في الغُرابِ: "يَرْميهِ المُحرِمُ، ولا يقتُلُهُ" ، فليسَ مِمّا يُحتجُّ به على مِثلِ حديثِ نافع عن ابن عُمرَ، وسالم عن ابن عُمرَ، والحديثُ عن عليٍّ فيه أيضًا ضَعْفٌ، ولا يثبُتُ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- من حديثِ أبي هُريرةَ (٤) وغيرِهِ: أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَ الحيَّةِ. وهُو قولُ عُمرَ، وعليٍّ، وجُمهُورِ العُلماءِ.

  35. وأمّا تَقْريدُ المُحرِم بَعِيرَهُ، فأكثرُ العُلماءِ على إجازَهِ ذلك، وتقريدُهُ: رميُ القُرادِ ونزعُهُ عنهُ، وقتلُهُ.

    vol. 9, p. 438
  36. روى مالكٌ (١) وغيرُهُ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن رَبِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ: أنَّهُ رأى عُمرَ بن الخطّابِ يُقرِّدُ بَعِيرًا لهُ في الطِّين بالسُّقيا.

  37. يعني: أنَّهُ كان يُغرِّقُ القُرادَ في الطِّينِ، وينزِعُهُ عن بعيرِهِ.

  38. وكذلك رُوي عن ابن عبّاسٍ، وجابرِ بن زيدٍ، وعطاءٍ: لا بأسَ أن يُقرِّدَ المُحرِمُ بَعيرَهُ (٢) .

  39. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، وأصحابِهِما. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ وداودُ (٣) .

  40. وكان عبدُ الله بن عُمرَ يَكْرهُ للمُحرِم أن بنزعَ القُرادَ عن بَعيرِه (٤) . واتَّبعهُ على ذلك مالكٌ وأصحابُهُ.

    وقال الثَّوريُّ: إذا كثُر القَملُ على المُحرِم، فقتَلها: كفَّرَ.

    وقال أبو ثورٍ: لا شيءَ على المُحرِم في قَتلِ القَمْلِ، قلَّ أو كثُرَ. وكذلك قال داودُ، وهُو قولُ طاوُوسٍ، وسَعيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ، وجابرِ بن زيد (٥) .