مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 55 of 79

  1. أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن جَبَلةَ، قال: حدَّثنا سَلْمُ (٥) بن قُتيبةَ أبو قُتيبةَ (٦) ؛ جميعًا عن همّام بن يحيى، عن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي طَلْحةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: أُتي النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بتَمْرٍ عَتيقٍ، فجعلَ يُفتِّشُهُ، ويُخرِجُ السُّوسَ منهُ ويُنقِّيهِ (٧) .

    vol. 9, p. 451
  2. حديثٌ ثاني خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ قال، حينَ خرجَ إلى مكَّةَ مُعتمِرًا في الفِتْنةِ: إن صُدِدتُ عن البيتِ، صَنَعنا كما صَنَعنا معَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- (٢) ، فأهَلَّ بعُمرةٍ، من أجْلِ أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ بعُمرةٍ يومَ (٣) الحُدَيبيةِ.

    vol. 9, p. 452
  3. ثُمَّ إنَّ عبدَ الله بنَ عُمرَ نظَرَ في أمرِهِ، فقال: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، والتفتَ إلى أصحابِهِ، فقال: ما أمرُهُما إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجَبْتُ الحجَّ معَ العُمْرةِ. ثُمَّ نفَذَ حتّى جاءَ البيتَ، فطافَ به طوافًا واحدًا، ورَأى أنَّهُ مُجزِئٌ (٤) عنهُ، وأهْدَى.

  4. إلى هاهُنا انتهت رِوايةُ يحيى، وعلى ذلك أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ" (٥) وفي رِوايةِ عليِّ بن عبدِ العزيزِ، عن القَعْنبيِّ، عن مالكٍ في هذا الحديثِ: وأهدى شاةً. فزادَ ذِكرَ الشّاةِ، وهُو غيرُ محفُوظٍ عن ابن عُمرَ.

  5. ولم يذكُر القَعْنبيُّ أيضًا في هذا الحديثِ قولَهُ: من أجلِ أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ بعُمرةٍ يومَ الحُديبيةِ. وذكرهُ يحيى، وابنُ بُكير (١) ، وابنُ القاسم، وغيرُهُم.

    vol. 9, p. 453
  6. والدَّليلُ على أنَّ ذِكرَ الشّاةِ في هذا الحديثِ غلطٌ، أنَّ ابنَ عُمرَ كان مذهبُهُ فيما اسْتَيسرَ من الهدي: بقَرةً دُون بَقَرةٍ، أو بَدَنةً دُون بَدَنةٍ.

  7. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قال: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] : بَدَنةٌ دُون بدنةٍ، وبَقَرةٌ دُون بَقَرة (٢) .

    قال: وأخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: ما اسْتيسَر من الهَدْي: البَدَنةُ، والبقَرةُ (٣) .

    قال أبو عُمر: رُوِيَ عن عُمرَ، وابن عبّاس (٤) ، وعليٍّ (٥) ، وغيرِهِم: ما استيسرَ من الهدي: شاةٌ. وعليه العُلماءُ.

  8. وفي هذا الحديثِ مَعانٍ من الفِقهِ:

    مِنْها: أنَّهُ جائزٌ للرَّجُلِ أن يَخرُجَ حاجًّا في الطَّريقِ المَخُوفِ، إذا لم يُوقِنْ بالسُّوءِ ورَجا السَّلامةَ، وإن كان معَ ذلك يخافُ ويخشَى، وليسَ ذلك من رُكُوبِ الغررِ.

  9. وجمنْها: إباحَةُ الإهلالِ والدُّخُولِ في الإحرام على هذا الوَجْهِ، فإن سلِمَ ونَجا نفَذَ لوجهِهِ، وإن مُنِعَ وحُصِرَ، كان لهُ حُكمُ المُحصَرِ، على ما سنَّهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وعمِلَ به حينَ حُصِرَ عامَ الحُديبيةِ.

  10. ونحنُ نذكُرُ (١) هاهُنا من أحكام الإحصارِ بالعدُوِّ وبالمرضِ، وغيرِهِ من الموانِع، ما فيه شِفاءٌ وكِفايةٌ بحولِ الله، فهُو أولَى المواضِع بذِكرِ ذلك من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله، ثُمَّ ننصرِفُ إلى باقي معاني الحديثِ، وتوجيهِها، والقولِ فيها، ولا ننالُ شيئًا من ذلك إلّا بعونِهِ، لا شريكَ لهُ.

    vol. 9, p. 454
  11. فمِنْ ذلك، أنَّ مالكًا والثَّوريَّ وأبا حنيفةَ وأصحابَهُم قالوا: لا ينفعُ المُحرِمَ الاشتِراطُ في الحجِّ إذا خافَ الحصرَ، لمرضٍ أو عدُوٍّ.

    قال أبو عُمر: والاشتِراطُ: أن يقولَ إذا أهلَّ في الحالِ (٢) التي وَصْفنا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي حيثُ حَبَستني من الأرضِ.

    قال مالكٌ: والاشْتِراطُ في الحجِّ باطِلٌ، ويمضي على إحرامِهِ حتّى يُتِمَّهُ على سائرِ أحكام المُحصرِ، ولا ينفعُهُ قولُهُ: محِلِّي حيثُ حَبَستني. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، وهُو قولُ إبراهيم النَّخَعيِّ، ومحمدِ بن شِهابِ الزُّهريِّ، وهُو قولُ ابن عُمرَ أيضًا (٣) .

  12. ذكر ابنُ وَهْب، عن يونُسَ. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، جميعًا عن ابن شِهاب، عن سالم، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يُنكِرُ الاشتِراطَ في الحجِّ، ويقولُ: أليسَ حَسْبُكُم سُنَّةَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ لم يشترِطْ؟ فإن حبَسَ أحدَكُم حابِسٌ عن الحجِّ، فليَأْتِ البيتَ فلْيطُفْ به، وبينَ الصفا والمَرْوةِ، ويحلِقْ أو يُقصِّرْ، ثُمَّ قد حلَّ من كلِّ شيءٍ، حتّى يحُجَّ قابِلًا ويُهْدي، أو يصُومَ إن لم يجِد هَدْيًا (٤) .

    vol. 9, p. 455وقال الشّافِعيُّ: لو ثبتَ حديثُ ضُباعَةَ (١) ، يعني: بنتَ الزُّبيرِ بن عبد المطَّلبِ (٢) لم أعُدَّهُ، وكان محِلُّهُ حيثُ حَبَسهُ الله بلا هَدْي.

  13. واختلفَ أصحابُهُ في هذه المسألةِ إلى اليَوم، فمِنهُم من يقولُ: يَنْفعُهُ الاشتِراطُ، على حَديثِ ضُباعةَ، ومنهُم من يقولُ: الاشْتِراطُ باطِلٌ.

    وقال أحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ بن راهُوية وأبو ثَوْرٍ: لا بأسَ أن يَشْترِطَ، ولهُ شَرْطُهُ، على ما رُوي عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وعن غيرِ واحدٍ من أصحابِهِ.

    قال أبو عُمر: رُوي جَوازُ الاشْتِراطِ في الحجِّ: عن عُمرَ، وعليٍّ، وابن مسعُودٍ، وعمّارِ بن ياسِرٍ. وبه قال عَلْقمةُ، وشُرَيح، وعَبِيدةُ، والأسودُ، وسعيدُ بن المُسيِّبِ، وعَطاءُ بن يسارٍ، وعِكْرِمةُ، وهُو مذهبُ عَطاءِ بن أبي رَباح (٣) . وحُجَّتُهُم في ذلك حديثُ ضُباعةَ.

    قال أبو عُمر: حديثُ ضُباعةَ في ذلك، ما أخبَرنيهِ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥) :

    vol. 9, p. 456حدَّثنا عبّادُ بن العوّام، عن هِلالِ بن خبّابِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ ضُباعَةَ بنتَ الزُّبيرِ بن عبدِ المُطَّلِبِ أتَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي أُريدُ الحجَّ أأشترِطُ؟ قال: "نعم" ، قالت: وكيفَ أقولُ؟ قال: "قُولي: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي من الأرْضِ حيثُ حَبَسْتني" .

    قال أبو عُمر: الإحصارُ عندَ أهلِ العِلم على وُجُوهٍ، مِنْها: الحصرُ بالعدُوِّ، ومنها: بالسُّلطان الجائرِ، ومنها: بالمرَضِ، وشِبهِهِ.

  14. وأصلُ الحَصرِ في اللُّغةِ، الحَبْسُ والمنعُ، قال الخليلُ (١) ، وغيرُهُ: حصرتُ الرَّجُلَ حصرًا: مَنعتَهُ وحبستَهُ، وأُحصِرَ الحاجُّ عن بُلُوغ المناسِكِ من مَرضٍ، أو نحوِهِ. هكذا قال، جَعَل الأوَّلَ ثُلاثيًّا، من حَصرتُ، وجَعل الثّانيَ في المَرضِ رُباعيًّا، وعلى هذا خرجَ قولُ ابن عبّاسٍ: لا حصرَ إلّا حصرُ العَدُوِّ (٢) . ولم يَقُل: لا إحصارَ (٣) إلّا إحْصارُ العدُوِّ.

    وقالت طائفة: يُقالُ: أُحصِرَ فيهما جميعًا، من الرُّباعيِّ.

    وقال منهُم جماعةٌ: حُصِرَ، وأُحصِرَ، بمعنًى واحدٍ (٤) في المرضِ والعدُوِّ جميعًا، ومعناهُ حُبِسَ.

  15. واحتجَّ من قال بهذا من الفُقهاءِ، بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: ١٩٦] وإنَّما نزلت هذه الآيةُ في الحُدَيبيةِ.

  16. وعلى نحوِ ذلك اختَلَف (٥) أهل العِلم في أحكام المحبُوسِ بعدُوٍّ، والمحبُوسِ

    vol. 9, p. 457بمَرَضٍ، إلّا أنَّ أكثرَ عُلماءِ اللُّغةِ يقولُونَ في هذا الفِعلِ من العدُوِّ: حَصَرهُ العدُوُّ، فهُو محصورٌ، وأحصَرهُ المرضُ، فهُو محُصرٌ.

  17. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في هذا المعنى، فقال مالكٌ (١) والشّافِعيُّ (٢) وأصحابُهُما: كلُّهُمُ اتَّفقُوا على أنَّ من أحصَرهُ المرضُ، فلا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ، ومن حُصِرَ بعدُوٍّ، فإنَّهُ يَنْحرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُصرَ، ويتَحلَّلُ وينصرِفُ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ صرُورةً (٣) فيحُجَّ (٤) حجَّةَ الفَريضةِ. ولا خِلافَ بين الشّافِعيِّ ومالكٍ في شيءٍ من ذلك.

  18. واحتجَّ مالكٌ بأنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يأمُر أحدًا من أصحابِهِ عامَ الحُديبيةِ بقَضاءِ العُمرةِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ.

    وقال ابنُ وَهْب وغيرُهُ، عن مالك (٥) : من أُحصِرَ بعدُوٍّ، وحِيلَ بينهُ وبينَ البيتِ، حلَّ من كلِّ شيءٍ، ونحَرَ هَدْيهُ، وحلقَ رأسَهُ حَيْثُ حُبِسَ، وليسَ عليه قَضاءٌ، إلّا أن يكونَ لم يحُجَّ حجَّةً (٦) قطُّ، فعليه أن يحُجَّ حجَّةَ الإسلام.

    قال: وأمّا من أُحصِرَ بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يحِلُّ دُونَ البيت (٧) .

    قال: وكذلكَ كلُّ من حُبسَ عن الحجِّ بعدما يُحرِمُ، إمّا بمَرضٍ، أو خطأ من العَددِ، أو خَفِيَ عليه الهِلالُ، فهُو محُصَرٌ، عليه ما على المُحصرِ، وكذلك من أصابَهُ كسرٌ، أو بطنٌ مُنْخَرِقٌ (٨) .

    vol. 9, p. 458وقال مالكٌ: أهلُ مكَّةَ في ذلك، كأهلِ الآفاقِ؛ لأنَّ الإحصارَ عندَهُ في المكِّيِّ (١) : الحَبْسُ عن عَرَفةَ خاصَّةً.

    قال: فإن احتاجَ المُحصَرُ بمرضٍ إلى دواءٍ، تَداوى به وافتَدَى، ويبقَى على إحْرامِهِ لا يحِلُّ من شيءٍ منهُ حتّى يبرَأ من مَرضِهِ، فإذا بَرِئَ من مَرضِهِ، مَضَى إلى البيتِ فطافَ به سبعًا، وسَعَى بين الصَّفا والمروةِ، وحلَّ من حَجِّهِ، أو من عُمْرتِهِ.

    قال أبو عُمر: وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ (٢) أيضًا.

    قال مالكٌ (٣) : وقد أمرَ عُمرُ بن الخطّابِ أبا أيُّوبَ الأنصاريَّ وهبّارَ بن الأسودِ حينَ فاتهُما الحجُّ، وأتيا يومَ النَّحرِ، أن يحِلّا بعُمرةٍ، ثُمَّ يَرْجِعانِ حَلالينِ، ثُمَّ يحُجّان عامًا قابِلًا، ويُهْديانِ.

    قال مالكٌ: فمن لم يجِد هَدْيًا، فصيامُ ثلاثةِ أيام في الحجِّ، وسَبْعةٍ إذا رجعَ إلى أهلِهِ.

    قال مالكٌ (٤) : وبَلَغني أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حلَّ هُو وأصْحابُهُ بالحُديبيةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحَلقُوا رُءُوَسهُم، وحَلُّوا من كلِّ شيءٍ قبلَ أن يطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يصِلَ إليه الهديُ. قال: ثُمَّ لم يُعْلَمْ (٥) أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمرَ أحدًا من أصْحابِهِ، ولا مِمَّن كان معَهُ، أن يقضُوا شيئًا، ولا يعُودُوا لشيءٍ.

    قال مالكٌ (٦) : وعلى هذا الأمرُ عندَنا فيمن أُحصِرَ بعدُوٍّ، كما أُحصِرَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُهُ، فأمّا من أُحصِر بغيرِ عدُوٍّ، فإنَّهُ لا يحِلُّ دُونَ البيتِ.

    vol. 9, p. 459قال أبو عُمر: بمِثلِ هذا كلِّهِ قال الشّافِعيُّ أيضًا، ذهَبا جميعًا فيمَنْ حَصَرهُ (١) العَدُوُّ إلى قِصَّةِ الحُدَيبيةِ، وأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نحَرَ الهَدْيَ في مَكانِهِ الذي أُحصِرَ فيه، وحلَ ورجَعَ.

  19. وذهَبا في المُحصَرِ (٢) بمَرَضٍ، إلى ما رُوي عن عُمرَ، وابن عبّاسٍ، وعائشةَ، وابن عُمرَ، وابن الزُّبيرِ، أنَّهُم قالوا في المُحصرِ بمَرضٍ، أو خطأ في العَددِ، أنَّهُ لا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيت (٣) .

  20. وحُكمُ من كانت هذه حالَهُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ، أن يكونَ بالخيارِ إذا خافَ فوتَ (٤) الوُقُوفِ بعرَفةَ لمرَضه (٥) ، إن شاءَ مَضَى إذا أفاقِ إلى البيتِ، فطافَ به، وتحلَّلَ بعُمرةٍ، وإن شاءَ أقامَ على إحْرامِهِ إلى قابِلٍ، فإن تحلَّل بالطَّوافِ بالبيتِ فعليه دمٌ، ويَقْضي حجَّهُ من قابِل، وإن أقامَ على إحرامِهِ ولم يُواقِعْ شيئًا مِمّا نُهي عنهُ الحجاجُ، فلا هديَ عليه (٦) .

  21. ومن حُجَّتِهِ في ذلك: الإجماعُ من الصَّحابةِ على من أخطَأ العددَ، أنَّهُ هكذا حُكمُهُ، لا يُحِلُّهُ إلّا الطَّوافُ بالبيتِ.

    قال مالكٌ (٧) : إذا تحلَّل المريضُ والذي تَفُوتُهُ عَرَفةُ بالطَّوافِ بالبيتِ، فعليهما القَضاءُ وإن كانا مُتطوِّعَينِ، وكذلك المُعتمرُ.

  22. والحصرُ عندَ مالكٍ ومن تابَعهُ، إنَّما يكونُ عن عَرَفةَ فقط، فإذا عَلِمَ المُحصَرُ بعدُوٍّ، أو غيرِهِ، أنَّهُ قد فاتَهُ الوُقُوفُ بعرَفةَ في وَقْتٍ (١) ، أوِ انكشَفَ لهُ العدُوُّ في زَمَن لا يَصِلُ فيه إلى البيتِ إلّا بعدَ فَوْتِ عَرَفةَ، أو غلبَ ذلك على ظنِّهِ، تحلَّل مكانَهُ، وانصرفَ (٢) .

    vol. 9, p. 460
  23. وأمّا من وقَفَ بعرَفةَ، وصُدَّ عن مَكَّةَ، فهُو على إحْرامِهِ، حتّى ينكشفَ (٣) العدُوُّ، ثُمَّ يطُوفُ ويُتِمُّ حجَّهُ، فرضًا كان أو تطوُّعًا، وإن خافَ طُولَ الزَّمانِ انصرفَ إلى بَلدِهِ، فمَتَى أمكَنهُ الرُّجُوعُ إلى البيتِ عادَ، فإن كان مسَّ النِّساءَ، دخلَ محُرِمًا، وطافَ وأهدى، وإن لم يَمسَّ النِّساءَ، ولا الصَّيدَ، طافَ وتمَّ حجُّهُ.

  24. وكان ابنُ القاسم يقولُ: ليس على من صُدَّ عن البيتِ في حج، أو عُمرةٍ هديٌ، إلّا أن يكونَ ساقَهُ معهُ. وهُو قولُ مالكٍ.

    وقال أشهبُ: عليه الهديُ إذا صُدَّ عن البيتِ بعدَ أن أحرمَ، لا بُدَّ لهُ منهُ، ينحر كما نحرَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الهديَ بالحُديبيةِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ.

  25. ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهبَ مالكٍ، وابن القاسم في ذلك: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- إنَّما نحَرَ يومَ الحُدَيبيةِ هديًا قد كان أشعَرهُ وقلَّدهُ، حينَ أحرمَ بعُمرتِهِ، فلمّا لم يبلُغْ ذلك الهديُ محِلَّهُ للصَّدِّ، أمرَ به رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فنُحِرَ؛ لأنَّهُ كان هديًا قد وجَبَ بالإشعارِ والتَّقليدِ وخرجَ لله، فلم يجُزِ الرُّجُوعُ فيه، ولم يَنْحرهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من أجلِ الصَّدِ (٤) ، فلهذا لا يجِبُ عندَهُ على من صُدَّ عن البيتِ هَدْيٌ.

    vol. 9, p. 461وقال الشّافِعيُّ (١) : لو أُحصِرَ مُوسِرٌ لا يجِدُ هَدْيًا مكانَهُ، أو مُعسِرٌ بهديٍ، ففيها قولانِ، أحدُهُما: لا يحِلُّ إلّا بهديٍ، والآخرُ: أنَّهُ مأمُورٌ بأن يأتيَ بما يَقدِرُ عليه، فإن لم يَقْدِر على شيءٍ، خرجَ مِمّا عليه، وكان عليه أن يأتي به (٢) إذا قدرَ عليه، ومن قال هذا قال (٣) : يحِلُّ مكانَهُ، ويذبحُ إذا قدرَ، فإن قدرَ على أن يكون الذَّبحُ بمكَّةَ، لم يجزئه أن يذبحَ إلّا بها، وإن لم يقدِرْ، ذبَحَ حيثُ قدر.

    قال الشّافِعيُّ: ويُقالُ: لا يُجزِئُهُ إلّا هديٌ، ويُقالُ: يُجزِئُهُ إذا لم يجِد هديًا، طعامٌ، أو صيامٌ، فإن لم يجِدِ الطَّعام، كان كمَنْ لم يجِد هديًا ولا طعامًا، وإذا قدرَ، أدَّى أيَّ هديٍ كان عليه.

  26. فهذا يُبيِّنُ لك أنًّ الهَدْيَ عندَ الشّافِعيِّ على المُحصَرِ واجِبٌ لإحلالِهِ، وبه قال أشْهَبُ، وعليه أكثرُ العُلماءِ.

  27. والحُجَّةُ في ذلك أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يحِلَّ يومَ الحُديبيةِ، ولم يحلِقْ رأسَهُ حتّى نحَرَ الهَدْي، فدلَّ ذلك على أنَّ مِن شَرْطِ إحْلالِ المُحصَرِ بعدُوٍّ: ذبْحَ هَدْيٍ متى وجدهُ وقدرَ عليه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطُولُ، وفيما ذكَرْنا كِفايةٌ.

  28. وأمّا من أُحصِرَ بغيرِ عدُوٍّ من مَوانِع الأمراضِ وشِبْهِها، فحُكمُهُ عندَ أهلِ الحِجازِ في ذلك ما قد رَوَى مالكٌ (٤) ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن ابن عُمرَ، قال: من حُبِسَ دُونَ البيتِ بمرَضٍ، فإنَّهُ لا يحِلُّ حتّى يَطُوفَ بالبيتِ، ويسعَى بين الصَّفا والمروةِ. فإن اضطُرَّ إلى شيءٍ من لُبسِ الثِّيابِ التي لا بُدَّ لهُ منها، أو إلى الدَّواءِ صنعَ ذلك وافتَدَى.

  29. ومالكٌ (١) ، عن أيُّوبَ بن أبي تمَيمةَ، عن رَجُلٍ من أهْلِ البَصْرةِ كان قَدِيمًا قال: خَرجتُ إلى مكَّةَ، حتّى إذا كُنتُ ببعضِ الطَّريقِ، كُسِرت فَخِذي، فأرسلتُ إلى مكَّةَ، وبِها عبدُ الله بن عبّاسٍ، وعبدُ الله بن الزُّبير (٢) والنّاسُ، فلم يُرخِّصْ لي أحدٌ في أن أحِلَّ، فأقَمْتُ على ذلك الماءِ سبعَةَ أشهُرٍ، ثُمَّ حَلَلتُ بعُمرةٍ.

    vol. 9, p. 462
  30. ومالكٌ (٣) ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ: أنَّ ابنَ حُزابةَ (٤) المخزُوميَّ صُرِع ببعضِ طريقِ مكَّةَ وهُو محُرِم بالحجِّ، فسألَ على الماءِ الذي كان عليه، فوَجَدَ عليه عبدَ الله بنَ عُمرَ وعبدَ الله بن الزُّبيرِ ومروانَ بن الحَكَم، فذكَرَ لهمُ الذي عرضَ لهُ، فكلُّهُم أمرَهُ أن يتَداوى بما لا بُدَّ منهُ ويَفْتدي، فإذا صحَّ، اعتمَرَ فحلَّ من إحرامِهِ، ثُمَّ عليه أن يحُجَّ قابِلًا ويُهدي.

    قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا فيمَنْ حُبِس بغيرِ عدُوٍّ.

    قال مالكٌ: والمُحصَرُ الذي أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ بقولِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة:١٩٦] هُو: المريضُ.

    قال: وإنَّما جَعلنا للمُحصَرِ (٥) بالعدُوِّ أن يحِلَّ بالسُّنَّةِ، وذلكَ أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حَصرَهُ العدُوُّ فحلَّ.

    قال مالكٌ: ولم نَجْعل لهُ الإحلالَ بالكِتابِ، وإنَّما جعلَناهُ بالسُّنَّةِ في ذلك. ذكر ذلك أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن مالكٍ، وهُو قولُ الشّافِعيِّ.

  31. وذكر مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، قِصَّةَ أبي أيُّوبَ، إذ فاتَهُ الحجُّ. وذكَرَ (٢) عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ، قِصَّةَ هبّارِ بن الأسودِ، إذ فاتَهُ الحجُّ أيضًا، فأمَرَ (٣) عُمرُ بن الخطّابِ كلَّ واحدٍ منهُما أن يحِلَّ بعمَلِ عُمق، ثُمَّ يحُجَّ من قابِلٍ ويُهدي، فمن لم يجِدْ صامَ ثلاثةَ أيام في الحجِّ، وسَبْعةً إذا رجَعَ.

    vol. 9, p. 463
  32. وهذا أمرٌ مجُتَمَعٌ عليه فيمَنْ فاتهُ الحجُّ، بعدَ أن أحرمَ به، ولم يُدرِك عَرَفةَ، إلّا يومَ النَّحرِ.

  33. والمُحصَرُ عن عَرَفةَ بمرضٍ عندَ مالكٍ والشّافِعيِّ: كذلك. وهُو قولُ الأوزاعيِّ؛ ذكرهُ الوليدُ بن مَزْيَدٍ (٤) عنهُ، قال: من أُحصِرَ بمرضٍ، فلا يحِلُّ من شيءٍ حتّى يحِلَّ بالبيتِ.

  34. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥) : أخبرني عليُّ بن ميمُونٍ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ السَّخْتيانيِّ وأيُّوبَ بن موسى وإسماعيلَ بن أُميَّةَ وعُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، قال: خرجَ عبدُ الله بن عُمر، فلمّا أتَى ذا الحُلَيفةِ أهَلَّ بالعُمْرةِ، فسارَ قليلًا، فخَشِيَ أن يُصدَّ عن البيتِ، فقال: إن صُدِدتُ، صَنعتُ كما صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: والله ما سَبيلُ الحجِّ، إلّا سبيلُ العُمرةِ، أُشهِدُكُم أنِّي قَدْ أوجَبتُ مع عُمرتي

    vol. 9, p. 464حجًّا. فسارَ حتّى أتَى قُدَيْدًا، فاشْتَرى منها هديًا، ثُمَّ قدِمَ مكَّةَ فطافَ بالبيتِ سَبْعًا، وبين الصفا والمروةِ، وقال: هكذا رأيتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فعَلَ.

  35. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: سمِعتُ عُبيدَ الله بن عُمرَ وعبدَ العزيزِ بن أبي رَوّادٍ، يُحدِّثانِ عن نافع، قال: خرَجَ ابنُ عُمرَ يُريدُ الحجَّ، زمانَ نزَلَ الحجّاجُ بابنِ الزُّبيرِ، فقيل لهُ: إن كان بَيْنهُما قِتالٌ، خِفْنا أن نُصدَّ عن (٢) البيتِ، فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] ، إذَنْ أصنَعَ كما صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجَبْتُ عُمرةً. حتّى إذا كان بظهرِ البَيْداءِ، قال: ما شأنُ الحجِّ والعُمْرةِ إلّا واحدٌ، أُشهِدُكُم أنِّي قد أوجتُ حَجًّا مع عُمرةٍ. وأهْدَى هديًا اشْتَراهُ بقُدَيدٍ. فانطلقَ، فقدِمَ مَكَّةَ فطافَ بالبيتِ، وبالصَّفا والمَرْوةِ، ولم يزِدْ على ذلك، لم يحلِقْ، ولم يُقصِّرْ، ولم يحللْ من شيءٍ كان أحرَمَ منهُ، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحَرَ وحلَقَ، ورأى أنْ قد قَضَى طَوافَهُ للحَجِّ والعُمرةِ، بطوافِهِ الأوَّلِ، وقال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.

  36. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ أرادَ أن يحُجَّ عامَ نزلَ الحجّاجُ بابن الزُّبيرِ، فقيل لهُ: إنَّ النّاسَ كائنٌ بينهُم شيءٌ، وإنّا نخافُ أن يصدُّونا، فقال: إذَنْ نَصْنَعُ كما صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، أُشهِدُكُم أنِّي قد

    vol. 9, p. 465أوجَبتُ حجًّا مع عُمْرتي. قال: فانطلَقَ يُهِلُّ بهما جميعًا، حتّى قدِمَ مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ، وبينَ الصَّفا والمروةِ، ولم يزِدْ على ذلك، ولم ينحَرْ، ولم يحلق (١) ، ولم يُقصِّر، ولم يحِلَّ من شَيءٍ حرَّمَهُ اللهُ عليه، حتّى كان يومُ النَّحرِ، فنحرَ، وحلَقَ، ورأى أنَّهُ قَدْ قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمرةِ بطَوافِهِ ذلك الأوَّلِ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (٢) .

  37. فعلى هذا، وعلى ما ذكَرْنا عن الصحابةِ في هذا البابِ (٣) من الآثارِ، مذهبُ الحِجازِّيينَ في الإحصارِ.

  38. وذكَرْنا هاهُنا رِوايةَ السَّختيانيِّ، وأيُّوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميَّةَ، وعُبيدِ الله بن عُمر، وعبدِ العزيزِ بن أبي روّادٍ، وموسى بن عُقبةَ، عن نافع لهذا الحديثِ؛ لأنَّ في رِوايةِ جَميعِهِم فيه -عن نافع، عن ابن عُمرَ-: أنَّهُ طافَ بالبيتِ، وسَعَى بين الصَّفا والمروةِ وهُو قارِنٌ، ثُمَّ قال: هكذا صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.

  39. وليسَ ذلك في رِواية مالكٍ، عن نافع، وهي زيادةُ قوم حُفّاظٍ ثِقاتٍ، وفيها حُجَّة قاطِعة لمالكٍ ومن تابَعهُ، في القارِنِ أنَّهُ لا يطُوفُ إلّا طوافًا واحدًا، ولا يَسْعَى إلّا سعيًا واحدًا، وسَنذكُرُ هذه المسألةَ في مَوْضِعِها من هذا البابِ إن شاءَ الله.

    وقال أبو حَنيفةَ: المُحصَرُ بالعدُوِّ والمرَضِ سواءٌ، يَذْبحُ هديَهُ في الحَرم، ويحِلُّ قبلَ (٤) يوم النَّحرِ إن ساق هديًا، وعليه حجَّة وعُمرةٌ (٥) . وهُو قولُ الطَّبريِّ.

    vol. 9, p. 466وقال أبو يوسُف ومحمدٌ: ليسَ ذلك لهُ، ولا يتحلَّلُ دُونَ يوم النَّحرِ. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والحسن بن صالح.

  40. واتَّفق أبو حنيفةَ وأصحابُهُ في المُحصَرِ بعُمرةٍ: أنّهُ يتَحلَّلُ منها مَتَى شاءَ، ويَنْحرُ هَدْيَهُ، سواءٌ بَقِيَ الإحصارُ إلى يوم النَّحرِ، أو زالَ عنهُ. هكذا روى محمدٌ، عن أبي يوسُفَ، عن أبي حَنِيفةَ.